مصر تدرس نقل ملكية شركات عامة لتعظيم العائد وخفض الدين
الحكومة تعيد ترتيب خريطة ملكية الشركات العامة
تتجه الحكومة المصرية إلى دراسة نقل ملكية أو تبعية عدد من الشركات القابضة والتابعة المملوكة للدولة، في خطوة تقول إنها تستهدف تعظيم العائد الاقتصادي من الأصول العامة، وتحسين كفاءة الإدارة، وتخفيف الضغوط المرتبطة بالدين العام. ويأتي هذا التوجه ضمن الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة 2026-2030، التي أُطلقت رسميًا في 17 يونيو 2026 تحت عنوان «تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر»، بحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي.
الملف لا يتعلق فقط ببيع حصص أو طرح شركات في البورصة، بل بإعادة تنظيم دور الدولة نفسها داخل الاقتصاد، بحيث تنتقل من إدارة مباشرة لعدد واسع من الأنشطة إلى دور أكثر تركيزًا على التنظيم والتمكين والرقابة، مع توسيع مساحة مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار والإدارة والتشغيل. هذا التوجه ظهر بوضوح في ملامح الوثيقة المحدثة، كما تكرر في اجتماعات الحكومة الخاصة بمتابعة الشركات المملوكة للدولة خلال 2026.
ماذا قالت الحكومة؟
بحسب ما أعلنه مجلس الوزراء في اجتماعات المتابعة الأخيرة، أكد الدكتور مصطفى مدبولي أن الحكومة مستمرة في تنفيذ خطة التخارج من بعض الأنشطة والشركات، بما يوسع قاعدة مشاركة القطاع الخاص ويعزز الاستفادة من أصول الدولة. كما شدد على أن إعادة الهيكلة تستهدف تطبيق معايير الإدارة المهنية والحوكمة والشفافية، مع متابعة مؤشرات الأداء وخطط الإصلاح بصورة مستمرة.
وفي هذا السياق، أوضح المستشار محمد الحمصاني، المتحدث باسم رئاسة مجلس الوزراء، أن الاجتماعات تناولت مؤشرات الشركات القابضة وملف الأصول غير المستغلة، بما في ذلك الأراضي التابعة لبعض الشركات، تمهيدًا لتحديد أفضل استخدام اقتصادي لها وإعداد فرص استثمارية جاهزة للطرح. وتستند هذه العملية إلى أعمال حصر وقواعد بيانات تديرها الجهات المختصة، بهدف الوصول إلى استخدام أكثر كفاءة للأصول العامة.
من وثيقة الملكية إلى التنفيذ العملي
الإطار الحاكم لهذه التحركات هو الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة للفترة 2026-2030، الذي قدمته الحكومة باعتباره مرحلة جديدة من الإصلاحات الهيكلية. ووفقًا للهيئة العامة للاستعلامات، يرتكز هذا الإصدار على تعميق دور القطاع الخاص، وإعادة تعريف الدور الاقتصادي للدولة، في ضوء قانون رقم 170 لسنة 2025، مع وضع قواعد أكثر وضوحًا لتصنيف الشركات وتحديد ما ينبغي أن تستمر الدولة فيه وما يمكن إعادة هيكلته أو التخارج منه.
كما أظهرت متابعة الحكومة في مايو 2026 أن هناك خطة تنفيذية مطلوبة لتحديد القطاعات المستهدفة خلال السنوات الثلاث المقبلة، إلى جانب إصدار قرارات تخص نقل تبعية الشركات التي كانت تتبع وزارة قطاع الأعمال العام سابقًا بعد إلغائها. وحددت الحكومة آنذاك موعدًا قبل 30 يونيو 2026 لإعداد هذه القرارات، بما يعكس انتقال الملف من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة إعادة التنظيم المؤسسي.
هل يشمل ذلك النقل إلى صندوق مصر السيادي؟
أحد المسارات المطروحة داخل خطة إعادة الهيكلة هو نقل بعض الشركات إلى صندوق مصر السيادي أو إلى جهات وصناديق قومية أخرى، بحسب طبيعة النشاط والجدوى الاستثمارية. وفي 1 مارس 2026، تناولت تقارير محلية مصرية أن الحكومة درست نقل نحو 40 شركة مملوكة للدولة إلى الصندوق، في إطار إعادة هيكلة أوسع بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، مع الحديث عن معايير تشمل الميزة التنافسية والقدرة على تحقيق عوائد مستدامة.
لكن الأهم هنا أن الحكومة لم تقدم الأمر باعتباره إجراءً محاسبيًا فقط، بل كجزء من استراتيجية إدارة أصول، تشمل القيد في البورصة لبعض الشركات، ونقل شركات أخرى إلى هياكل استثمارية مختلفة، وإعادة هيكلة شركات كبرى قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن مصيرها. هذا ما ظهر أيضًا في تقرير وحدة الشركات المملوكة للدولة، التي تحدثت عن إعداد قوائم بالشركات المستهدف نقلها إلى صندوق مصر السيادي، وأخرى مرشحة للقيد في البورصة المصرية.
أرقام ترسم صورة أوسع
التحرك الحكومي يأتي بينما تواصل الدولة التركيز على ضبط أوضاع المالية العامة وخفض أعباء الدين. ووفق تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في 2026 بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر، فإن الدين العام تراجع في السنة المالية 2024/2025 ثم يُتوقع أن يرتفع بصورة طفيفة في 2025/2026 قبل أن يستأنف مساره النزولي بدءًا من 2026/2027. ويعكس ذلك سبب تمسك الحكومة بتعظيم العائد من الأصول وفتح المجال أمام استثمارات خاصة أوسع.
ومن زاوية أخرى، تواصل الحكومة ربط ملف الشركات المملوكة للدولة ببرنامج الطروحات العامة. ففي مايو 2026، أعلنت متابعة قيد شركات جديدة تمهيدًا لطرح حصص منها في البورصة، كما جرى الحديث عن نجاح القيد المؤقت لعدد من الشركات خلال مارس وأبريل والنصف الأول من يونيو 2026، مع استمرار التنسيق لإدراج شركات من قطاع البترول أيضًا.
من يدير هذا الملف؟
الاجتماعات الحكومية الخاصة بهذا الملف ضمت، إلى جانب رئيس الوزراء، الدكتور حسين عيسى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، والدكتور هاشم السيد مساعد رئيس مجلس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة، إلى جانب وزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب في بعض مسارات المتابعة الخاصة بالاستثمار والطروحات، بينما شارك وزير المالية أحمد كجوك عبر الاتصال المرئي في بعض الاجتماعات ذات الصلة بالديون وإدارة الأصول العامة.
وتلعب وحدة الشركات المملوكة للدولة دورًا محوريًا في هذا المسار. ووفق ما عُرض على رئيس الوزراء في مايو 2026، أطلقت الوحدة منظومة رقمية باسم «رشيد» لحصر وتصنيف الشركات المملوكة للدولة أو التي تساهم فيها، مع قاعدة بيانات تضم أكثر من 600 شركة، وإدراج وتحليل بيانات نحو 120 شركة كمرحلة تشغيل أولية. الهدف المعلن هو دعم اتخاذ القرار على أساس بيانات مالية وتشغيلية محدثة، بدلًا من الاعتماد على تقديرات جزئية أو غير موحدة.
ماذا عن العمالة والإنتاج؟
في النقطة الأكثر حساسية محليًا، شددت الحكومة على أن إعادة توزيع الملكية أو التبعية لا تعني وقف التشغيل أو تعطيل خطط التطوير الجارية. كما سبق أن أكد مصطفى مدبولي أن إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام لا يعني تصفية الشركات أو تسريح العاملين، بل إعادة تنظيم إدارتها وتوزيع تبعيتها بصورة أكثر كفاءة، سواء عبر الوزارات المختصة أو صندوق مصر السيادي أو غيره من الأطر المؤسسية.
هذا التطمين مهم لأن عدداً من الشركات العامة يرتبط مباشرة بسلاسل إنتاج وتشغيل واسعة، وبعضها يمتلك أراضي وأصولًا كبيرة غير مستغلة بالكامل. لذلك، يبدو أن الرهان الحكومي الحالي يقوم على الجمع بين ثلاثة أهداف في وقت واحد: الحفاظ على استمرارية النشاط، ورفع كفاءة الإدارة، وتحويل الأصول الجامدة إلى فرص استثمارية مولدة للعائد.
ما الذي يعنيه ذلك للاقتصاد المصري؟
إذا نُفذت هذه الخطة وفق ما تعلنه الحكومة، فمن المرجح أن تؤثر على أكثر من ملف في آن واحد: تنشيط برنامج الطروحات، جذب استثمارات محلية وأجنبية، تحسين استخدام الأراضي والأصول غير المستغلة، وتقليل الضغط على الموازنة العامة عبر تعظيم الإيرادات غير الضريبية أو خفض الالتزامات المرتبطة ببعض الكيانات. لكن النجاح الفعلي سيعتمد على شفافية التقييم، وسرعة التنفيذ، وطبيعة الشركات التي ستُنقل أو تُطرح، ومدى قدرة الإدارة الجديدة على تحقيق نتائج تشغيلية أفضل.
في المحصلة، تتحرك مصر نحو مرحلة أكثر حسماً في إدارة ملكية الدولة، ليس فقط عبر التخارج الجزئي أو الطرح في البورصة، بل عبر إعادة رسم العلاقة بين الحكومة والشركات التابعة لها. وبينما تضع الدولة خفض الدين وتعظيم العائد في مقدمة الأهداف، ستبقى الأنظار موجهة إلى كيفية ترجمة هذه التعهدات إلى صفقات وقرارات تنفيذية ملموسة خلال النصف الثاني من 2026 وما بعده.