مصر تطرح إطارًا عربيًا مشتركًا للأمن وسط تصاعد التوترات
تحرك مصري من القاهرة لإعادة طرح مفهوم الأمن العربي الجماعي
في خطوة تعكس تصاعد القلق من أزمات الإقليم، دفعت مصر خلال اجتماعات الدورة العادية 166 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري المنعقدة في القاهرة يوم الاثنين 7 سبتمبر 2026، باتجاه بلورة ترتيبات أمنية عربية مشتركة تقوم على التنسيق العملي بين الدول الأعضاء، وتعزيز القدرة الجماعية على التعامل مع الأزمات والتهديدات المتسارعة في الشرق الأوسط. وطرح وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج بدر عبد العاطي هذا التوجه في كلمة رسمية خلال الاجتماع، مؤكدًا استعداد القاهرة للعمل مع الأمانة العامة للجامعة والدول العربية لصياغة تصور متكامل يحدد مجالات التعاون وآليات التنسيق والاستجابة للأزمات ومسارات التنفيذ والمتابعة.
الطرح المصري لم يأتِ في فراغ؛ إذ استند إلى مبدأ البناء على معاهدة الدفاع العربي المشترك والقرارات العربية ذات الصلة، مع التشديد في الوقت نفسه على احترام سيادة كل دولة واستقلال قرارها الوطني. ووفق ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية، فإن الهدف ليس إنشاء صيغة نظرية جديدة بقدر ما هو تحويل الإرادة السياسية العربية إلى أدوات عملية للوقاية والردع واحتواء الأزمات قبل اتساعها.
ماذا تريد مصر من الإطار الأمني العربي الجديد؟
من واقع الكلمة الرسمية لوزير الخارجية، يمكن قراءة المقاربة المصرية باعتبارها دعوة إلى تكامل أمني ودفاعي أكثر مرونة، يربط بين تبادل التقديرات السياسية، وتنسيق القدرات العربية المتاحة، ووضع إجراءات واضحة للاستجابة الجماعية عند اندلاع الأزمات. هذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في ظل التداخل الحالي بين ملفات الأمن الإقليمي، من الخليج إلى البحر الأحمر، مرورًا بالقضية الفلسطينية والأوضاع في سوريا والعراق والسودان وليبيا واليمن والصومال.
وشدد عبد العاطي على أن مصر ترى أن الأمن القومي العربي لا يمكن فصله عن صون الدولة الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، ومنع نشوء كيانات موازية للمؤسسات الشرعية. لذلك جاء المقترح المصري بصيغة تسمح بتوسيع التنسيق العربي من دون المساس بخصوصية القرار السيادي لكل عاصمة عربية.
رسائل مصرية حادة بشأن التصعيد الإقليمي وإيران
في الشق السياسي من كلمته، أدان وزير الخارجية الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت عددًا من الدول العربية، وأكد تضامن مصر الكامل مع دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب الأردن والعراق، مع رفض المساس بسيادة الدول العربية أو أمنها وسلامة أراضيها. وفي المقابل، دعا إلى منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، والعودة إلى المسار الدبلوماسي لمعالجة مصادر التوتر. كما أشار إلى أهمية البناء على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026 للوصول إلى اتفاق نهائي ومستدام، بحسب النص الرسمي الصادر عن الخارجية المصرية.
هذا التوازن بين الإدانة والتهدئة يعكس نهجًا مصريًا ثابتًا يقوم على رفض استهداف الدول العربية، مع السعي في الوقت نفسه إلى تجنيب المنطقة سيناريوهات التصعيد المفتوح، خصوصًا مع التأثير المباشر لأي اضطراب إقليمي على التجارة والطاقة وحركة الملاحة وسلاسل الإمداد.
غزة والضفة في صدارة الأولويات المصرية
أكدت القاهرة خلال الاجتماع أن التوترات الإقليمية المتلاحقة يجب ألا تحجب المأساة الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية. وجدد عبد العاطي رفض مصر القاطع للتهجير القسري، والاستيطان، والضم، وأي مسارات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، مع التمسك بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما عرض الوزير ملامح التحرك المصري المرتبط بوقف إطلاق النار، والنفاذ الكامل والمستدام للمساعدات، ودعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وتمهيد الطريق لعودة السلطة الفلسطينية لتحمل مسؤولياتها. وتتعامل القاهرة مع هذا الملف باعتباره جزءًا أصيلًا من أمنها القومي المباشر، وليس فقط التزامًا سياسيًا عربيًا أو إنسانيًا.
القدس ومشروع E1 الاستيطاني
التحذير المصري امتد أيضًا إلى القدس الشرقية، في ظل المخاوف من تداعيات مشروع E1 الاستيطاني. وتؤكد تقارير أممية أن المضي في هذا المشروع من شأنه فصل شمال الضفة الغربية ووسطها عن جنوبها، وتهديد التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب تعريض نحو 18 تجمعًا بدويًا فلسطينيًا لخطر التهجير القسري.
بالنسبة لمصر، فإن هذا المسار لا يهدد فقط فرص التسوية السياسية، بل يعمق بيئة عدم الاستقرار في الإقليم بأسره، خاصة مع استمرار التوترات في المسجد الأقصى ومحاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم.
دعم مصري متجدد للأونروا في توقيت بالغ الحساسية
وعلى هامش الاجتماعات، التقى بدر عبد العاطي بالسيد كريستيان سوندرز، القائم بأعمال المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا. وأكدت مصر خلال اللقاء دعمها الكامل للوكالة، ووصفت دورها بأنه غير قابل للاستغناء، مع المطالبة بتوفير غطاء سياسي ومالي كافٍ لاستمرار عملياتها في مناطقها الخمس.
وذكرت وزارة الخارجية المصرية أن اللقاء تناول كذلك اقتحام القوات الإسرائيلية مركز قلنديا للتدريب التابع للأونروا في القدس الشرقية المحتلة والاستيلاء عليه يوم 25 أغسطس الماضي، وهو ما اعتبرته القاهرة انتهاكًا يجب التوقف عنده، مع ضرورة حماية موظفي الأمم المتحدة ومقارها. ويأتي هذا الموقف بينما يتولى سوندرز إدارة الوكالة بصورة مؤقتة اعتبارًا من 1 أبريل 2026، وفق بيانات الأونروا الرسمية.
سوريا والعراق: تثبيت الدولة الوطنية وتوسيع التعاون
في الملف السوري، جددت مصر دعمها لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، ورفضها الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، بالتوازي مع تأكيد القاهرة أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية السورية ودفع التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين. وكانت الخارجية المصرية قد سجلت خلال الأشهر الأخيرة أكثر من تواصل ولقاء مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لبحث العلاقات الثنائية وخفض التصعيد الإقليمي.
أما في الشأن العراقي، فقد بحث عبد العاطي مع نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية العراقي الدكتور فؤاد حسين، على هامش اجتماع القاهرة، الاستعدادات الخاصة بعقد الدورة الرابعة للجنة العليا المصرية العراقية المشتركة في القاهرة، إلى جانب دفع آلية التعاون الثلاثي بين مصر والعراق والأردن. وتشير وثائق رسمية مصرية إلى أن الدورة الثالثة للجنة عُقدت في بغداد في يناير 2025، وأسفرت عن توقيع 13 مذكرة تفاهم، ما يعكس مسارًا متصاعدًا في العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
البحر الأحمر ومضيق هرمز والملف المائي
الرسالة المصرية شملت أيضًا التأكيد على حرية الملاحة في الممرات والمضايق الدولية، وبصورة خاصة مضيق هرمز والبحر الأحمر، مع التشديد على أن أمن البحر الأحمر يجب أن يظل مسؤولية مشتركة وحصرية للدول المشاطئة. ويكتسب هذا الموقف أهمية كبيرة من منظور مصري، نظرًا للصلة المباشرة بين استقرار الملاحة في البحر الأحمر وحركة التجارة عبر قناة السويس.
وفي الملف المائي، أعادت القاهرة التأكيد على رفضها أي إجراءات أحادية تمس الحقوق المائية لمصر والسودان، معتبرة أن نهر النيل يظل شريان حياة لا يمكن التعامل معه بمنطق فرض الأمر الواقع. هذا الربط بين الأمن الإقليمي والأمن المائي يوضح أن المقاربة المصرية للأمن العربي تتجاوز البعد العسكري الضيق إلى مفهوم أوسع يشمل الموارد الاستراتيجية والاستقرار الاقتصادي والإنساني.
لماذا يهم هذا التحرك مصر؟
من منظور مصري، فإن الدعوة إلى إطار عربي أمني مشترك ليست مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة، بل محاولة لإعادة تنظيم أولويات العمل العربي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. فالقاهرة تتحرك من موقع دولة تستضيف جامعة الدول العربية، وتتابع عن قرب تداعيات حرب غزة، واضطرابات البحر الأحمر، وأزمات الجوار العربي، وتعتبر أن غياب التنسيق المؤسسي الفعال يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية والتفكك الإقليمي.
وبينما لا تزال تفاصيل الإطار المقترح قيد التشاور، فإن الرسالة الأساسية التي خرجت من القاهرة واضحة: مصر تريد ترجمة التضامن العربي إلى آليات تنفيذية، تعطي للدول العربية قدرة أكبر على حماية مصالحها الجماعية، مع إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة جدول الأعمال، وعدم السماح لتشابك الأزمات بأن يبدد أولويات الأمن والاستقرار في المنطقة.