Akhbar Cairo

مصر: لا هيمنة إثيوبية على النيل ولا وجود عسكريًا بالبحر الأحمر

موقف مصري واضح: التنمية حق، لكن دون الإضرار بدول المصب

جددت القاهرة موقفها الحاسم إزاء ملفي الأمن المائي وأمن البحر الأحمر، في تصريحات جديدة لوزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، شدد فيها على أن مصر لا تعارض حق إثيوبيا في التنمية، لكنها ترفض في الوقت نفسه أي توجهات تقوم على فرض الهيمنة على مياه النيل أو اتخاذ خطوات أحادية تمس الحقوق المائية التاريخية والقانونية لدولتي المصب.

التصريحات جاءت خلال جلسة إحاطة موسعة عقدها الوزير بدر عبد العاطي مع ممثلي وسائل الإعلام يوم الخميس 10 سبتمبر 2026، ضمن تواصل وزارة الخارجية مع الصحافة لشرح المواقف المصرية من ملفات إقليمية عدة، من بينها السودان، وليبيا، وسوريا، وفلسطين، إلى جانب قضية الأمن المائي وتطورات القرن الأفريقي. وبحسب ما نشرته وزارة الخارجية المصرية، أكد الوزير أن القاهرة تعتبر الحفاظ على الأمن المائي مسألة وجودية، وأنها تتمسك بإدارة الأنهار الدولية وفق قواعد القانون الدولي، وعلى رأسها عدم الإضرار والتعاون والتوافق.

ما الذي قاله بدر عبد العاطي؟

عبد العاطي، الذي يتولى حقيبة الخارجية منذ 3 يوليو 2024، أعاد التأكيد على أن مصر اعترفت منذ البداية بحق الشعب الإثيوبي في التنمية، وأن هذا الحق ليس محل خلاف من جانب القاهرة. لكنه أوضح أن الإشكال يبدأ عندما تتحول التنمية إلى أداة للضغط السياسي أو إلى محاولة للتحكم في مورد مائي عابر للحدود يمثل شريان حياة لملايين المصريين. وتنسجم هذه الرسالة مع مواقف مصر الرسمية المتكررة في الأسابيع الأخيرة، والتي شددت على رفض إقامة سدود إضافية أو فرض أمر واقع جديد في حوض النيل الشرقي من دون اتفاق قانوني ملزم.

وفي السياق نفسه، أكدت بيانات مصرية رسمية خلال أوائل سبتمبر 2026 أن السياسة المصرية في دول حوض النيل تقوم على التعاون والتنمية والمنفعة المتبادلة، لا على الصدام، لكن مع رفض كامل لأي إجراءات أحادية تخالف قواعد القانون الدولي. ويعكس هذا الخطاب توازناً مقصوداً بين دعم التنمية في أفريقيا وبين حماية المصالح الحيوية المصرية، وهي زاوية تكتسب أهمية خاصة لدى القارئ المصري في ظل حساسية ملف النيل داخلياً.

الرسالة الثانية: البحر الأحمر ليس ساحة مفتوحة لعسكرة جديدة

الشق الثاني من تصريحات الوزير تناول مسألة النفاذ البحري الإثيوبي، وهي قضية تصاعدت أهميتها منذ دخولها في قلب توازنات القرن الأفريقي. عبد العاطي فرّق بوضوح بين حصول دولة حبيسة مثل إثيوبيا على تسهيلات أو منافذ لأغراض تجارية، وبين السعي إلى وجود بحري ذي طابع عسكري على البحر الأحمر. ووفق ما ورد في تصريحاته، فإن القاهرة لا تمانع في المبدأ أي ترتيبات تجارية طبيعية، لكنها ترفض أن يتحول الأمر إلى تموضع عسكري لدولة غير مشاطئة، لأن حوكمة البحر الأحمر ومسؤولية أمنه تخص الدول الساحلية المطلة عليه.

هذه المقاربة المصرية ترتبط مباشرة بحسابات الأمن القومي في الإقليم، خاصة أن البحر الأحمر يظل ممراً استراتيجياً للتجارة والطاقة وحركة الملاحة الدولية، كما أن أي تغيرات في توازناته الأمنية تنعكس على مصر عبر قناة السويس وسلامة خطوط الإمداد الإقليمية. ومن هنا، تبدو الرسالة المصرية موجهة إلى أكثر من طرف: دعم الاستقرار في القرن الأفريقي، وعدم السماح بتحويل المنافذ البحرية إلى مصدر توتر إضافي في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة سياسية وأمنية ممتدة من السودان إلى الصومال واليمن.

الصومال في قلب المعادلة الإقليمية

الموقف المصري من قضية النفاذ البحري يرتبط أيضاً بدعم القاهرة المعلن لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه. وخلال لقاءات سابقة لوزير الخارجية مع مسؤولين دوليين، شددت مصر على رفض أي تدخلات تمس سيادة الدولة الصومالية أو تتجاوز الحكومة الفيدرالية المعترف بها. هذا البعد مهم لأن أي ترتيبات بحرية أو عسكرية في القرن الأفريقي لا تُقرأ في القاهرة باعتبارها شأناً إثيوبياً منفصلاً، بل باعتبارها جزءاً من معادلة أوسع تمس استقرار شرق أفريقيا والبحر الأحمر معاً.

ومن منظور قسم أفريقيا، فإن الأزمة هنا لا تتعلق فقط بخلاف ثنائي بين مصر وإثيوبيا، بل بصورة أشمل تخص شكل التوازنات في القارة: إدارة الأنهار الدولية، احترام سيادة الدول، وحدود الأدوار العسكرية في الممرات البحرية الحساسة. لذلك تحرص القاهرة على تقديم موقفها باعتباره دفاعاً عن قواعد إقليمية مستقرة، لا مجرد رد فعل على خلاف سياسي عابر.

لماذا يهم هذا الملف المصريين؟

بالنسبة للمواطن المصري، تبقى قضية النيل مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والمائي والتنمية الزراعية والصناعية. فمصر تعتمد بشكل شبه كامل على موارد النهر في تلبية احتياجاتها المائية، ولهذا تصف مؤسسات الدولة الملف بأنه قضية وجود. وعندما تتحدث الخارجية المصرية عن رفض التحكم في تدفقات النهر أو فرض إجراءات أحادية، فهي تربط ذلك بحقوق السكان واحتياجات الاقتصاد، وليس فقط بالخلافات الدبلوماسية.

أما على مستوى البحر الأحمر، فالمسألة تمس التجارة وسلاسل الإمداد وأمن الملاحة، وهي ملفات يشعر المصريون بأثرها المباشر في الأسعار وحركة السوق والاستقرار الاقتصادي. ولهذا تتعامل القاهرة بحساسية شديدة مع أي ترتيبات قد تؤدي إلى عسكرة إضافية في هذا الممر الحيوي، خصوصاً في لحظة إقليمية مزدحمة بالتوترات الأمنية.

تحركات مصرية متوازية دبلوماسياً

خلال الأسابيع الماضية، كرر وزير الخارجية بدر عبد العاطي مواقفه نفسها في أكثر من مناسبة رسمية وإعلامية، سواء في اجتماعات جامعة الدول العربية بالقاهرة يوم 7 سبتمبر 2026، أو في تصريحات صحفية سابقة خلال أغسطس وسبتمبر، بما يعكس وجود خط دبلوماسي ثابت لا يتغير بتغير المنابر. كما أن وزارة الخارجية نشرت على منصاتها الرسمية مواداً متعددة توضح هذا التوجه، بما في ذلك بيانات وكلمات رسمية لوزير الخارجية بدر عبد العاطي (@MFAEGYPTofficial على إنستغرام يتبع للوزارة لا للوزير شخصياً)، ما يعزز الطابع المؤسسي للموقف المصري.

ويقوم هذا الخط على عدة مرتكزات رئيسية:

  • الاعتراف بحق دول حوض النيل في التنمية دون الإضرار بدول المصب.
  • رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي.
  • التمسك بالقانون الدولي في إدارة الموارد المائية العابرة للحدود.
  • رفض أي نفاذ عسكري لدولة غير مشاطئة إلى البحر الأحمر.
  • دعم سيادة الصومال ووحدة أراضيه واستقرار القرن الأفريقي.

خلاصة المشهد

المعادلة التي تطرحها مصر اليوم تبدو شديدة الوضوح: لا اعتراض على تنمية إثيوبيا، لكن لا قبول بأي هيمنة على النيل، ولا تسامح مع ترتيبات بحرية ذات طابع عسكري تهدد توازنات البحر الأحمر. وبين الملفين، تحاول القاهرة تثبيت رؤية تعتبر أن الأمن المائي وأمن الممرات البحرية جزءان من منظومة واحدة تخص استقرار مصر وجوارها الأفريقي.

في ظل استمرار التوترات حول إدارة مياه النيل وتفاعلات القرن الأفريقي، يرجح أن يبقى هذا الخطاب المصري حاضراً بقوة خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع تمسك القاهرة بمسار دبلوماسي يستند إلى القانون الدولي، وفي الوقت نفسه يبعث برسائل ردع سياسية واضحة لأي مساس بمصالحها الحيوية في أفريقيا والبحر الأحمر.