مصر: مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 فرصة لإصلاح الحوكمة
مصر تدفع نحو حوكمة عالمية أكثر فاعلية لملف المياه
وضعت مصر ملف الحوكمة العالمية للمياه في صدارة تحركاتها الدبلوماسية والفنية خلال الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية في المنطقة العربية وإفريقيا بفعل الندرة وتغير المناخ والطلب المتنامي على المياه. وفي هذا السياق، أكد وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم أن المؤتمر الأممي المرتقب يمثل محطة رئيسية لوضع أسس أي تطوير مؤسسي مستقبلي في إدارة ملف المياه على المستوى الدولي.
وجاءت تصريحات سويلم خلال مشاركته، في 12 أبريل 2026، في اجتماع وزاري رفيع المستوى عُقد افتراضيًا ضمن العملية التحضيرية للمؤتمر، بمشاركة الرؤساء المشاركين في الحوارات التفاعلية. وبحسب ما أعلنته وزارة الموارد المائية والري، شدد الوزير على أن التنسيق المبكر والمشترك هو الضمانة الأساسية للخروج بنتائج فعالة تدعم تنفيذ الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة الخاص بالمياه وخدمات الصرف الصحي.
لماذا تراهن القاهرة على مؤتمر 2026؟
أهمية المؤتمر لا ترتبط فقط بطابعه الأممي، بل أيضًا بتوقيته. فالأمم المتحدة تؤكد أن مؤتمر 2026 للمياه سيُعقد في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر 2026، برعاية مشتركة من الإمارات والسنغال، بعد اعتماد قرار أممي بتعديل الموعد في 8 مايو 2026. ويستهدف المؤتمر تسريع تنفيذ الهدف السادس، عبر جلسات عامة وحوارات تفاعلية مخصصة للتحديات والتمويل والتنفيذ والشراكات.
من منظور مصري وعربي، يمثل هذا المسار فرصة لتصحيح خلل قديم في إدارة ملف المياه دوليًا، إذ ظلت قضايا المياه لسنوات موزعة بين منصات أممية ومناخية وتنموية متعددة، من دون وجود آلية كافية لتجميع الأولويات وربطها ببرامج تنفيذ ومتابعة واضحة. ولهذا تحدث سويلم عن ضرورة صياغة رؤية عالمية موحدة للعمل في قطاع المياه، بما يعزز الاتساق بين المبادرات الدولية والإقليمية ويمنع تكرار الجهود أو تضاربها.
أولويات مصر: تمويل واضح وبناء قدرات وتمثيل عربي إفريقي
الطرح المصري في الاجتماعات التحضيرية لم يقتصر على الدعوة العامة إلى التعاون، بل تضمن عناصر محددة قالت الوزارة إنها تقدمت بها، من بينها زيادة جهود بناء القدرات، خصوصًا في القارة الإفريقية، وتعزيز التعاون الفني بين الدول، ووضع خارطة طريق لإدماج قضايا المياه داخل الأطر متعددة الأطراف عالميًا. كما شدد الوزير على أن خطط العمل المرتبطة بالحوارات التفاعلية يجب أن تكون واضحة وقابلة للتطبيق، مدعومة بإجراءات محددة وجداول زمنية ومخرجات قابلة للقياس.
هذا التوجه يعكس إدراكًا مصريًا بأن النقاش حول المياه لم يعد فنيًا فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بالتنمية والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، خاصة في العالم العربي الذي يعد من أكثر أقاليم العالم تعرضًا للإجهاد المائي. وتشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن منطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا من بين الأفقر عالميًا في الموارد المائية العذبة، وأن 8 دول من المنطقة تقع ضمن أعلى 10 دول عالميًا في مستويات الإجهاد المائي. كما توضح المنظمة أن أكثر من 60% من الموارد المائية المتجددة في المنطقة تأتي من خارج الحدود الوطنية، وهو ما يضاعف حساسية إدارة المياه العابرة للحدود.
أسبوع القاهرة للمياه كمنصة عربية وإفريقية
ومن النقاط اللافتة في الموقف المصري، ربط التحضير للمؤتمر الأممي بالمنصات الإقليمية القائمة، وعلى رأسها أسبوع القاهرة للمياه. فقد أعلن سويلم تخصيص يوم كامل ضمن فعاليات أسبوع القاهرة التاسع للمياه للإعداد النهائي لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، بهدف ضمان تمثيل قوي لمصالح وأولويات الدول العربية والإفريقية.
هذا الربط مهم لسببين: الأول أن القاهرة تسعى إلى تحويل المؤتمر الإقليمي إلى قناة عملية لصياغة مواقف مشتركة بدل الاكتفاء بالخطاب العام، والثاني أن المنطقة العربية تواجه تحديات مركبة تجعل من الضروري أن تحضر إلى أي مؤتمر دولي برؤية موحدة نسبيًا، خصوصًا في ملفات إعادة استخدام المياه، والتحلية، وكفاءة الري، وتمويل البنية التحتية، والتكيف مع التغيرات المناخية.
كما أن وزارة الموارد المائية والري تطرح داخليًا ما تسميه الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0، وهو مسار يركز على الحوكمة، والتحول الرقمي، وتعظيم الاستفادة من الموارد غير التقليدية، إلى جانب تحسين كفاءة توزيع المياه. وفي يوليو 2026، أقرت الوزارة خارطة طريق لتفعيل الإدارة المركزية للموارد المائية غير التقليدية، في خطوة تعكس اتجاهًا مؤسسيًا لتوسيع الاعتماد على المعالجة والتحلية ضمن المزيج المائي المصري.
الحوكمة العالمية للمياه: من التوصيات إلى التنفيذ
الرسالة الأوضح في الموقف المصري هي أن العالم لم يعد بحاجة إلى بيانات سياسية جديدة بقدر حاجته إلى آليات تنفيذ ومتابعة وتمويل. لذلك ركز سويلم على أن هناك ملفات مشتركة بين خطط العمل المختلفة، مثل التمويل وبناء القدرات والحوكمة، وينبغي التعامل معها باعتبارها نقاط تقاطع تتيح تكاملًا أكبر بين المبادرات الدولية.
وتتسق هذه المقاربة مع ما تطرحه الأمم المتحدة نفسها في وثائق مؤتمر 2026، والتي تشير إلى أن الحدث يهدف إلى مناقشة العقبات التي تعترض تنفيذ الهدف السادس، واستكشاف فرص جديدة لتسريع التقدم، مع الاعتماد على الحوارات التفاعلية والشراكات متعددة الأطراف. كما تؤكد تقارير الأمم المتحدة المعنية بالمياه أن الإجهاد المائي أصبح تحديًا متصاعدًا، وأن الوصول إلى إدارة مستدامة للمياه يتطلب قرارات سياسية واستثمارات ومؤسسات أكثر كفاءة، وليس مجرد تعهدات عامة.
وفي تقرير الأمم المتحدة العالمي لتنمية الموارد المائية لعام 2024، جرى التأكيد على أن المياه، حين تُدار بشكل عادل ومستدام، يمكن أن تصبح أداة للازدهار والسلام، بينما تؤدي الندرة والتلوث وضعف الإتاحة إلى تقويض الأمن الغذائي وسبل العيش والاستقرار. وهذه الفكرة تفسر لماذا تدفع مصر باتجاه مقاربة تربط بين المياه والتنمية والاستقرار الإقليمي، لا سيما في الفضاءين العربي والإفريقي.
ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟
بالنسبة للقارئ العربي، لا تبدو هذه التحركات بعيدة عن الواقع اليومي. فالمياه ترتبط مباشرة بأسعار الغذاء، وفرص الزراعة، والهجرة الداخلية، وكلفة الطاقة، واستقرار المدن والريف. وكلما ضعفت الحوكمة الدولية والإقليمية لملف المياه، زادت كلفة التكيف على الدول الأكثر هشاشة. ومن هنا تحاول القاهرة أن تدفع باتجاه نموذج يضمن أن تكون الدول العربية والإفريقية طرفًا فاعلًا في صياغة الأجندة الدولية، لا مجرد متلقٍ لمخرجاتها.
المحصلة أن مصر تتعامل مع مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 بوصفه اختبارًا سياسيًا ومؤسسيًا لمستقبل إدارة المياه عالميًا. وبينما يقترب موعد المؤتمر المقرر في الإمارات نهاية عام 2026، تبدو القاهرة حريصة على أن تدخل المنطقة العربية هذا الاستحقاق برؤية أكثر تنظيمًا: حوكمة أوضح، تمويل أكثر شفافية، قدرات فنية أقوى، وموقع تفاوضي يعبّر عن احتياجات الدول التي تواجه ضغوط الندرة المائية بصورة يومية.
- تاريخ الاجتماع المصري التحضيري: 12 أبريل 2026
- موعد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026: 8 - 10 ديسمبر 2026
- الدولتان المضيفتان للمؤتمر: الإمارات العربية المتحدة والسنغال
- الملف الأبرز في الطرح المصري: تطوير الحوكمة العالمية للمياه وربطها بالتنفيذ والتمويل