Akhbar Cairo

مصر تجدد رفض تقسيم ليبيا وتتحرك تدريجيا نحو سوريا

القاهرة تتمسك بوحدة ليبيا وتفتح باب التنسيق المتدرج مع دمشق

أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، أن موقف مصر من الأزمات العربية يستند إلى قاعدة ثابتة عنوانها الحفاظ على الدولة الوطنية ورفض أي مساس بسيادتها أو وحدة أراضيها. وفي هذا السياق، شدد على أن تقسيم ليبيا مرفوض بالكامل، وأن القاهرة لا يمكن أن تقبل تحت أي ظرف بأي مسار يهدد وحدة الأراضي الليبية أو يفتح الباب أمام كيانات موازية ومزيد من الفوضى.

وفي الوقت نفسه، أوضح الوزير أن مصر تتحرك بصورة تدريجية ومدروسة في تطوير علاقاتها مع سوريا، مشيرا إلى أن التواصل مع دمشق قائم، وأن فكرة الزيارة مطروحة في إطار تفاهمات مستقبلية بين الجانبين، بما يعكس اتجاها مصريا يقوم على الانخراط السياسي المحسوب مع الحفاظ على ثوابت الدولة المصرية في دعم الاستقرار العربي.

ما الذي قاله وزير الخارجية عن سوريا؟

التحرك المصري تجاه سوريا لم يأت من فراغ، بل يتسق مع مسار معلن من وزارة الخارجية المصرية. ففي 31 ديسمبر 2024، أجرى بدر عبد العاطي اتصالا هاتفيا مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، أكد خلاله وقوف مصر إلى جانب الشعب السوري، والدعوة إلى عملية انتقال سياسي شاملة بملكية وطنية سورية، بعيدا عن الإملاءات أو التدخلات الخارجية، مع التشديد على الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة الأراضي السورية.

وتعزز هذا المسار لاحقا مع استقبال القاهرة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، حيث عقد الجانبان مباحثات موسعة يوم الأحد 3 مايو 2026 في القاهرة، بمشاركة وزير الصناعة المصري المهندس خالد هاشم ووزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار. وركز اللقاء على دفع العلاقات الثنائية، وتنسيق المواقف تجاه ملفات المنطقة، إلى جانب التأكيد المصري على احترام سيادة سوريا ووحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها.

كما كررت القاهرة في لقاءات رسمية لاحقة دعمها لوحدة سوريا ومؤسساتها الوطنية، معتبرة أن استعادة الاستقرار هناك لا تنفصل عن الأمن العربي الأوسع، ولا سيما في ظل تشابك ملفات الحدود، والإرهاب، وإعادة الإعمار، وعودة سوريا إلى دورها الطبيعي داخل محيطها العربي.

ليبيا.. ملف يرتبط مباشرة بالأمن القومي المصري

بالنسبة إلى ليبيا، تتعامل مصر مع التطورات هناك باعتبارها قضية تمس أمنها القومي بشكل مباشر، بحكم الجوار الجغرافي وطول الحدود المشتركة، فضلا عن انعكاسات أي اضطراب ليبي على حركة السلاح والهجرة غير الشرعية وشبكات التهريب والتنظيمات المسلحة.

ومن هذا المنطلق، كررت الخارجية المصرية في أكثر من مناسبة خلال 2025 و2026 تمسكها بجملة من المحددات الواضحة في الملف الليبي، من بينها:

  • الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها.
  • رفض التدخلات الخارجية وأي وجود عسكري غير شرعي.
  • دعم المؤسسات الوطنية الليبية والعمل على توحيدها.
  • التمسك بالحل الليبي-الليبي من خلال حوار وتوافق بين الأطراف.
  • إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن في أقرب وقت ممكن.
  • خروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من الأراضي الليبية.

هذا التوجه ظهر بوضوح في اتصالات ولقاءات رسمية عدة أجراها الوزير بدر عبد العاطي مع مسؤولين عرب ودوليين، حيث شدد مرارا على أن وحدة ليبيا ليست بندا تفاوضيا بالنسبة إلى مصر، بل جزء من معادلة الاستقرار الإقليمي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

ثوابت مصرية تحكم التعامل مع أزمات الإقليم

وفي عرض أوسع لمحددات السياسة الخارجية المصرية، أوضح عبد العاطي في لقاء مع ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية بالقاهرة يوم 12 أغسطس 2025 أن مقاربة مصر للأزمات الإقليمية تقوم على دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها، واحترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وهذه المبادئ نفسها تنعكس بوضوح في الموقفين المصريين من ليبيا وسوريا.

وبالنسبة إلى القارئ المصري، تبدو هذه الرسائل منسجمة مع تصور أوسع للسياسة الخارجية المصرية في العالم العربي، يقوم على احتواء بؤر التفكك قبل تحولها إلى أزمات مزمنة تهدد الأمن الإقليمي. فالقاهرة تنظر إلى منع تقسيم الدول العربية باعتباره أولوية استراتيجية، سواء تعلق الأمر بليبيا أو سوريا أو غيرهما من ساحات الاضطراب.

لماذا يهم هذا التحرك مصر والمنطقة؟

الرسالة المصرية المزدوجة تجاه ليبيا وسوريا تعكس محاولة لتحقيق توازن بين التمسك بالمبادئ والانفتاح البراغماتي. ففي ليبيا، تريد القاهرة تسوية سياسية تنهي ازدواج المؤسسات وتمنع الانزلاق إلى مزيد من التفكك. وفي سوريا، تسعى إلى تطوير العلاقات بصورة تدريجية تتيح دعم الاستقرار، وتشجع على الحل السياسي، وتفتح الباب أمام تعاون اقتصادي وإقليمي أوسع عندما تسمح الظروف بذلك.

وتزداد أهمية هذا المسار في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها أزمات غزة والسودان ولبنان والبحر الأحمر مع ملفات ليبيا وسوريا. لذلك، فإن أي تحرك مصري في هذين الملفين لا يُقرأ فقط من زاوية العلاقات الثنائية، بل أيضا من زاوية إعادة ترتيب التوازنات العربية ومنع تمدد الفراغ السياسي والأمني.

تطوير العلاقات مع دمشق.. خطوة محسوبة لا قفزة مفاجئة

اللافت في الموقف المصري أن القاهرة لا تقدم انفتاحها على دمشق بوصفه تحولا مفاجئا، بل باعتباره مسارا تدريجيا. هذا يعني عمليا أن تطوير العلاقات لن ينفصل عن متابعة تطورات الداخل السوري، ومستوى الاستقرار، وفرص التقدم في العملية السياسية، وكذلك احتياجات إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي العربي على سوريا.

وخلال مباحثات القاهرة مع أسعد الشيباني، جرى التطرق أيضا إلى سبل تعزيز التعاون الاقتصادي، وهو ما يفسر مشاركة مسؤولين معنيين بالصناعة والاقتصاد في اللقاء. وبالنسبة إلى مصر، فإن أي انخراط اقتصادي أو سياسي مع سوريا يرتبط في النهاية بفكرة استعادة الدولة السورية لعافيتها، وعودة مؤسساتها للعمل بصورة مستقرة، بما يفيد الشعب السوري والمنطقة ككل.

خلاصة المشهد

يمكن تلخيص الرسالة المصرية في عنوانين واضحين: لا لتقسيم ليبيا، ونعم لتطوير مدروس للعلاقات مع سوريا. الأول يرتبط بحسابات الأمن القومي المصري ورفض تفكيك الدول العربية، والثاني يعكس رغبة في استعادة قنوات العمل العربي المشترك مع دمشق، لكن من دون التخلي عن محددات الحل السياسي واحترام سيادة الدولة الوطنية.

وبين هذين العنوانين، تحاول القاهرة أن ترسخ خطابا سياسيا يقوم على حماية وحدة الدول، وتغليب التسويات السياسية، ومنع الأزمات العربية من التحول إلى خرائط جديدة على حساب الشعوب ومؤسسات الدولة. وهي مقاربة تبدو أقرب إلى المزاج الرسمي المصري الذي يرى أن استقرار الإقليم يبدأ أولا من الحفاظ على الدولة ومنع التقسيم.