Akhbar Cairo

مصر تستعين بالخبرة الكورية لتسريع الإفراج الجمركي

مصر تعمّق تعاونها الدولي لتحديث الجمارك

تسابق مصر الزمن لإعادة صياغة منظومة العمل الجمركي بما يتماشى مع التحولات المتسارعة في التجارة العالمية، خصوصًا مع النمو الكبير في التجارة الإلكترونية العابرة للحدود وارتفاع أهمية البيانات المسبقة في إدارة المخاطر. وفي هذا السياق، أكد أحمد أموي، رئيس مصلحة الجمارك المصرية، أن الدولة تتجه إلى الاستفادة من التجارب الدولية المتقدمة لتحديث الإجراءات، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا، وتحسين استخدام نظام التسجيل المسبق للشحنات ACI بما ينعكس على سرعة الإفراج عن الشحنات وتيسير حركة التجارة.

هذا التوجه لا يأتي بمعزل عن خطة أوسع تنفذها وزارة المالية ومصلحة الجمارك لخفض زمن الإفراج الجمركي، وتعزيز الحوكمة، ورفع تنافسية الاقتصاد المصري. ووفق ما أعلنته مصلحة الجمارك ووزارة المالية في مناسبات متقاربة، فإن الهدف الحالي يتمثل في تقليص زمن الإفراج من 8 أيام إلى يومين، مع استكمال مسار الميكنة والتخليص المسبق وتوسيع الحلول الرقمية داخل المنافذ الجمركية.

الخبرة الكورية الجنوبية في صدارة التعاون

ضمن هذا المسار، شارك وفد من مصلحة الجمارك المصرية في برنامج متقدم لبناء القدرات نظمته الوكالة الكورية للتعاون الدولي بالتعاون مع هيئة الجمارك الكورية في العاصمة الكورية سيول. وركز البرنامج على إدارة شحنات التجارة الإلكترونية عبر الحدود، إلى جانب قضايا التقييم الجمركي والتعامل مع الزيادة المستمرة في الطرود البريدية وشحنات الشحن السريع.

الوفد المصري ترأسته الدكتورة أمل الجابري، مدير عام مبادرات التطوير والإصلاح الجمركي، ورئيسة وحدة التجارة الإلكترونية، وضم أيضًا عددًا من المسؤولين المختصين بملفات التطوير والتشغيل. وتكتسب مشاركة الجابري أهمية خاصة داخل هذا الملف؛ إذ سبق أن برز اسمها في أكثر من فعالية رسمية مرتبطة بإصلاح المنظومة الجمركية، كما قادت ملفات تطويرية داخل المصلحة وحصلت من خلالها الجمارك المصرية على تقدير في جائزة مصر للتميز الحكومي.

ماذا درست البعثة المصرية في سيول؟

البرنامج الكوري لم يكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل تناول الجوانب التشغيلية الدقيقة التي تمس كفاءة الإفراج الجمركي. واطلع الوفد المصري على كيفية إدارة كوريا الجنوبية للأحجام المتزايدة من شحنات التجارة الإلكترونية، خاصة تلك الواردة عبر البريد والشحن السريع، وهي الفئة التي تمثل تحديًا متصاعدًا لمعظم الإدارات الجمركية حول العالم بسبب كثافة المعاملات وصغر قيمة عدد كبير من الشحنات وتنوعها.

كما شمل البرنامج دراسة آليات دمج تبادل المعلومات مع نظم تحليل المخاطر، بما يسمح بتوجيه جهود الفحص والرقابة إلى الشحنات الأعلى خطورة، مع الحد من التدخلات غير الضرورية في الشحنات المشروعة. وهذه النقطة بالذات تتسق مع توجه مصر نحو توسيع المسار الأخضر، وتخفيف الأعباء الإجرائية على المتعاملين الملتزمين.

واطلع الوفد أيضًا على دور اللجان الفنية المتخصصة ونظام الأحكام المسبقة في توحيد قرارات التصنيف والتقييم الجمركي، وهو ما يمكن أن يسهم في تقليل النزاعات مع المستوردين والمصدرين، ورفع مستوى الشفافية واليقين القانوني في المعاملات التجارية.

إنشيون.. نموذج عملي لإدارة الشحنات الذكية

ومن أبرز محطات الزيارة، التعرف ميدانيًا إلى عمليات العمل داخل مركز إنتشون اللوجستي في كوريا الجنوبية، حيث تابع الوفد آليات الربط بين بيانات الشحنات وصور الأشعة السينية، واستخدام التحليل الفني لدعم قرارات الفحص والاستهداف، إلى جانب إجراءات التحقق من بيانات المستوردين.

هذا النوع من التكامل بين البيانات والصور والتحليل يكتسب أهمية كبيرة بالنسبة لمصر، خصوصًا مع السعي إلى بناء منظومة جمركية أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي والتحليلات المسبقة. وكان أحمد أموي قد أكد في تصريحات رسمية سابقة أن مصلحة الجمارك تعمل على بناء منظومة حديثة تعتمد على الميكنة والذكاء الاصطناعي لتقليل زمن الإفراج وتحسين بيئة الاستثمار ودعم تنافسية الصادرات المصرية.

ما الذي يمكن أن يتغير في مصر بعد الزيارة؟

التوصيات التي خرجت بها البعثة المصرية تشير إلى أن التركيز سينصب خلال الفترة المقبلة على عدة مسارات تنفيذية، في مقدمتها تطوير منظومة ACI لشحنات التجارة الإلكترونية، ودراسة إمكانية استحداث رمز جمركي شخصي عبر منصة نافذة لتسهيل التعرف على المتعاملين وضبط البيانات، إلى جانب تقييم فرص الربط المركزي لصور الأشعة وتعزيز التحليل المتخصص لمخاطر الشحنات البريدية والسريعة.

ومن المنتظر كذلك دراسة تحسين إجراءات التصنيف الجمركي، والتوسع في العمل بالأحكام المسبقة، وبحث إمكانية مواءمة بعض التطبيقات الكورية مع احتياجات النظام الجمركي المصري، بدلًا من النقل الحرفي للنموذج الأجنبي. وهذه المقاربة تبدو أكثر واقعية في ظل اختلاف أحجام السوق، وهيكل الواردات، وطبيعة المنافذ، وبيئة الأعمال بين البلدين.

منصة نافذة وACI.. العمود الفقري للتطوير

تعتمد مصر منذ سنوات على منصة نافذة كأداة مركزية في مشروع النافذة الواحدة للتجارة الخارجية. ووفق بيانات منشورة عن وزارة المالية، تغطي المنظومة نحو 99.9% من الواردات والصادرات المصرية عبر 15 مركزًا لوجستيًا. كما أصبح نظام ACI إلزاميًا للواردات البحرية منذ 1 أكتوبر 2021، قبل أن تتوسع الدولة لاحقًا في تطبيقاته على الشحن الجوي ضمن خطة التحول الرقمي الشامل.

وتظهر أهمية هذا التوسع في أن التسجيل المسبق للشحنات يتيح للسلطات الحصول على البيانات قبل وصول البضائع، بما يساعد على تقييم المخاطر مبكرًا، وتحديد الشحنات التي تستحق الفحص بدقة أكبر، وتقليل زمن الانتظار داخل الموانئ. كما أعلنت وزارة المالية ومصلحة الجمارك في أكثر من مناسبة أن تطبيقات نافذة وACI أسهمت بالفعل في خفض مدد الإفراج، إلى جانب تقليل التكدس ورفع درجة الانضباط الإجرائي.

لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟

رغم أن الخبر يبدو فنيًا في ظاهره، فإن أثره المباشر يمس الاقتصاد المصري وحياة المستهلكين والشركات معًا. فكلما انخفض زمن الإفراج الجمركي، تقل تكاليف التخزين والأرضيات والتأخير، وهو ما ينعكس على تكلفة الاستيراد، وسرعة دوران السلع ومدخلات الإنتاج، وكفاءة سلاسل الإمداد. وبالنسبة للشركات الصغيرة والعاملة في التجارة الإلكترونية، فإن وجود إجراءات أوضح وأسرع يعني قدرة أكبر على التوسع والتسعير بشكل تنافسي.

كذلك، فإن تحديث التعامل مع الطرود البريدية والشحن السريع بات ضرورة ملحة، لأن جزءًا متزايدًا من التجارة العالمية يتحرك عبر منصات إلكترونية وصفقات صغيرة ومتكررة، لا عبر الشحنات التقليدية الضخمة فقط. ومن هنا تبدو الخبرة الكورية الجنوبية ذات قيمة خاصة، باعتبارها نابعة من دولة تمتلك بنية رقمية متقدمة وخبرة واسعة في دمج التكنولوجيا مع الخدمات اللوجستية.

اتجاه عالمي.. ومصر تريد موضعًا أفضل

في النهاية، يعكس التحرك المصري نحو الاستفادة من التجربة الكورية قناعة متزايدة بأن الإصلاح الجمركي لم يعد مجرد ملف إداري، بل بات عنصرًا أساسيًا في التنافس على الاستثمار والتجارة وسلاسل التوريد الدولية. ومع استمرار العمل على تقليص زمن الإفراج، وتطوير نافذة، وتحسين إدارة شحنات التجارة الإلكترونية، تبدو القاهرة ماضية في محاولة تثبيت موقعها كمركز إقليمي أكثر كفاءة في الخدمات اللوجستية والتجارية.

  • أبرز ما تستهدفه مصر: خفض زمن الإفراج الجمركي من 8 أيام إلى يومين.
  • أهم أداة رقمية: منصة نافذة ونظام التسجيل المسبق للشحنات ACI.
  • محور التعاون الدولي: الاستفادة من خبرة كوريا الجنوبية في التجارة الإلكترونية والشحن السريع.
  • الخطوة التالية: دراسة تطوير ACI لشحنات التجارة الإلكترونية وربط صور الأشعة وتحسين تحليل المخاطر.

وبينما لا تزال بعض هذه التوصيات في مرحلة الدراسة والتكييف، فإن المؤكد أن ملف الجمارك أصبح في قلب معركة التنافس الاقتصادي، وأن أي نجاح في هذا المسار ستكون له تداعيات أوسع من حدود الموانئ والمنافذ، ليصل إلى المصنع والتاجر والمستهلك في الداخل المصري.