Akhbar Cairo

مصر تعزز تحركها الأفريقي لمعالجة جذور النزوح القسري

تحرك مصري جديد في ملف النزوح داخل القارة

تواصل مصر توسيع حضورها في ملفات السلم والأمن بالقارة الأفريقية عبر استضافة اجتماع يركز على تسوية النزاعات وبناء السلام للحد من النزوح القسري في أفريقيا. ويعكس هذا التحرك مسارًا دبلوماسيًا وسياسيًا تتبناه القاهرة منذ سنوات، يقوم على الربط بين الأمن والتنمية، وعدم الاكتفاء بمعالجة النتائج الإنسانية للنزاعات، بل التوجه أيضًا إلى الأسباب الجذرية التي تدفع ملايين الأفارقة إلى ترك منازلهم.

ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة من زاوية مصرية وأفريقية في آن واحد؛ فالقاهرة لا تقدم نفسها فقط كدولة مضيفة لفعاليات إقليمية، بل كطرف فاعل في بناء مقاربات عملية تتعلق بمنع النزاعات، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحروب، وهي الملفات التي أصبحت في صلب أجندة الأمن القاري خلال السنوات الأخيرة.

ماذا نعرف عن الإطار المصري المنظم لهذا التحرك؟

الركيزة الأساسية لهذا المسار هي مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام، وهو كيان تابع لوزارة الخارجية المصرية تأسس عام 1994، ويعمل على تنظيم برامج تدريبية ومؤتمرات وندوات وبحوث متخصصة في مجالات تسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام، مع تركيز واضح على الدول الأفريقية والعربية والإسلامية. كما يضم المركز برامج رئيسية تتناول السلام وبناء السلام، والمرأة والسلم والأمن، والشباب، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، إضافة إلى التهديدات العابرة للحدود والمناخ والسلم والتنمية.

وفي 19 يونيو 2026، عقد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، اجتماعًا مع قيادات وأعضاء المركز لمتابعة أنشطته في موضوعات السلم والأمن في أفريقيا، إلى جانب التنسيق للنسخة الخامسة من منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين. وخلال ذلك الاجتماع جرى استعراض برامج بناء القدرات التي ينفذها المركز لصالح كوادر من الدول الأفريقية، في إطار دعم أجندة السلم والتنمية بالقارة.

لماذا يركز الاجتماع على معالجة الجذور لا الأعراض؟

الطرح المصري في هذا الملف يقوم على أن النزوح القسري لا ينشأ من فراغ، بل يرتبط عادة بتداخل عدة عوامل: النزاعات المسلحة، هشاشة مؤسسات الدولة، الإرهاب، الفقر، التغيرات المناخية، تراجع فرص المعيشة، وتهريب البشر والهجرة غير النظامية. ولهذا تميل القاهرة في خطابها الرسمي إلى تبني مقاربة شاملة تجمع بين الوساطة السياسية، وبناء المؤسسات، ودعم التنمية، وتوفير التمويل اللازم لبرامج السلام.

هذا التوجه ظهر بوضوح في أنشطة وزارة الخارجية المصرية خلال 2026؛ إذ أكدت الوزارة، في سياق نشاط مكثف لمركز القاهرة الدولي بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي وشركاء دوليين، أهمية الوقاية من النزاعات ومعالجة أسبابها الجذرية، مع زيادة التمويل المتاح لبناء السلام في أفريقيا. كما أوضحت أن إحدى الدورات التدريبية التي ينفذها المركز تأتي تنفيذًا لتعهدات مصر المتعلقة بالنزوح القسري وتسوية النزاعات خلال المنتدى العالمي الثاني للاجئين لعام 2023، واستنادًا إلى مخرجات النسخة الرابعة من منتدى أسوان التي انعقدت في يوليو 2024.

ربط النزوح بالأمن والتنمية

في هذا السياق، شددت مصر أيضًا خلال مشاركتها في الاجتماع رفيع المستوى لاستعراض التقدم المحرز في تنفيذ مخرجات المنتدى العالمي للاجئين في جنيف على تعهدات جديدة، من بينها تعزيز الاستجابات متعددة الأبعاد لحالات النزوح القسري وتداعياتها على الأمن والتنمية في المنطقة وأفريقيا، بالتوازي مع جهود صنع السلام. ويعكس ذلك توجهًا مصريًا يعتبر أن إدارة ملف اللاجئين والنازحين لا يمكن فصلها عن إنهاء الصراعات ومنع تجددها.

أرقام تشرح حجم الأزمة في أفريقيا

أهمية أي اجتماع أفريقي يتناول النزوح تتضاعف عند النظر إلى الأرقام. فبحسب أحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المنشورة في يونيو 2026، بلغ عدد اللاجئين عالميًا بنهاية 2025 نحو 41.6 مليون شخص، إلى جانب 9 ملايين طالب لجوء. وتؤكد المفوضية أن السودان ظل بنهاية 2025 أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، مع نحو 9.1 ملايين نازح داخل البلاد.

كما تشير بيانات المفوضية إلى أن أزمة السودان أصبحت من أكبر أزمات النزوح على مستوى العالم؛ إذ بلغ إجمالي السودانيين من لاجئين وطالبي لجوء ونازحين داخليًا حول العالم نحو 12.9 مليون شخص بنهاية 2025. وتوضح البيانات أن مصر كانت من بين الدول الرئيسية المستضيفة للسودانيين الفارين من الحرب، مع استضافة نحو 834.2 ألف لاجئ وطالب لجوء سوداني.

ولا تتوقف الصورة عند السودان فقط؛ ففي غرب ووسط أفريقيا، أفادت المفوضية بأن أكثر من 1.1 مليون شخص تعرضوا لنزوح جديد خلال الربع الأول من 2025 وحده، مدفوعين أساسًا باستمرار الحرب في السودان، إلى جانب أزمات الساحل وحوض بحيرة تشاد. وفي شرق وجنوب أفريقيا، استضافت المنطقة بحلول سبتمبر 2025 نحو 25.1 مليون شخص من الفئات المتأثرة بالنزوح القسري، بينهم 18.1 مليون نازح داخليًا.

الدور المصري داخل البنية الأفريقية للسلم والأمن

الاجتماع الذي استضافته مصر لا يمكن فصله عن دور أوسع تتحرك من خلاله القاهرة داخل مؤسسات الاتحاد الأفريقي. فقد أكدت وزارة الخارجية المصرية في أكثر من مناسبة خلال 2026 أن مصر تضطلع بدور قيادي في ملف إعادة الإعمار والتنمية فيما بعد النزاعات داخل الاتحاد، وهو ملف تعتبره القاهرة استكمالًا ضروريًا لأي جهود وساطة أو وقف إطلاق نار.

كما أبرزت الخارجية أن مصر، باعتبارها عضوًا في مجلس السلم والأمن الأفريقي خلال الفترة الراهنة، تدفع نحو حلول سلمية تراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية للأزمات، وليس فقط الاعتبارات السياسية والأمنية الضيقة. وتستضيف القاهرة أيضًا مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية فيما بعد النزاعات، بما يمنحها ثقلًا مؤسسيًا إضافيًا في هذا المسار.

منتدى أسوان كمنصة مكملة

ومن بين الأدوات التي تعتمد عليها مصر لترسيخ هذا الدور منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة، الذي أطلقته القاهرة عام 2019 خلال رئاستها للاتحاد الأفريقي تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي. ووفق وزارة الخارجية، يمثل المنتدى منصة أفريقية رائدة لبحث الترابط بين السلم والتنمية، ويضع ضمن أولوياته النزاعات المسلحة، وإعادة الإعمار، والتغير المناخي، والأمن الغذائي والمائي، والهجرة القسرية.

هذا الربط بين الملفات يفسر سبب الاهتمام المصري المتزايد بالاجتماعات التي تناقش النزوح من منظور وقائي وتنموي. فالمعادلة التي تطرحها القاهرة واضحة: لا سلام دائمًا من دون تنمية، ولا تنمية قابلة للاستمرار في بيئة تتجدد فيها الصراعات وتتعاظم معها موجات النزوح.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، فإن استضافة مثل هذا الاجتماع لا تندرج فقط ضمن النشاط الدبلوماسي التقليدي، بل تمس ملفات تمثل أولوية مباشرة للأمن القومي المصري؛ من بينها استقرار جوار مصر الإقليمي، وتداعيات الأزمات في السودان والقرن الأفريقي والساحل، وضغوط النزوح واللجوء، وتحديات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.

ومن هنا، تبدو استضافة مصر لاجتماعات أفريقية تبحث معالجة أسباب النزوح جزءًا من سياسة أشمل تسعى إلى نقل النقاش من إدارة الطوارئ إلى صناعة الاستقرار. وهي سياسة تقوم على دعم الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية، وتوظيف الخبرة المصرية في التدريب والوساطة وبناء القدرات، مع الحفاظ على موقع القاهرة كإحدى العواصم الرئيسية لصياغة أجندة السلام والتنمية في القارة.

وفي ضوء اتساع أزمات النزوح في أفريقيا، تبدو الرسالة المصرية مزدوجة: أولًا، أن الحل الإنساني وحده غير كافٍ ما لم تُعالج جذور الصراع؛ وثانيًا، أن بناء السلام لا يكتمل إلا عبر مؤسسات قوية، وشراكات إقليمية فعالة، وتمويل عادل يساعد الدول الأفريقية على استعادة الاستقرار ومنع تكرار المأساة.