مصر تقفز 47 مركزًا في نضج الحكومة الرقمية إلى المرتبة 22
مصر تحسن موقعها عالميًا في الحكومة الرقمية
سجلت مصر تقدمًا لافتًا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية 2025 الصادر عن البنك الدولي، بعدما صعدت 47 مركزًا مقارنة بالتقرير السابق، لتصل إلى المركز 22 عالميًا ضمن الفئة (أ)، وهي الشريحة الأعلى في تصنيف المؤشر. ووفق البيانات الرسمية، بلغت درجة نضج الحكومة الرقمية في مصر 0.911 من 1، مقابل 0.751 في تقرير عام 2022 عندما كانت البلاد في المركز 69 عالميًا.
هذه النتيجة لا تعني مجرد تحسن رقمي على الورق، بل تعكس اتساع نطاق الخدمات الحكومية المقدمة إلكترونيًا، وتطور البنية التكنولوجية التي تعتمد عليها الدولة في إنجاز المعاملات وربط الجهات المختلفة وتبسيط الإجراءات أمام المواطنين.
ما الذي يقيسه المؤشر الدولي؟
يعتمد مؤشر نضج الحكومة الرقمية GTMI التابع للبنك الدولي على تقييم مستوى التحول الرقمي في القطاع الحكومي عبر أربعة محاور رئيسية، تشمل الأنظمة الحكومية الأساسية، وتقديم الخدمات العامة عبر الإنترنت، والمشاركة الرقمية للمواطنين، وممكنات الحكومة الرقمية مثل الاستراتيجيات والمؤسسات والتشريعات والمهارات الرقمية.
ويغطي المؤشر، بحسب البنك الدولي، 197 إلى 198 اقتصادًا حول العالم في أحدث التحديثات المنشورة على منصة GovTech التابعة للمؤسسة الدولية، ما يجعله أحد أبرز المقاييس المستخدمة لمتابعة مدى جاهزية الحكومات لتقديم خدمات عامة أكثر كفاءة وشفافية واعتمادًا على التكنولوجيا.
من الفئة «ج» إلى الفئة الأعلى
أهمية التقدم المصري لا تتوقف عند الرقم الحالي فقط، بل تمتد إلى المسار الكامل الذي قطعته الدولة خلال السنوات الأخيرة. فبحسب تصريحات رسمية منسوبة إلى الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فإن مصر كانت ضمن الفئة (ج) في عام 2018، ثم انتقلت لاحقًا إلى الفئة (ب)، قبل أن تعزز موقعها داخل الفئة (أ) وتحقق في التحديث الأخير المرتبة 22 عالميًا.
هذا التطور يعكس انتقال ملف التحول الرقمي في مصر من مرحلة تأسيس البنية إلى مرحلة توسيع الاستخدام وتحسين جودة الخدمة، وهو ما يرتبط مباشرة بمشروعات ميكنة الخدمات، وربط قواعد البيانات، وتطوير منصات تقديم الخدمة للمواطنين والشركات.
كيف تفسر الحكومة هذه القفزة؟
البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية المصرية نسبت هذا التحسن إلى استمرار تنفيذ استراتيجية مصر الرقمية، والتوسع في ميكنة الخدمات الحكومية، وتعزيز بيئة العمل الرقمي داخل مؤسسات الدولة. كما أشارت إلى أن التقدم جاء مدفوعًا بعدة ركائز، من بينها تطوير العمليات الداخلية، وزيادة الاعتماد على المنصات الإلكترونية، وتقديم خدمات أكثر سهولة عبر القنوات الرقمية.
وفي هذا السياق، باتت منصة مصر الرقمية واحدة من أبرز الواجهات التي تربط المواطن بالخدمات الحكومية، عبر نموذج يستهدف تقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية، وخفض زمن الحصول على الخدمة، وتوسيع نطاق الوصول إليها من مختلف المحافظات.
لماذا يهم هذا الترتيب المواطن المصري؟
الحديث عن الحكومة الرقمية قد يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه يمس حياة المواطنين بشكل مباشر. فكلما ارتفع مستوى النضج الرقمي، زادت قدرة الجهات الحكومية على تقديم خدمات أسرع وأوضح وأقل تعقيدًا، سواء تعلق الأمر بالوثائق الرسمية أو خدمات السجل المدني أو التراخيص أو المدفوعات أو الاستعلامات الحكومية.
بالنسبة للمواطن في مصر، يترجم هذا النوع من التقدم إلى مزايا عملية، من أبرزها:
- تقليل التكدس داخل المصالح الحكومية.
- خفض الوقت والجهد المطلوبين لإنهاء المعاملات.
- رفع كفاءة المتابعة والشفافية في مسار الطلبات.
- توسيع إتاحة الخدمة للمواطنين خارج المراكز الرئيسية.
- تحسين التكامل بين الجهات الحكومية المختلفة.
مصر في سياق دولي أوسع
على الرغم من أن مسح الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية 2024 وضع مصر في المركز 95 عالميًا على مؤشر تطوير الحكومة الإلكترونية EGDI، فإنه أشار أيضًا إلى وجود مصر ضمن أفضل 100 دولة عالميًا، وضمن الدول الأفريقية التي تتجاوز المتوسط العالمي في القارة. لكن يجب التمييز هنا بين المؤشرين: فمؤشر الأمم المتحدة يقيس الحكومة الإلكترونية بمنهجية مختلفة، بينما يركز مؤشر البنك الدولي لنضج الحكومة الرقمية على عمق التحول المؤسسي والخدمي في القطاع العام.
هذا الفرق في المنهجية يفسر لماذا قد تختلف المراكز بين مؤشر وآخر، من دون أن ينفي ذلك اتجاهًا عامًا واضحًا، وهو أن الملف الرقمي المصري شهد تحسنًا متواصلًا خلال السنوات الأخيرة، سواء في البنية التحتية أو في جاهزية المؤسسات أو في تصميم الخدمات العامة.
دور وزارة الاتصالات ومؤسسات الدولة
يقف على رأس هذا الملف الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بخطط توسيع التحول الرقمي وتطوير الخدمات العامة المدعومة بالتكنولوجيا. وتؤكد البيانات الصادرة عن وزارة الاتصالات والجهات الحكومية المرتبطة بها أن التقدم في المؤشر الدولي جاء نتيجة عمل تراكمي، شاركت فيه مؤسسات الدولة المختلفة وليس جهة واحدة فقط.
ويشمل ذلك تطوير النظم الخلفية داخل الجهاز الإداري، وتحديث البوابات الرقمية، ورفع كفاءة البنية المعلوماتية، إلى جانب العمل على التشريعات والحوكمة وبناء القدرات البشرية، وهي عناصر تعد من أساسيات أي تقدم مستدام في مؤشرات الحكومة الرقمية عالميًا.
ماذا بعد المركز 22 عالميًا؟
الوصول إلى المرتبة 22 عالميًا يمثل خطوة كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يضع تحديًا جديدًا أمام الحكومة المصرية: الحفاظ على الزخم وتحويل التقدم المؤسسي إلى تجربة يومية ملموسة يشعر بها المواطن في كل خدمة يتلقاها.
المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بعدد المراكز التي يمكن أن تتقدمها مصر في التقارير الدولية، بل أيضًا بمدى سهولة استخدام الخدمات، واستقرار المنصات، والقدرة على الوصول الرقمي العادل، خاصة في المحافظات والمناطق الأقل استفادة من الخدمات التكنولوجية.
وإذا استمرت وتيرة التطوير الحالية، فإن الحكومة الرقمية في مصر قد تتحول من ملف تحسين إداري إلى رافعة أوسع لدعم الاستثمار، وتبسيط بيئة الأعمال، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز ثقة المواطن في الخدمات الرسمية.
خلاصة المشهد
القفزة المصرية في مؤشر نضج الحكومة الرقمية 2025 ليست مجرد رقم جديد في سجل المؤشرات الدولية، بل مؤشر على تحول مؤسسي أوسع في طريقة إدارة الخدمات العامة. فالصعود من المركز 69 إلى 22 عالميًا، والانتقال إلى الفئة الأعلى، يضع مصر في موقع متقدم داخل سباق رقمنة الحكومات.
ويبقى التحدي الأهم هو أن تنعكس هذه النتائج الدولية على الحياة اليومية للمواطن المصري، بحيث تصبح الخدمة الحكومية الرقمية أسرع، وأبسط، وأكثر كفاءة في كل محافظة ومدينة وقرية.