مصر تعيد هيكلة دعم الصادرات لرفع تنافسية الصناعة
تحرك جديد لإعادة صياغة دعم الصادرات
تتجه الحكومة المصرية إلى تحديث منظومة دعم الصادرات في إطار أوسع يستهدف رفع تنافسية الصناعة المحلية وتسريع نمو الصادرات السلعية، مع تركيز خاص على القطاعات القادرة على زيادة القيمة المضافة وفي مقدمتها الصناعات الهندسية. ويأتي هذا التحرك بعد اجتماع جمع حاتم النواوي، الرئيس التنفيذي لصندوق تنمية الصادرات، مع المهندس شريف الصياد، رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، لبحث آليات أكثر فاعلية لدعم الشركات المصدرة وتهيئتها للعمل في الأسواق الدولية.
الاجتماع اكتسب أهمية خاصة لأنه يأتي بعد أسابيع من قرار رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي تعيين حاتم النواوي رئيسًا للجهاز التنفيذي للهيئة العامة لمركز تنمية الصادرات المصرية التابعة لوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية لمدة عام، وفق ما أعلنته البوابة الرسمية للصادرات المصرية في 4 يونيو 2026. ويعكس ذلك رغبة الدولة في إعادة تنشيط المؤسسات المعنية بالتصدير وربطها بشكل أوضح بأهداف السياسة الصناعية والتجارية.
من الدعم النقدي إلى بناء القدرة التصديرية
المقاربة الجديدة لا تقتصر على صرف المساندة التصديرية، بل تمتد إلى بناء قدرات الشركات نفسها. فالهدف المعلن هو تصميم برامج أكثر مرونة وكفاءة، تتوافق مع احتياجات كل قطاع إنتاجي، وتساعد الشركات على الالتزام باشتراطات الأسواق الخارجية، سواء من حيث الجودة أو المواصفات أو إجراءات النفاذ التجاري.
الموقع الرسمي لصندوق تنمية الصادرات يشير إلى أن الصادرات تمثل ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية، وأن الصندوق يستهدف المساهمة في تحقيق معدلات نمو للصادرات المصرية تتراوح بين 15% و20% سنويًا. هذا التوجه ينسجم مع رؤية وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية التي تؤكد أن تنمية التجارة الخارجية جزء من مسار بناء اقتصاد مصري أكثر تنافسية واستدامة، مع تعزيز دور القطاع الخاص وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المحلي.
ومن بين الملفات التي جرى التركيز عليها خلال المناقشات: توسيع قاعدة الشركات المستفيدة من خدمات الصندوق، ورفع جاهزية المصدرين، والإسراع في التحول الرقمي من خلال أتمتة الإجراءات لتقليل الزمن والتكلفة وتحسين كفاءة تقديم الخدمة. وهذا الجانب مهم بصورة خاصة لقطاع الصناعة، حيث تشكو شركات كثيرة من طول الإجراءات وتعدد الجهات المرتبطة بالتصدير.
الصناعات الهندسية في صدارة الأولويات
القطاع الهندسي يبدو في قلب هذه الخطة. فبحسب تصريحات شريف الصياد، يستهدف المجلس التصديري للصناعات الهندسية مضاعفة صادرات القطاع من 6.5 مليار دولار في 2025 إلى 13 مليار دولار بحلول 2030. هذا الهدف يضع الصناعات الهندسية ضمن أهم الرهانات المصرية لزيادة الصادرات الصناعية، خاصة مع اتساع قاعدة المنتجات التي تشمل الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، ومكونات السيارات، والكابلات، والآلات والمعدات، ووسائل النقل.
الهيئة العامة للاستعلامات كانت قد أشارت في تقرير منشور أواخر 2025 إلى أن الصادرات الهندسية المصرية سجلت نموًا بنسبة 11.5% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2024. كما أوضح التقرير أن الأداء القوي جاء بدعم من ارتفاع صادرات المنتجات الكهربائية والإلكترونية والآلات والمعدات ومعدات النقل والأجهزة المنزلية ومكونات السيارات. وفي تحديث لاحق خلال 2026، أكدت الهيئة أن الصناعات الهندسية تعد من القطاعات السبعة ذات الأولوية ضمن الاستراتيجية الصناعية المصرية حتى 2030.
هذه المؤشرات تعطي خلفية مهمة لفهم سبب التركيز على هذا القطاع تحديدًا. فالصناعات الهندسية لا توفر فقط حصيلة دولارية أكبر، لكنها ترتبط أيضًا بتعميق التصنيع المحلي، وتوطين الصناعات المغذية، ورفع المحتوى المحلي في المنتجات النهائية، وهي عناصر ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف وتخفيض الاعتماد على الواردات.
سلاسل الإمداد والصناعات المغذية
أحد المحاور الرئيسية في المناقشات كان دمج الشركات المصرية في سلاسل الإمداد العالمية. وهذه النقطة تتجاوز فكرة التصدير التقليدي إلى بناء علاقات توريد مستدامة مع شركات وأسواق خارجية، بما يسمح للمصنع المصري بأن يصبح جزءًا من دورة إنتاج إقليمية أو دولية.
كما طُرح ملف توطين الصناعات المغذية ذات القيمة المضافة المرتفعة، وهو ملف شديد الأهمية للصناعات الهندسية على وجه الخصوص. فكلما ارتفعت نسبة المكونات المنتجة محليًا، زادت القدرة على المنافسة السعرية، وتحسنت فرص النفاذ للأسواق التي تضع شروطًا على قواعد المنشأ أو على نسب المكون المحلي.
- رفع جاهزية المصدرين للالتزام بالمواصفات العالمية.
- تسريع الرقمنة لتبسيط الإجراءات وتحسين كفاءة الخدمة.
- توسيع قاعدة الشركات المصدرة بدلًا من قصر الاستفادة على عدد محدود من الكيانات الكبرى.
- تعميق التصنيع المحلي عبر دعم الصناعات المغذية ومستلزمات الإنتاج.
- التوسع في أسواق جديدة خاصة داخل أفريقيا وأمريكا الجنوبية.
رهان على الاتفاقيات التجارية
تعوّل مصر بوضوح على الاستفادة الأكبر من الاتفاقيات التجارية الموقعة بالفعل. وتبرز هنا اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية باعتبارها من أهم الأدوات المتاحة لتوسيع انتشار المنتجات المصرية. ووفق بيانات منصة “استثمر في مصر” التابعة للجهات الرسمية، تضم الاتفاقية 55 دولة أفريقية، بينما تؤكد وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية أنها توفر لمصر منفذًا إلى أسواق ضخمة ضمن شبكة اتفاقيات تجارية يصل عدد مستهلكيها إلى أكثر من 1.5 مليار نسمة.
كما تشير البيانات الرسمية إلى أن اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية تستهدف إنشاء سوق موحدة وتعزيز حركة السلع والخدمات والاستثمار داخل القارة. وفي يوليو 2026، أكدت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية مجددًا أن مصر تعتبر الاتفاقية أداة مهمة لدعم نفاذ الصادرات المصرية وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار والإنتاج والتصدير.
وفي السياق نفسه، تحضر اتفاقية الميركوسور في مناقشات تنويع الأسواق، خاصة بالنسبة لأمريكا الجنوبية. وبالنسبة لقطاعات مثل الصناعات الهندسية، فإن الاستفادة من مزايا التخفيضات الجمركية والاتفاقيات التفضيلية قد تفتح أبوابًا جديدة أمام الشركات التي نجحت بالفعل في تطوير الجودة والالتزام الفني.
هل تنجح الخطة في الوصول إلى أهداف 2030؟
الهدف الأوسع الذي تتحرك في إطاره هذه الخطوات هو دعم مسار زيادة الصادرات المصرية بحلول عام 2030. وفي هذا الإطار، يرى صناع القرار أن نجاح المنظومة الجديدة لن يُقاس فقط بحجم المساندة التي تُصرف، بل بعدد الشركات التي تدخل التصدير لأول مرة، وسرعة حصولها على الخدمات، وقدرتها على الاستمرار في الأسواق الخارجية.
ومن هنا، فإن نجاح إعادة هيكلة دعم الصادرات يتطلب توافر عدة شروط عملية، من بينها استقرار السياسات، وسرعة رد الأعباء، وتحسين الخدمات اللوجستية، وربط برامج الدعم بمؤشرات أداء واضحة، فضلًا عن استمرار التنسيق بين صندوق تنمية الصادرات والمجالس التصديرية والجهات الرقابية والفنية.
المؤكد أن الحكومة تراهن على أن التحول من نموذج يعتمد أساسًا على الحافز المالي إلى نموذج يجمع بين التمويل، والجاهزية التصديرية، والرقمنة، والاندماج في سلاسل القيمة قد يمنح المنتج المصري فرصة أفضل في الأسواق العالمية. وإذا نجح هذا النهج في القطاع الهندسي، فقد يصبح نموذجًا قابلًا للتعميم على قطاعات أخرى تسعى مصر إلى دفعها بقوة خلال السنوات المقبلة.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا الملف لا يتعلق بأرقام الصادرات فقط، بل بمدى قدرة الصناعة الوطنية على إنتاج سلع أكثر تنافسية، وخلق فرص عمل أفضل، وتعزيز حضور “صنع في مصر” في الأسواق الإقليمية والدولية.