مصر تطالب بآلية أكثر شفافية لاختيار أمين عام الأمم المتحدة
مصر تجدد الدعوة لإصلاح آلية اختيار الأمين العام
عادت مصر لتؤكد موقفها الداعي إلى تعزيز الشفافية في عملية اختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة، مع التشديد على أهمية توسيع دور الجمعية العامة بحيث لا تبقى العملية محصورة عمليًا في التوازنات التقليدية داخل مجلس الأمن. وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في توقيت تشهد فيه الأمم المتحدة بالفعل مراحل متقدمة من إجراءات اختيار من سيخلف الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته الثانية رسميًا في 31 ديسمبر 2026.
الموقف المصري ينسجم مع توجه أوسع داخل المنظمة الدولية يدفع نحو جعل اختيار أعلى منصب أممي أكثر انفتاحًا على الدول الأعضاء والرأي العام العالمي، خصوصًا بعد الانتقادات التي وُجهت تاريخيًا إلى غياب الوضوح الكامل عن الكيفية التي تُحسم بها الترشيحات والاختيارات النهائية.
ما الذي تطلبه مصر تحديدًا؟
الطرح المصري يركز على نقطتين أساسيتين: الأولى هي رفع مستوى الشفافية في مسار الاختيار، والثانية هي تعزيز موقع الجمعية العامة في هذه العملية. ووفقًا لوثائق ومداولات أممية سابقة، فإن القاهرة كانت من بين الدول التي شددت على أن الجمعية العامة، باعتبارها الهيئة الأكثر تمثيلًا لجميع الدول الأعضاء، يجب أن تضطلع بدور أكثر وضوحًا وفاعلية عند اختيار الأمين العام الجديد، بدل الاكتفاء بدور إجرائي في نهاية المسار.
هذا التوجه يتقاطع أيضًا مع الجدل المستمر منذ سنوات حول مدى كفاية الآليات الحالية، التي تستند قانونيًا إلى المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة، حيث يوصي مجلس الأمن باسم المرشح ثم تقوم الجمعية العامة بتعيينه. لكن الممارسة السياسية الفعلية جعلت مجلس الأمن صاحب الكلمة الحاسمة في المراحل الأكثر تأثيرًا، وهو ما تسعى عدة دول، بينها مصر، إلى موازنته عبر مزيد من الانفتاح المؤسسي.
أين وصلت عملية اختيار الأمين العام المقبل؟
بحسب الموقع الرسمي للأمم المتحدة المخصص لاختيار وتعيين الأمين العام المقبل، فإن عملية 2025-2026 انطلقت رسميًا استنادًا إلى قرار الجمعية العامة رقم 79/327 الصادر في 5 سبتمبر 2025 بشأن تنشيط عمل الجمعية العامة. ويؤكد هذا القرار أن عملية الاختيار يجب أن تُدار وفق مبادئ الشفافية والشمول، مع إتاحة حوارات تفاعلية علنية ومذاعة مع المرشحين.
وتتضمن الآلية الحالية توجيه رسالة مشتركة من رئيس الجمعية العامة ورئيس مجلس الأمن لبدء العملية، ثم تتقدم الدول الأعضاء بترشيحاتها، على أن يقدم كل مرشح بيان رؤية وسيرة ذاتية وإفصاحات تتعلق بتمويل الحملة. كما تعقد رئيسة الجمعية العامة جلسات حوارية تفاعلية مع المرشحين تُبث عبر منصات الأمم المتحدة.
وخلال عام 2026، نُظمت بالفعل جولات من هذه الحوارات في 21 و22 أبريل، ثم في 15 و18 يونيو، مع جلسة إضافية في 19 أغسطس 2026. كما استضافت الجمعية العامة فعالية بعنوان "UN Town Hall: The Next Secretary-General" يوم 23 يوليو 2026 لفتح النقاش حول المرشحين أمام جمهور أوسع.
لماذا تعد الشفافية قضية محورية بالنسبة لمصر؟
من منظور مصري، لا يرتبط الملف فقط بإجراء إداري داخل الأمم المتحدة، بل يتصل بصورة أوسع بمسألة إصلاح النظام متعدد الأطراف وتمثيل الدول النامية بصورة أكثر عدالة. القاهرة تكرر في مناسبات أممية متعددة أن استعادة مصداقية المنظمة الدولية تتطلب إصلاحًا مؤسسيًا يراعي التوازن الجغرافي والسياسي ومصالح دول الجنوب، بما في ذلك القارة الأفريقية. وفي هذا السياق، شدد وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين في الخارج بدر عبد العاطي على ضرورة إصلاح الأمم المتحدة ومراعاة أولويات الدول النامية، خلال لقاءاته وتحركاته المرتبطة بأعمال الجمعية العامة.
وتحظى هذه النقطة بوزن خاص في القاهرة، نظرًا لأن مصر تمتلك رصيدًا سياسيًا وتاريخيًا داخل المنظمة، كما أنها الدولة العربية والأفريقية التي سبق أن خرج منها أمين عام للأمم المتحدة هو بطرس بطرس غالي، الذي تولى المنصب بين يناير 1992 وديسمبر 1996. هذا الإرث يجعل النقاش المصري حول آليات الاختيار متصلًا أيضًا بخبرة تاريخية مباشرة مع المنصب نفسه وديناميكياته الدولية.
الجمعية العامة في قلب النقاش
اللافت أن الأمم المتحدة نفسها باتت تتحدث بصورة أكثر صراحة عن أهمية الدور الذي تؤديه الجمعية العامة في هذه المرحلة. فقد أكدت رئيسة الدورة الثمانين للجمعية العامة أنالينا بيربوك أن اختيار الأمين العام المقبل يمثل إحدى الأولويات الرئيسية للدورة الحالية، وأن الحوارات التفاعلية مع المرشحين تشكل ركيزة أساسية لضمان الشفافية والشمول والمساءلة في العملية.
كما تشير الوثائق الأممية الخاصة بالعملية الجارية إلى أن الجمعية العامة لم تعد مجرد محطة تصديق نهائية، بل أصبحت منصة أوسع لاختبار رؤى المرشحين علنًا، وطرح الأسئلة عليهم، وتمكين الدول الأعضاء من تقييم مواقفهم في قضايا السلم والأمن والتنمية وحقوق الإنسان وإصلاح المنظمة. ومع ذلك، لا تزال هناك أصوات، بينها الموقف المصري، ترى أن المجال ما زال مفتوحًا لمزيد من التطوير كي يصبح هذا الدور أكثر تأثيرًا وليس فقط أكثر ظهورًا.
ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟
قد يبدو الملف بعيدًا عن الاهتمامات اليومية، لكنه في الحقيقة يمس قضايا تتابعها مصر عن قرب: الحرب والسلم، التمويل الدولي، التنمية، تغير المناخ، الهجرة، والقضية الفلسطينية. فالأمين العام للأمم المتحدة ليس مجرد منصب بروتوكولي، بل هو الواجهة السياسية والإدارية لأكبر منظمة دولية في العالم، وصوته يؤثر في إدارة الأزمات الدولية وصياغة أولويات العمل الأممي.
ومن هنا، فإن مطالبة مصر بمزيد من الشفافية لا تُقرأ فقط كموقف إجرائي، بل كجزء من رؤية أوسع تسعى إلى جعل المنظمة الدولية أكثر اتساقًا مع ميزان العالم الحالي، وأكثر قدرة على الاستجابة لمصالح الدول النامية والأفريقية والعربية. كما أن توسيع دور الجمعية العامة يمنح الدول متوسطة وصغيرة الحجم مساحة أكبر للتأثير في قرار يمس مستقبل النظام الدولي كله.
المرحلة المقبلة
مع استمرار الحوارات العلنية وبدء مجلس الأمن النظر في الترشيحات، تتجه الأنظار إلى الشهور المتبقية من عام 2026 بوصفها حاسمة في رسم ملامح القيادة المقبلة للأمم المتحدة. وحتى الآن، تؤكد الوثائق الرسمية أن العملية الجارية تستند إلى مبادئ الشفافية والشمول، لكن الجدل السياسي حول مدى كفاية ذلك لم يُحسم بعد.
بالنسبة لمصر، تبدو الرسالة واضحة: اختيار الأمين العام المقبل يجب أن يعكس إرادة جماعية أوسع داخل الأمم المتحدة، وأن يمنح الجمعية العامة دورًا أكثر فعالية، بما يعزز الثقة في المنظمة في لحظة دولية شديدة التعقيد. وبينما يقترب انتهاء ولاية أنطونيو غوتيريش، تبقى معركة قواعد الاختيار نفسها جزءًا من معركة أكبر حول شكل الأمم المتحدة التي يريدها العالم في السنوات المقبلة.
- تنتهي ولاية أنطونيو غوتيريش: 31 ديسمبر 2026.
- قرار تنظيم العملية الحالية: قرار الجمعية العامة 79/327 الصادر في 5 سبتمبر 2025.
- أبرز محطات 2026: حوارات تفاعلية في أبريل ويونيو وأغسطس، وفعالية جماهيرية في 23 يوليو 2026.
- جوهر الموقف المصري: شفافية أكبر ودور أوسع للجمعية العامة في الاختيار.