مصر تعتمد سياسة الدواء الوطنية لتعزيز الأمن الدوائي
اعتماد سياسة الدواء الوطنية.. خطوة جديدة في ملف الأمن الدوائي بمصر
أعلنت هيئة الدواء المصرية اعتماد سياسة الدواء الوطنية المصرية عبر اللجنة العليا المختصة بإعدادها، برئاسة الدكتور علي الغمراوي رئيس الهيئة، وبمشاركة جهات حكومية ومؤسسات مهنية معنية بقطاعي الصحة والدواء. ويعكس هذا التطور توجهًا رسميًا لتوحيد الرؤية المنظمة للقطاع الدوائي في مصر، بما يدعم توافر الدواء الآمن والفعال، ويرفع كفاءة الإتاحة والرقابة، ويعزز قدرة الدولة على التعامل مع تحديات السوق الدوائي محليًا وإقليميًا.
ويكتسب القرار أهمية خاصة لأنه يأتي في توقيت تعمل فيه مصر على ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للصناعات الدوائية والرقابة على المستحضرات الطبية، بالتوازي مع مسار تطوير البنية التنظيمية والتشريعية للقطاع.
ما المقصود بسياسة الدواء الوطنية؟
سياسة الدواء الوطنية تمثل إطارًا استراتيجيًا يحدد أولويات الدولة في ما يتعلق بتسجيل الدواء، وتداوله، وضمان جودته، وترشيد استخدامه، ودعم التصنيع المحلي، وجذب الاستثمار، ورفع كفاءة الحوكمة داخل المنظومة. ووفق ما أعلنته هيئة الدواء المصرية، فإن هذه السياسة صيغت بتوافق وطني واسع، بما يهدف إلى تحقيق توازن بين متطلبات الصحة العامة من جهة، وأهداف التنمية الصناعية والقدرة التنافسية للدواء المصري من جهة أخرى.
الهيئة أوضحت أن إعداد السياسة تم بمشاركة ممثلين عن وزارة الصحة والسكان، والمجلس الصحي المصري، والمجلس الأعلى للجامعات، وهيئة الشراء الموحد، والهيئة العامة للرعاية الصحية، إلى جانب غرفة صناعة الدواء ونقابة الصيادلة المصرية ونقابة الأطباء المصرية. هذا التمثيل الواسع يمنح الوثيقة وزنًا مؤسسيًا، ويشير إلى أنها ليست مجرد إعلان تنظيمي، بل مسار متكامل لتنسيق السياسات بين الأطراف الفاعلة في القطاع.
لماذا يُعد القرار مهمًا للمواطن المصري؟
أهمية اعتماد سياسة الدواء الوطنية لا تقتصر على الجوانب الإدارية أو التنظيمية، بل تمتد مباشرة إلى المواطن. فالمستهدف من هذه السياسة هو تحسين قدرة الدولة على ضمان توافر دواء آمن وفعال وعالي الجودة، مع تعزيز الاستدامة في الإمداد وتقليل المخاطر المرتبطة بنقص بعض الأصناف أو اضطراب سلاسل التوريد.
كما يرتبط الملف بشكل وثيق بمفهوم الأمن الدوائي، الذي أصبح أحد الملفات الحيوية في مصر خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع التحديات العالمية المتعلقة بالإنتاج والشحن وأسعار المواد الخام. ومن هنا، فإن وجود سياسة وطنية معلنة ومتكاملة يتيح وضع أولويات واضحة بشأن التصنيع، والتسعير، والإتاحة، والرقابة، وإدارة المخزون، وتطوير الأدوات الرقمية الخاصة بمتابعة حركة الدواء.
علاقة السياسة الجديدة بمستويات النضج الرقابي
ربطت هيئة الدواء المصرية اعتماد السياسة الجديدة بمسار استيفاء متطلبات أداة التقييم العالمية WHO GBT التابعة لمنظمة الصحة العالمية، وهي الأداة التي تُستخدم لقياس كفاءة ونضج السلطات الرقابية الوطنية. ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن مصر حصلت في 20 ديسمبر 2024 على مستوى النضج الثالث (ML3) في تنظيم الأدوية، لتصبح أول دولة في أفريقيا تحقق هذا المستوى في كل من رقابة الأدوية واللقاحات كدولة مُنتجة.
ويمثل مستوى النضج الرابع (ML4) الدرجة الأعلى في هذا التصنيف، ويعني الوصول إلى نظام رقابي متقدم قائم على التحسين المستمر. لذلك، فإن اعتماد سياسة الدواء الوطنية يُقرأ باعتباره إحدى الأدوات الداعمة لانتقال مصر من مرحلة النظام المستقر والمتكامل إلى مرحلة الأداء الرقابي الأكثر تقدمًا وفق المعايير الدولية.
دور هيئة الدواء المصرية في تنظيم السوق
تُعد هيئة الدواء المصرية الجهة الوطنية المسؤولة عن تنظيم وتداول ورقابة المستحضرات الدوائية والأجهزة الطبية في مصر. وقد أُنشئت بموجب القانون رقم 151 لسنة 2019، وهي هيئة خدمية عامة تتمتع بالشخصية الاعتبارية وتتبع رئيس مجلس الوزراء. وتشمل اختصاصاتها تنظيم التسجيل والتفتيش والتحليل وإصدار التراخيص ومتابعة الجودة والفعالية والسلامة للمستحضرات المتداولة في السوق.
هذا الإطار المؤسسي يمنح الهيئة دورًا محوريًا في تنفيذ أي سياسة وطنية للدواء، سواء على مستوى القرارات التنظيمية أو متابعة التزام المصانع والمخازن والمؤسسات الصيدلية بالمعايير المعتمدة.
الغمراوي: مسار متكامل بين الحوكمة والتصنيع المحلي
يرأس الدكتور علي الغمراوي هيئة الدواء المصرية، وقد جرى في 21 يناير 2026 الإعلان عن تجديد الثقة فيه رئيسًا للهيئة بدرجة وزير، ضمن تشكيل مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية. وخلال الأشهر الماضية، ارتبط اسمه بعدة تحركات تنظيمية هدفت إلى رفع كفاءة المنظومة، من بينها تعزيز الشراكة مع غرفة صناعة الدواء المصرية، ومناقشة تجديد الاشتراطات الفنية للمصانع، بما يدعم الالتزام بممارسات التصنيع الجيد ويعزز جودة المنتج المحلي.
هذا التوجه ينسجم مع السياسة الوطنية الجديدة، التي تضع التصنيع المحلي والابتكار والاستثمار ضمن أهدافها الرئيسية، إلى جانب دعم الصحة العامة. وتبدو الرسالة الأساسية هنا واضحة: لا يمكن تحقيق أمن دوائي مستدام من دون صناعة قوية، ورقابة فعالة، وتنسيق مؤسسي بين الجهات المختلفة.
التحول الرقمي كجزء من الأمن الدوائي
التحركات الأخيرة للهيئة تُظهر أيضًا أن ملف الأمن الدوائي لم يعد مرتبطًا بالإنتاج والرقابة التقليدية فقط، بل أصبح مرتبطًا بالحلول الرقمية. ففي 4 مارس 2026 أطلقت الهيئة المرحلة الأولى من منظومة التتبع الدوائي خلال زيارة ميدانية إلى صيدلية الإسعاف بالجيزة. وتعمل المنظومة على تتبع عبوات الدواء من التصنيع أو الاستيراد وحتى وصولها إلى المريض، عبر رقم تسلسلي فريد لكل عبوة.
وبحسب الهيئة، بدأ التطبيق على بعض المستحضرات المستوردة ذات الطبيعة الرقابية الخاصة، على أن يمتد لاحقًا إلى نطاق أوسع وفق خطة مرحلية. وتُعد هذه المنظومة مكملة عمليًا لأهداف سياسة الدواء الوطنية، لأنها تدعم الشفافية، وتواجه الغش التجاري، وتحد من تداول الأدوية منتهية الصلاحية أو مجهولة المصدر.
ماذا يعني ذلك لمستقبل سوق الدواء في مصر؟
اعتماد سياسة الدواء الوطنية يفتح الباب أمام مرحلة أكثر وضوحًا في إدارة سوق الدواء المصري. فمن الناحية التنظيمية، يضع القرار مرجعية وطنية موحدة للأولويات. ومن الناحية الصناعية، يمنح المستثمرين والمصنعين تصورًا أوضح لاتجاهات الدولة. أما من الناحية الصحية، فيعزز قدرة المؤسسات على التخطيط لتوفير الأدوية الأساسية وتحسين استخدامها الرشيد.
كما أن التطور الجديد قد يدعم مكانة مصر في التعاون الإقليمي والأفريقي في المجال الدوائي، خاصة مع توسع هيئة الدواء المصرية خلال 2026 في اتفاقات التعاون الفني والتنظيمي مع جهات رقابية في أفريقيا، ومع استمرار سعيها لتقوية حضورها الدولي.
أبرز ما تستهدفه السياسة الجديدة
- ضمان توافر دواء آمن وفعال وعالي الجودة للمواطن المصري.
- تعزيز الأمن الدوائي وتقوية استدامة الإمداد.
- رفع كفاءة المنظومة الرقابية بما يتسق مع معايير منظمة الصحة العالمية.
- دعم التصنيع المحلي والابتكار وزيادة القدرة التنافسية للدواء المصري.
- ترشيد استخدام المستحضرات الطبية وتحسين الحوكمة بين الجهات المعنية.
- توسيع الاعتماد على الحلول الرقمية مثل منظومة التتبع الدوائي.
في المحصلة، لا يبدو اعتماد سياسة الدواء الوطنية مجرد إجراء إداري عابر، بل خطوة تنظيمية واسعة التأثير تمس الصحة العامة، والصناعة، والاستثمار، والرقابة، وحقوق المريض في الوصول إلى دواء موثوق. وإذا ترافقت هذه السياسة مع تنفيذ فعّال ومتابعة دورية ومؤشرات قياس واضحة، فقد تمثل نقطة تحول حقيقية في مسار تطوير القطاع الدوائي المصري خلال السنوات المقبلة.