مصر تؤكد دعمها لأي تفاوض ينهي الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان
موقف مصري واضح: التفاوض يجب أن يقود إلى انسحاب كامل
جددت مصر تأكيدها أن أي مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل لا تكتمل جدواه إلا إذا انتهى إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية. هذا الموقف عبّر عنه وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي خلال تصريحات إعلامية، في امتداد لخط دبلوماسي مصري ثابت خلال الأشهر الماضية يقوم على دعم سيادة الدولة اللبنانية ورفض أي مساس بوحدة أراضيها.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا الموقف لا ينفصل عن رؤية القاهرة الأوسع لأمن المشرق العربي وشرق المتوسط؛ فاستقرار لبنان يظل جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي، كما أن استمرار التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية يهدد بفتح بؤرة اشتعال جديدة في جوار عربي بالغ الحساسية.
ما الذي قالته القاهرة في الأسابيع الأخيرة؟
التحركات المصرية الرسمية خلال 2026 تعكس اتساقًا لافتًا في الرسائل السياسية. ففي 27 يونيو 2026، أعلنت الهيئة العامة للاستعلامات أن عبد العاطي أجرى اتصالًا مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، ورحب بالتطور المرتبط بالاتفاق الإطاري الذي جرى التوصل إليه في 26 يونيو برعاية أمريكية، مع التشديد على ضرورة البناء عليه وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان والتنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن رقم 1701. كما أكدت القاهرة دعمها للحكومة اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني، وحصرية السلاح بيد الدولة.
وقبل ذلك، كررت مصر الرسالة نفسها في أكثر من محطة. ففي 31 مايو 2026 شددت على أن أي انتهاك لسيادة لبنان وسلامة أراضيه يمثل خرقًا واضحًا للقانون الدولي ولقرار مجلس الأمن 1701، بينما أكدت في 24 أبريل 2026 أهمية احترام التزامات وقف إطلاق النار في لبنان، وضرورة أن يفضي أي تمديد أو تفاوض إلى تهدئة دائمة وانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.
اتساق بين التصريحات والاتصالات الرسمية
أهمية تصريحات عبد العاطي لا تتوقف عند بعدها الإعلامي، بل تكتسب وزنها من كونها متسقة مع ما صدر رسميًا عن مؤسسات الدولة المصرية، سواء عبر وزارة الخارجية أو الهيئة العامة للاستعلامات. وفي هذا الإطار، تبدو القاهرة حريصة على الجمع بين ثلاثة مسارات متوازية: دعم التهدئة، مساندة مؤسسات الدولة اللبنانية، والدفع نحو تنفيذ المرجعيات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 1701.
خلفية المشهد: لماذا يظل القرار 1701 حاضرًا؟
قرار مجلس الأمن 1701 الصادر في أغسطس 2006 لا يزال المرجعية الأساسية لأي حديث عن وقف الأعمال العدائية في جنوب لبنان. القرار يدعو إلى وقف القتال، واحترام الخط الأزرق، وبسط سلطة الدولة اللبنانية، وانتشار القوات المسلحة اللبنانية في الجنوب بالتوازي مع دور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يونيفيل.
لكن التطبيق الكامل ظل موضع تعثر. الأمم المتحدة كانت قد أشارت في 18 فبراير 2025 إلى أن الموعد المحدد لانسحاب القوات الإسرائيلية جنوب الخط الأزرق وانتشار الجيش اللبناني لم يتحقق كما كان مأمولًا. وفي تقارير أممية لاحقة خلال 2026، تكرر الحديث عن استمرار وجود إسرائيلي في نقاط داخل الأراضي اللبنانية، بما يعوق العودة الكاملة للنازحين ويعرقل استعادة الدولة اللبنانية سيطرتها الميدانية الكاملة في الجنوب.
ماذا جرى في 2026 بين لبنان وإسرائيل؟
شهد عام 2026 تحركات تفاوضية متقطعة بين الجانبين. الأمم المتحدة رحبت في 24 أبريل 2026 بإعلان تمديد ترتيب وقف الأعمال العدائية لمدة ثلاثة أسابيع لإتاحة المجال للحوار بين لبنان وإسرائيل، بعد إعلان أولي في 16 أبريل من العام نفسه. كما تحدثت مصادر دولية عن دور أمريكي في تسهيل هذه الترتيبات.
وفي 26 يونيو 2026، برز اتفاق إطاري جديد بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، وهو التطور الذي رحبت به مصر باعتباره خطوة أولى يمكن البناء عليها، لا نهاية للمسار. هذه النقطة مهمة؛ فالقاهرة لا تنظر إلى الاتفاقات المرحلية باعتبارها غاية بحد ذاتها، بل معيار نجاحها الوحيد هو ما إذا كانت ستقود فعليًا إلى انسحاب إسرائيلي كامل وتمكين الدولة اللبنانية من فرض سيادتها على أراضيها.
الوضع الميداني لم يُحسم بعد
رغم المسارات التفاوضية، ظلت التطورات على الأرض شديدة الهشاشة. تقارير دولية خلال صيف 2026 أشارت إلى استمرار وجود قوات إسرائيلية في مناطق داخل الجنوب اللبناني، كما تحدثت تقارير أممية عن انتهاكات متبادلة لوقف الأعمال العدائية. وفي أغسطس 2026، أفادت وكالة أسوشيتد برس بوقوع توتر جديد في جنوب لبنان وذكرت أن بعض المناطق التي شهدت قتالًا سابقًا ما زالت تحت الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يفسر استمرار الإصرار اللبناني والعربي على ربط أي تفاوض بنتيجة واضحة على الأرض، لا بمجرد تفاهمات مؤقتة.
الزاوية اللبنانية: الدولة والجيش وعودة السكان
لبنان الرسمي بدوره يتمسك بأن البداية الحقيقية للاستقرار تكمن في الانسحاب الإسرائيلي. وفي أواخر يوليو 2026، قال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إن بدء الانسحاب من إحدى البلدات الجنوبية يمثل خطوة أولى على طريق الانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية، مؤكدًا أن عودة الأهالي وبسط سلطة الدولة هدفان متلازمان.
وهنا تتلاقى الرؤية المصرية مع الأولويات اللبنانية في ثلاث نقاط رئيسية:
- أولًا: تثبيت وقف الأعمال العدائية ومنع العودة إلى التصعيد الواسع.
- ثانيًا: استكمال الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي اللبنانية.
- ثالثًا: تمكين الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة من الانتشار الكامل وفرض السيادة.
لماذا يهم هذا الملف مصر وأفريقيا؟
رغم أن الأزمة تقع في المشرق، فإن تغطيتها ضمن قسم أفريقيا منطقية من زاوية الأمن الإقليمي الممتد الذي تتحرك فيه الدبلوماسية المصرية. مصر، بوصفها دولة محورية تربط بين شمال أفريقيا وشرق المتوسط والعالم العربي، تتعامل مع استقرار لبنان باعتباره جزءًا من شبكة أوسع تشمل أمن البحر المتوسط، وحركة التجارة والطاقة، ومنع انتقال الصراعات إلى دوائر إقليمية جديدة.
كما أن القاهرة تحرص في سياستها الخارجية على دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها النظامية، وهو منطق يتكرر في ملفات أفريقية وعربية متعددة. لذلك فإن تشديدها على دعم الجيش اللبناني وحصرية السلاح بيد الدولة لا يأتي كصياغة دبلوماسية عابرة، بل كجزء من تصور أوسع لكيفية منع الانهيار وإعادة بناء الاستقرار.
ما الذي يمكن ترقبه خلال الفترة المقبلة؟
المؤشرات الحالية توحي بأن ملف لبنان سيظل مفتوحًا على مسارين متوازيين: تفاوض سياسي لمحاولة تثبيت التهدئة، واختبار ميداني لمدى التزام الأطراف بما يتم الاتفاق عليه. ومن ثم، فإن أي تقدم حقيقي سيُقاس بعدة عناصر واضحة، منها:
- خفض الانتهاكات على الحدود الجنوبية اللبنانية.
- انسحاب القوات الإسرائيلية من النقاط التي ما زالت موضع نزاع أو احتلال.
- استكمال انتشار الجيش اللبناني جنوبًا.
- تسهيل عودة السكان إلى بلداتهم وقراهم.
- التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 1701 دون انتقائية.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة المصرية شديدة الوضوح: القاهرة تدعم التفاوض، لكنها تربط شرعيته ونجاحه بنتيجة ملموسة هي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية. وبينما تتواصل الجهود الدولية، يبقى هذا الموقف واحدًا من أكثر المواقف العربية اتساقًا في الدفاع عن سيادة لبنان ورفض تحويل التهدئة المؤقتة إلى بديل عن الحل الحقيقي.