Akhbar Cairo

مصر لإيران من نيويورك: لا للتصعيد ونعم للدبلوماسية

لقاء مصري إيراني في توقيت إقليمي شديد الحساسية

جددت مصر موقفها الداعي إلى التهدئة ووقف دوامة التصعيد في المنطقة، خلال لقاء جمع الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، بنظيره الإيراني عباس عراقجي في نيويورك، على هامش أعمال الشق رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. وركز اللقاء على أولوية تكثيف الاتصالات السياسية والدبلوماسية من أجل احتواء الأزمة الراهنة، ومنع اتساع التوترات في الإقليم إلى مسارات أكثر خطورة على الأمن والاستقرار العربيين.

التحرك المصري لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع، إذ تشهد نيويورك خلال الأسبوع الجاري زخماً دبلوماسياً لافتاً بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة، حيث يعقد وزير الخارجية المصري سلسلة لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف مع مسؤولين دوليين وإقليميين لبحث ملفات غزة، وأمن الملاحة، والتوترات المرتبطة بإيران، وعدد من بؤر النزاع في الشرق الأوسط. وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت سفر عبد العاطي إلى نيويورك يوم 19 سبتمبر 2026 للمشاركة في أعمال الدورة الحالية وعقد مشاورات موسعة مع وزراء الخارجية ورؤساء الوفود.

ماذا قالت القاهرة في اللقاء؟

بحسب ما تعكسه المواقف المصرية الرسمية في تحركاتها الأخيرة، فإن الرسالة الأساسية التي حملها عبد العاطي إلى الجانب الإيراني تتمثل في رفض أي تصعيد إضافي، والدفع نحو تفاهمات سياسية تعيد الاعتبار للمسار الدبلوماسي بدلاً من منطق المواجهة المفتوحة. هذا التوجه يتسق مع اتصالات مصرية سابقة أجراها الوزير نفسه مع عراقجي في محطات متعددة خلال عامي 2025 و2026، وشدد خلالها على ضرورة خفض التوتر وعدم انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع.

وفي يونيو 2025، أعلنت الخارجية المصرية أن عبد العاطي التقى عراقجي في إسطنبول على هامش اجتماع منظمة التعاون الإسلامي، حيث ناقش الجانبان آنذاك التطورات الإقليمية والملف النووي الإيراني وتداعيات التصعيد على أمن المنطقة. كما أظهرت اتصالات يناير 2026 ومايو 2025 استمرار قنوات التواصل بين القاهرة وطهران في أوقات الأزمات، وهو ما يشير إلى تمسك مصر بفكرة إبقاء الحوار مفتوحاً حتى في أكثر اللحظات حساسية.

نيويورك منصة لتحرك دبلوماسي أوسع

المشهد في نيويورك هذا العام يتجاوز اللقاءات الثنائية التقليدية. فالقاهرة استضافت أيضاً اجتماعات وزارية إقليمية على هامش الجمعية العامة، بينها لقاء لما يعرف بصيغة R4 التي ضمت مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وركزت على خفض التصعيد الإقليمي وأمن الملاحة الدولية. كما استضافت البعثة المصرية اجتماعاً لعدد من وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية لبحث وقف الحرب في غزة وتثبيت التهدئة، في مؤشر إلى أن مصر تسعى إلى ربط الملفات الإقليمية المختلفة ضمن تصور يقوم على منع توسع النزاعات واحتواء آثارها.

ومن زاوية مصرية، تبدو الرسالة واضحة: لا يمكن فصل التوتر مع إيران عن بقية أزمات الشرق الأوسط، سواء ما يجري في غزة أو اضطرابات البحر الأحمر أو المخاوف المتعلقة بأمن الخليج. لذلك تطرح القاهرة باستمرار مقاربة شاملة تقوم على الحلول السياسية، واحترام سيادة الدول، ورفض تحويل الإقليم إلى ساحة صدامات متتالية تستنزف الجميع. هذا الفهم ظهر أيضاً في لقاءات عبد العاطي مع عدد من نظرائه الأوروبيين والغربيين خلال الأيام الماضية في نيويورك، حيث ناقش تطورات إيران واليمن وغزة والسودان.

لماذا يحظى هذا اللقاء باهتمام عربي؟

أهمية اللقاء المصري الإيراني تنبع من أن القاهرة تُعد أحد أبرز الأطراف العربية التي تدفع باستمرار نحو تسويات سياسية في الملفات الإقليمية المعقدة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مسافة دبلوماسية تسمح لها بلعب دور الوسيط أو الميسّر للحوار عندما تشتد الأزمات. وبالنسبة للقارئ المصري والعربي، فإن أي تراجع في مستوى التوتر بين القوى الإقليمية ينعكس مباشرة على ملفات تمس المنطقة بأسرها، من أسعار الطاقة والتجارة وحركة الملاحة، وصولاً إلى الاستقرار الأمني في دول الجوار العربي.

وتأتي هذه التحركات بينما تشهد اجتماعات الأمم المتحدة هذا العام حضوراً إيرانياً رفيع المستوى، إذ أفادت تقارير دولية بأن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي وصلا إلى نيويورك للمشاركة في فعاليات الجمعية العامة، وسط أجواء مشحونة وتصريحات أمريكية حادة بشأن مستقبل العلاقة مع طهران. كما أشارت تقارير إعلامية دولية إلى اتصالات وتحركات وساطة عربية على هامش الاجتماعات في محاولة لتخفيف احتمالات المواجهة.

ثوابت الموقف المصري

يمكن قراءة لقاء عبد العاطي وعراقجي ضمن ثوابت راسخة في السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة، وأبرزها:

  • أولوية خفض التصعيد: القاهرة ترفض اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط وتدعو إلى احتواء الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات شاملة.
  • دعم الحلول السياسية: مصر تؤكد باستمرار أن التفاوض والحوار هما المسار الأكثر واقعية واستدامة في التعامل مع النزاعات الإقليمية.
  • حماية الأمن العربي: أي تصعيد يهدد دول الخليج أو أمن الملاحة أو استقرار الممرات الدولية يُنظر إليه في القاهرة باعتباره خطراً مباشراً على الإقليم.
  • الربط بين الأزمات: مصر تتعامل مع ملفات غزة وإيران والبحر الأحمر واليمن والسودان باعتبارها حلقات متداخلة في مشهد إقليمي واحد يحتاج إلى مقاربة متوازنة.

ما الذي يمكن توقعه بعد ذلك؟

لا تشير المعطيات المتاحة حتى الآن إلى اختراق كبير وفوري، لكن اللقاء يعكس استمرار الرهان المصري على الدبلوماسية الوقائية؛ أي التحرك المبكر لمنع تدهور الأوضاع بدلاً من انتظار انفجارها. ومن المرجح أن تواصل القاهرة خلال الأيام المقبلة في نيويورك اتصالاتها مع أطراف عربية وإقليمية ودولية لدعم مسار التهدئة، خصوصاً في ظل ازدحام جدول أعمال الجمعية العامة بالملفات الساخنة المرتبطة بالشرق الأوسط.

بالنسبة لمصر، فإن نجاح أي جهد لخفض التوتر مع إيران أو احتواء تداعياته لا يُقاس فقط بنتائج اللقاءات الثنائية، بل بمدى قدرة المجتمع الدولي والقوى الفاعلة في المنطقة على استئناف مسار سياسي جاد يمنع مزيداً من الانفجار. ولهذا تبدو الرسالة المصرية من نيويورك شديدة الوضوح: المنطقة لا تحتمل جبهة اشتعال جديدة، والدبلوماسية ما زالت الطريق الأقل كلفة والأكثر واقعية لحماية شعوبها ودولها.