Akhbar Cairo

مصر تدين مع قطر وتركيا استهداف المدنيين في غزة

موقف مصري جديد يؤكد أولوية حماية المدنيين في غزة

جدّدت مصر موقفها الرافض للتصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة، بعدما صدر بيان مشترك عن القاهرة والدوحة وأنقرة بصفتها أطرافاً وسيطة في ملف التهدئة، شدد على أن الانتهاكات المتواصلة داخل القطاع، وفي مقدمتها استهداف المرافق والمنشآت الصحية وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، تمثل تقويضاً مباشراً لجهود تثبيت وقف إطلاق النار ومسار التفاوض الجاري بشأنه.

ويحمل هذا الموقف دلالة خاصة بالنسبة للقاهرة، التي تضع ملف غزة في صدارة تحركاتها الدبلوماسية والإغاثية، سواء عبر الاتصالات السياسية المكثفة أو عبر الدفع المستمر نحو فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية والطبية. كما يعكس البيان تمسك مصر بالمرجعية القانونية الدولية في التعامل مع الحرب، لا سيما ما يتعلق بحماية المدنيين والمنشآت الطبية ورفض أي ممارسات تخرج عن قواعد القانون الدولي الإنساني.

ماذا قال البيان المشترك؟

البيان الصادر عن الوسطاء الثلاثة أدان بشدة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة، وركز بصورة واضحة على استهداف المؤسسات الصحية والبنية الطبية، إلى جانب سقوط ضحايا من المدنيين، بينهم نساء وأطفال. واعتبر أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، كما أنها تضرب أسس التهدئة وتضعف فرص استدامة أي اتفاق لوقف إطلاق النار.

أهمية البيان لا تقتصر على لغة الإدانة، بل تمتد إلى توقيته أيضاً، إذ يأتي بينما تواصل مصر وقطر تحركاتهما لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، مع تأكيد رسمي من وزارة الخارجية المصرية على السعي للتوصل إلى هدنة مؤقتة لمدة 60 يوماً تمهد لاتفاق دائم، وتسمح بفتح المعابر وإدخال المساعدات على نحو أوسع.

الدور المصري في الوساطة.. تحرك سياسي يتجاوز بيانات الإدانة

بالنسبة لمصر، لا ينفصل البيان الأخير عن مسار أوسع من التحركات السياسية التي تقودها القاهرة منذ اندلاع الحرب. فوزارة الخارجية المصرية بقيادة الدكتور بدر عبد العاطي تواصل التأكيد في أكثر من مناسبة على أن استدامة وقف إطلاق النار لا يمكن أن تتحقق من دون حماية المدنيين وضمان تدفق المساعدات ووقف استهداف البنية المدنية في القطاع.

وفي بيانات رسمية سابقة، شددت القاهرة على أن أي تسوية يجب أن تفضي إلى تهدئة كاملة، وانسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل من القطاع، ورفض أي محاولات لتقسيم غزة، مع تمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها باعتبار القطاع جزءاً من الأرض الفلسطينية المحتلة. هذا السياق يوضح أن البيان المصري-القطري-التركي ليس موقفاً منفصلاً، بل حلقة ضمن سياسة مصرية معلنة تربط بين وقف النار، والإغاثة العاجلة، والمسار السياسي الأشمل.

المنشآت الصحية في قلب الأزمة

التركيز على استهداف المرافق الصحية في البيان المشترك يعكس تصاعد القلق الإقليمي والدولي من انهيار المنظومة الطبية في غزة. فالمنشآت الصحية تحظى بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، وأي استهداف لها يهدد ليس فقط المصابين والمرضى داخلها، بل أيضاً قدرة السكان المدنيين على البقاء في ظل الحصار ونقص الدواء والوقود والمستلزمات الطبية.

ومن منظور مصري، فإن تدهور القطاع الصحي في غزة يرتبط مباشرة بمسألة فتح المعابر وإدخال الإغاثة، وهي نقطة تكررها القاهرة بصورة منتظمة في اتصالاتها الإقليمية والدولية. كما أن استمرار الضربات على البنية الصحية يجعل من الصعب الحديث عن هدنة مستقرة أو عن بيئة مناسبة لأي ترتيبات إنسانية أو سياسية لاحقة. وهذا استنتاج تدعمه مواقف مصر الرسمية التي تربط بين الهدنة ورفع العقبات أمام المساعدات الإنسانية والإيوائية ومتطلبات التعافي وإعادة التأهيل.

لماذا يكتسب الموقف الثلاثي أهمية الآن؟

البيان المشترك بين مصر وقطر وتركيا يلفت الانتباه إلى اتساع دائرة الدول المنخرطة في الضغط من أجل تثبيت التهدئة. ورغم أن القاهرة والدوحة ظلتا في صدارة مسار الوساطة، فإن الحضور التركي في هذا الملف اكتسب زخماً خلال الفترة الماضية عبر تنسيق سياسي معلن مع مصر بشأن تنفيذ الالتزامات المرتبطة باتفاق غزة.

كما أن صدور إدانة مشتركة من ثلاث دول لها أدوار مباشرة أو داعمة في جهود الوساطة يوجه رسالة سياسية مزدوجة: الأولى أن الانتهاكات على الأرض أصبحت تهدد بوضوح فرص الحفاظ على وقف إطلاق النار، والثانية أن الوسطاء أنفسهم باتوا يعتبرون حماية المنشآت الصحية والمدنيين جزءاً أساسياً من أي تفاهم قابل للحياة، وليس مجرد ملف إنساني منفصل عن التفاوض.

أرقام الحرب تضاعف الضغوط على الوسطاء

التطورات الميدانية الأخيرة تزيد من صعوبة مهمة الوسطاء. ووفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، فإن الحرب المستمرة منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 أسفرت، بحسب وزارة الصحة في غزة، عن مقتل 73,375 شخصاً في القطاع، بينما تواصل الضربات الإسرائيلية إيقاع خسائر بشرية ومادية واسعة.

هذه الأرقام، بصرف النظر عن استمرار الجدل السياسي حول مجريات الحرب، تفسر الإصرار المصري على أن الأولوية العاجلة يجب أن تكون لوقف استهداف المدنيين، وتأمين وصول الغذاء والدواء، ومنع مزيد من الانهيار في البنية الصحية والإغاثية. كما تفسر سبب عودة القاهرة بشكل متكرر إلى الحديث عن هدنة مؤقتة تقود إلى وقف دائم، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات قصيرة الأجل لا تصمد أمام التصعيد العسكري.

كيف تنظر القاهرة إلى المرحلة المقبلة؟

في القراءة المصرية، لا يكفي إصدار بيانات الإدانة ما لم يقترن ذلك بتحرك دولي يفرض احترام القانون الدولي الإنساني، ويضمن عدم استهداف المستشفيات وسيارات الإسعاف ومراكز الإيواء، إلى جانب فتح مسارات آمنة ومستدامة للمساعدات. ولهذا تواصل القاهرة استخدام قنواتها الدبلوماسية مع الأطراف الإقليمية والدولية لدعم مسار تفاوضي يخفف المأساة الإنسانية ويمنع اتساع رقعة التصعيد.

وتستند هذه الرؤية إلى عدة مرتكزات أساسية:

  • أولاً: حماية المدنيين باعتبارها أولوية لا تقبل التأجيل.
  • ثانياً: تحصين اتفاق وقف إطلاق النار من أي خروقات تعيده إلى نقطة الصفر.
  • ثالثاً: إدخال المساعدات الإنسانية والطبية والإيوائية بصورة كافية وآمنة.
  • رابعاً: منع أي ترتيبات تمس وحدة قطاع غزة أو تكرس واقعاً جديداً بالقوة.
  • خامساً: ربط المسار الإنساني بحل سياسي أشمل يستند إلى حل الدولتين.

هذه الثوابت ظهرت بوضوح في أكثر من بيان وتحرك رسمي مصري خلال الأشهر الماضية، ما يمنح البيان الثلاثي الأخير وزناً أكبر من مجرد رد فعل آني على تطور ميداني، ويجعله امتداداً لخط دبلوماسي مصري ثابت في التعاطي مع الحرب على غزة.

رسالة القاهرة: لا هدنة مستقرة مع استمرار الانتهاكات

الخلاصة التي يبرزها الموقف المصري واضحة: لا يمكن الحديث عن اتفاق قابل للاستمرار في غزة بينما تتواصل الانتهاكات ضد المدنيين والمنشآت الصحية. ومن هنا جاء التحذير المشترك مع قطر وتركيا من أن هذه الممارسات لا تمثل فقط خرقاً قانونياً وأخلاقياً، بل تقوض أيضاً الأساس العملي والسياسي لأي وقف لإطلاق النار.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن دلالة هذا البيان تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية؛ فهو يعكس استمرار القاهرة في لعب دور محوري داخل أكثر ملفات الإقليم حساسية، مع تمسكها بأن معالجة الأزمة تبدأ بوقف النار، وحماية الإنسان، وإنقاذ ما تبقى من البنية المدنية في غزة، ثم الانتقال إلى مسار سياسي يضمن عدم تكرار المأساة من جديد.