مصر تشدد إدانتها لاقتحام بن غفير المسجد الأقصى
موقف مصري حاسم تجاه اقتحام الأقصى
جدّدت مصر إدانتها الشديدة لاقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ومجموعات من المستوطنين المسجد الأقصى المبارك، في واقعة وصفتها القاهرة بأنها تمثل تصعيدًا خطيرًا واستفزازًا مرفوضًا، فضلًا عن كونها انتهاكًا صارخًا للوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس الشرقية المحتلة. وجاء الموقف المصري عبر بيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية، ونقلته كذلك الهيئة العامة للاستعلامات، في تأكيد جديد على أن ملف القدس والمقدسات يظل في صدارة التحركات الدبلوماسية المصرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
البيان المصري شدد على رفض أي إجراءات أو ممارسات من شأنها تغيير الواقع القائم في الحرم القدسي الشريف، كما حذر من أن استمرار هذه الانتهاكات من شأنه إذكاء التوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتهديد الاستقرار الإقليمي، في توقيت بالغ الحساسية تشهده المنطقة منذ اتساع نطاق الحرب والعمليات العسكرية في غزة والضفة الغربية خلال العامين الأخيرين.
ماذا قالت القاهرة رسميًا؟
بحسب ما نشرته وزارة الخارجية المصرية، فإن القاهرة أدانت بأشد العبارات قيام وزير الأمن القومي الإسرائيلي باقتحام المسجد الأقصى، معتبرة أن الخطوة تقوض الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس الشرقية، وتمثل مخالفة واضحة لأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. كما أعربت مصر عن قلقها من استمرار القيود المفروضة على دخول المصلين إلى المسجد الأقصى وتقييد حرية العبادة داخله، معتبرة أن هذه الإجراءات تزيد الاحتقان وتفتح الباب أمام مزيد من التصعيد.
ولم يقتصر الموقف المصري على الإدانة المنفردة، إذ شاركت القاهرة أيضًا في بيانات وتحركات دبلوماسية أوسع مع دول عربية وإسلامية، شددت على أن كامل مساحة المسجد الأقصى المبارك، البالغة 144 دونمًا، هي مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن إدارة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص الحصري بإدارة شؤونه وتنظيم الدخول إليه.
تفاصيل الاقتحام والتصعيد على الأرض
الوقائع المرتبطة باقتحامات الأقصى لم تعد حادثًا منفصلًا، بل باتت جزءًا من نمط متكرر يتصاعد مع المناسبات الدينية اليهودية أو مع التوترات السياسية والأمنية في القدس والضفة الغربية. تقارير فلسطينية وإقليمية وثقت خلال 2026 اقتحامات قادها أو شارك فيها إيتمار بن غفير، صاحب المواقف اليمينية المتشددة، وسط حماية مشددة من الشرطة الإسرائيلية، وبمشاركة أعداد كبيرة من المستوطنين.
وفي 27 سبتمبر 2026، أفادت تقارير فلسطينية وإقليمية بأن أكثر من ألف مستوطن اقتحموا المسجد الأقصى في سياق تصعيد واسع داخل القدس الشرقية المحتلة، بينما أوردت بيانات من محافظة القدس، نقلتها جهات إخبارية معتمدة، أن عدد المقتحمين منذ بداية العام وحتى نهاية أغسطس 2026 بلغ 40661 مستوطنًا، مع صدور قرابة 800 قرار إبعاد بحق مقدسيين عن المسجد الأقصى خلال الفترة نفسها. هذه الأرقام تعكس اتساع الضغوط المفروضة على الوصول إلى المسجد وعلى الوجود الفلسطيني في محيطه.
لماذا تعتبر مصر هذه الخطوات شديدة الخطورة؟
بالنسبة إلى القاهرة، لا يتعلق الأمر بحادث أمني عابر، بل بملف يمس واحدًا من أكثر ملفات المنطقة حساسية: مكانة القدس والمقدسات الدينية، واحترام الوضع القائم الذي يحكم إدارة المسجد الأقصى. ومن هذا المنطلق، ترى مصر أن الاقتحامات المتكررة، خاصة عندما تتم بمشاركة مسؤولين إسرائيليين رسميين، تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها الميداني، وتوجه رسائل تصعيدية تمس مشاعر المسلمين في العالم كله.
كما أن مصر، بحكم دورها الإقليمي واتصالاتها المباشرة بالأطراف المعنية، تنظر إلى هذه التطورات من زاوية تأثيرها على فرص احتواء الأزمة الفلسطينية. فالقاهرة لعبت خلال السنوات الماضية دورًا محوريًا في جهود التهدئة ووقف إطلاق النار وتنسيق المساعدات، وبالتالي فإن أي تصعيد في القدس يضيف عنصرًا جديدًا من التعقيد إلى مشهد إقليمي متوتر أصلًا.
القدس في صلب التحرك المصري
الموقف المصري من القدس ليس جديدًا، لكنه اكتسب زخمًا أكبر مع تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في المدينة. البيانات المصرية المتعاقبة تؤكد بوضوح رفض تغيير الطابع التاريخي أو القانوني أو الديموغرافي للقدس الشرقية المحتلة، كما تشدد على ضرورة احترام المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها. وهذا الخطاب يتسق مع المواقف العربية والإسلامية الأوسع التي تعتبر أن المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى يهدد بإشعال موجات جديدة من التوتر والعنف.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن القاهرة عادة ما تربط بين ملف القدس وبين مسار التسوية السياسية الأشمل، إذ ترى أن استمرار الانتهاكات في المدينة المحتلة يعرقل أي أفق لحل الدولتين، ويقوض فرص الوصول إلى سلام عادل ودائم. لذلك، فإن الإدانة المصرية لاقتحام بن غفير لا تنفصل عن تصور أوسع للأمن الإقليمي والاستقرار السياسي في الشرق الأوسط.
دلالات الرسالة المصرية للقارئ في مصر
في السياق المصري، يحظى ملف المسجد الأقصى والقدس بمتابعة شعبية واسعة، ليس فقط باعتباره قضية سياسية خارجية، بل كمسألة ترتبط بالوجدان الديني والقومي العربي. ولهذا يأتي التشديد الرسمي على رفض الاقتحامات وعلى حماية حرية العبادة داخل الأقصى منسجمًا مع حساسية الرأي العام المصري تجاه أي اعتداء على المقدسات.
كما أن القاهرة تبعث من خلال هذه المواقف برسالة مزدوجة: الأولى إلى الجانب الإسرائيلي بأن الإجراءات أحادية الجانب لن تغير الوضع القانوني والتاريخي القائم، والثانية إلى المجتمع الدولي بضرورة التحرك لوقف الانتهاكات ومنع انزلاق الأوضاع نحو مزيد من الاشتعال. وفي ظل تكرار الاقتحامات وتصاعد القيود المفروضة على المصلين، تبدو هذه الرسالة أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى صناع القرار في المنطقة.
خلاصة المشهد
إدانة مصر لاقتحام إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى ليست مجرد تعليق دبلوماسي على حدث ميداني، بل موقف سياسي وقانوني واضح يعيد التأكيد على ثوابت القاهرة في ما يخص القدس والقضية الفلسطينية. فمصر تعتبر أن حماية الوضع القائم في الأقصى جزء لا يتجزأ من حماية الاستقرار الإقليمي ومنع تفجر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومع تكرار هذه الوقائع خلال 2026، وارتفاع أعداد المقتحمين والقيود المفروضة على المصلين، تبدو الأزمة أبعد من كونها مشهدًا عابرًا في نشرات الأخبار. إنها اختبار جديد لقدرة الدبلوماسية الإقليمية والدولية على كبح التصعيد، وصون حرمة واحد من أهم المقدسات الإسلامية، في وقت ما تزال فيه المنطقة تبحث عن مخرج من دوامة الحرب والتوتر المفتوح.