مصر تضع إطارًا موحدًا لإدارة المياه المستدامة في الصناعة
تحرك حكومي جديد لربط التوسع الصناعي بكفاءة استخدام المياه
تتجه الحكومة المصرية إلى وضع إطار متكامل لإدارة المياه بشكل مستدام داخل القطاع الصناعي، في خطوة تعكس تصاعد أهمية ملف الأمن المائي بالتوازي مع خطط التوسع في التصنيع. وجاء ذلك خلال اجتماع موسع ضم الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، والمهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، والمهندس محمد صلاح الدين مصطفى، وزير الدولة للإنتاج الحربي، بهدف صياغة قواعد أكثر وضوحًا لاستهلاك المياه في المشروعات الصناعية وآليات معالجتها وإعادة استخدامها. ويأتي هذا التوجه في ظل تحديث الاستراتيجية القومية للمياه حتى عام 2050، وربطها بأهداف رؤية مصر 2030 ومقتضيات النمو الصناعي منخفض الهدر وعالي الكفاءة.
وتؤكد وزارة الموارد المائية والري أن إدارة المياه في مصر لم تعد مسألة خدمية فقط، بل أصبحت ملفًا استراتيجيًا يرتبط بالتخطيط الاقتصادي، خاصة مع استمرار الفجوة بين الموارد المائية المتاحة والاحتياجات الفعلية. ووفق الموقع الرسمي للوزارة، فإن استراتيجية المياه حتى 2050 تقوم على التوسع في الموارد غير التقليدية، وعلى رأسها المعالجة وإعادة الاستخدام، إلى جانب الحوكمة والتحول الرقمي ورفع كفاءة الاستهلاك في مختلف القطاعات، ومنها الصناعة.
هاني سويلم: كل متر مكعب يجب أن يحقق عائدًا اقتصاديًا أعلى
يرتكز الطرح الذي عرضه الدكتور هاني سويلم على اعتبار المياه موردًا اقتصاديًا نادرًا يجب تعظيم العائد من استخدامه داخل المصانع، لا سيما في الصناعات كثيفة الاستهلاك. وتبنت الوزارة خلال السنوات الأخيرة مفهوم “الجيل الثاني من منظومة المياه 2.0”، وهو نهج يدمج التكنولوجيا والرقمنة والحوكمة في إدارة الموارد المائية، مع السعي إلى رفع الإنتاجية من كل وحدة مياه مستخدمة.
وتشير البيانات المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة الموارد المائية والري إلى أن الوزارة تشرف على منظومة مائية تخدم أكثر من 110 ملايين مواطن، وتدير شبكة تمتد لنحو 55 ألف كيلومتر، كما تواصل تحديث الاستراتيجية القومية للمياه ودمج مفاهيم إعادة الاستخدام والتحلية والإدارة الذكية. وتوضح الوزارة أيضًا أن الدولة توسعت في السنوات الماضية في مشروعات معالجة المياه، بما في ذلك ثلاث محطات كبرى لمعالجة مياه الصرف الزراعي بطاقة إجمالية تصل إلى 4.80 مليار متر مكعب سنويًا، وهي محطات الدلتا الجديدة وبحر البقر والمحسمة.
وفي هذا السياق، تبدو رسالة الاجتماع واضحة: لا توسع صناعي مستدامًا من دون إدراج احتياجات المياه منذ مرحلة دراسة الجدوى، مع تحديد مصادر الإمداد، ومعدلات الاستهلاك، ونظم الترشيد، وخطط المعالجة والتدوير داخل كل مشروع جديد.
وزارة الصناعة تربط التنافسية بكفاءة الموارد
من جهته، يتحرك المهندس خالد هاشم ضمن أجندة أوسع للصناعة المصرية تستهدف رفع الصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار وفق ما عُرض في اجتماع رئاسي يوم 6 يوليو 2026 بشأن الاستراتيجية الصناعية الوطنية 2026-2030. ويعني ذلك أن ملف المياه لم يعد منفصلًا عن ملف التنافسية الصناعية، بل بات أحد شروط الجذب للاستثمارات الجديدة، خصوصًا للشركات الدولية التي تضع المعايير البيئية وكفاءة الموارد ضمن قرارات التموضع والإنتاج.
وبحسب التوجهات التي نوقشت في الاجتماع الوزاري، فإن وزارة الصناعة تدفع نحو تقليل استهلاك المياه عبر التوسع في الدوائر المغلقة داخل المصانع، وهي نظم تسمح بإعادة تدوير المياه أكثر من مرة داخل العملية الإنتاجية، بما يقلص السحب من المصادر الجديدة ويخفض الفاقد. كما يتكامل ذلك مع برامج كفاءة الطاقة والطاقة الشمسية داخل المنشآت الصناعية، في إطار توجه أوسع نحو الصناعة الخضراء.
دور الإنتاج الحربي في توطين التكنولوجيا
يحمل إشراك وزارة الدولة للإنتاج الحربي بعدًا عمليًا مهمًا، إذ يرتبط بقدرات التصنيع الهندسي وتوطين مكونات محطات المعالجة والتحلية والمراقبة. وتشير بيانات رسمية إلى أن الوزارة تواصل العمل على دعم التصنيع المحلي وتوسيع الفرص الاستثمارية المرتبطة بشركاتها، بما يعزز الاعتماد على المكون المحلي في المشروعات الوطنية.
ومن هنا، يبرز دور المهندس محمد صلاح الدين مصطفى في دفع الشركات التابعة للإنتاج الحربي للمساهمة في تنفيذ مشروعات معالجة مياه الصرف الصناعي، وتوفير مكونات النظم المتقدمة اللازمة للقياس والمراقبة وإعادة الاستخدام. كما ينسجم هذا الدور مع توجه الدولة لتعميق التصنيع المحلي وتقليل الفاتورة الاستيرادية في القطاعات التكنولوجية المرتبطة بالبنية الأساسية للمياه.
ما الذي يتضمنه الإطار الجديد المقترح؟
المسار الذي اتفقت عليه الوزارات الثلاث لا يقتصر على توصيات عامة، بل يستهدف بناء إطار تطبيقي يمكن اعتماده على نطاق واسع بعد اختباره في عدد من المشروعات الصناعية. وتشمل العناصر الأساسية المطروحة:
- وضع معايير لاختيار المواقع الصناعية وفق توافر المياه وإمكانات المعالجة وإعادة الاستخدام.
- إدراج تقييم مائي إلزامي ضمن دراسات الجدوى للمشروعات الصناعية الجديدة.
- تحديد مواصفات لكفاءة استخدام المياه داخل خطوط الإنتاج بحسب طبيعة كل قطاع صناعي.
- التوسع في نظم المعالجة وإعادة التدوير والاعتماد على الدوائر المغلقة متى كان ذلك ممكنًا فنيًا واقتصاديًا.
- دمج الموافقات المائية في إجراءات الترخيص الصناعي بدل التعامل معها كمسار منفصل.
- ربط تجديد التراخيص بمراجعات فنية وبيئية تقيس الالتزام الفعلي بالمعدلات والمعايير.
- تسوية أوضاع المنشآت القائمة عبر آليات انتقالية تسمح بتوفيق الأوضاع دون تعطيل النشاط.
كما ناقش الاجتماع مفاهيم أكثر تقدمًا مثل البصمة المائية للمنتجات، وهي أداة تستخدم عالميًا لقياس كمية المياه المستهلكة عبر دورة الإنتاج، فضلًا عن تقنيات Zero Liquid Discharge أو “الصرف الصفري السائل” التي تستهدف منع تصريف المياه الملوثة خارج المنشأة بعد استرداد المياه والأملاح والمواد القابلة للاستفادة.
لماذا يكتسب الملف أهمية تتجاوز مصر؟
رغم أن القضية محلية في ظاهرها، فإن أبعادها تتصل بتحولات دولية أوسع في الصناعة والتجارة. فالأسواق العالمية، خصوصًا في أوروبا وآسيا، تتجه تدريجيًا إلى تشديد متطلبات الاستدامة في سلاسل التوريد، بما في ذلك استهلاك المياه والطاقة والانبعاثات. وبالتالي، فإن تحسين إدارة المياه في المصانع المصرية لا يخدم البيئة فقط، بل قد يصبح عنصرًا مؤثرًا في القدرة على النفاذ إلى الأسواق والحفاظ على تنافسية المنتج المصري.
كما أن الترويج لفكرة البصمة المائية يمنح الصناعة المصرية أداة إضافية في ملفات التصدير والامتثال، خاصة في القطاعات التي تواجه تدقيقًا متزايدًا مثل الصناعات الغذائية والكيماوية والنسيجية ومواد البناء.
من التشريع إلى التنفيذ
الرهان الحقيقي الآن ليس في إعلان المبادئ، بل في تحويلها إلى قواعد تنفيذية قابلة للقياس. ولهذا اتفقت الوزارات على تشكيل مجموعة عمل مشتركة لاستكمال الإطار الشامل، ومراجعة المنظومة التشريعية والمؤسسية المنظمة لاستخدام المياه في الصناعة، ثم تطبيق النموذج بصورة تجريبية قبل تعميمه. ومن المتوقع أن يشمل ذلك تطوير آليات موحدة لتقييم طلبات المياه للمشروعات الصناعية، وتحديد مسؤوليات الجهات المختلفة، وتعزيز نظم الرصد الرقمي داخل المنشآت.
في المحصلة، تكشف هذه الخطوة عن تحول مهم في طريقة إدارة الدولة للعلاقة بين المياه والصناعة: فبدل النظر إلى المياه كمدخل متاح تلقائيًا، يجري التعامل معها كعنصر حاكم في التخطيط الصناعي ذاته. وإذا نجح هذا التوجه في الانتقال من الورق إلى التطبيق، فقد يفتح الباب أمام نموذج صناعي أكثر كفاءة وقدرة على التكيف مع ضغوط الندرة المائية ومتطلبات الاقتصاد الأخضر في آن واحد.