Akhbar Cairo

مصر وإريتريا: البحر الأحمر خط سيادي لا يقبل الوصاية

موقف يتجاوز الصياغة الدبلوماسية

يحمل التأكيد المصري المتكرر على أن أمن وإدارة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة دلالة سياسية أوسع من مجرد عبارة بروتوكولية في بيانات الخارجية. فالقاهرة تنظر إلى هذا الممر البحري بوصفه امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، ليس فقط لأن البحر الأحمر يفضي إلى قناة السويس، بل لأن أي تغيير في ترتيباته الأمنية أو السياسية ينعكس فورًا على التجارة الدولية، وعلى موقع مصر الاقتصادي والإقليمي.

هذا المعنى ظهر بوضوح في مسار الاتصالات واللقاءات المصرية مع إريتريا خلال الفترة الأخيرة. وزارة الخارجية المصرية أكدت في أكثر من مناسبة أن الدكتور بدر عبد العاطي ناقش مع نظيره الإريتري عثمان صالح سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق حيال القضايا الإقليمية، فيما شددت القاهرة أيضًا، على هامش لقاءات أفريقية وتحركات إقليمية، على رفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض نفسها شريكًا في حوكمة البحر الأحمر.

من الاتصال إلى التحرك الميداني

المسألة لم تبق في إطار الاتصال الهاتفي أو تبادل الرسائل السياسية. فوزارة الخارجية المصرية أعلنت توجه بدر عبد العاطي إلى أسمرة يوم 16 مايو 2026 في زيارة مشتركة مع الفريق كامل الوزير وزير النقل، وبرفقة عدد من كبار رجال الأعمال وممثلي القطاع الخاص، في خطوة تعكس أن القاهرة تريد ترجمة التقارب السياسي مع إريتريا إلى شراكة أوسع تشمل الاقتصاد والنقل والربط اللوجستي.

كما أن التنسيق المصري-الإريتري ليس جديدًا بالكامل. ففي 11 يناير 2025 استقبل عبد العاطي في القاهرة وزير خارجية إريتريا عثمان صالح، بعد أشهر من الزيارة التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أسمرة في 10 أكتوبر 2024. هذا التسلسل الزمني مهم، لأنه يوضح أن القاهرة تبني مسارًا متدرجًا مع إريتريا، يجمع بين البعد السياسي والاقتصادي والأمني.

لماذا يهم البحر الأحمر مصر أكثر من غيرها؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، لا يحتاج الأمر إلى كثير شرح: البحر الأحمر ليس ملفًا بعيدًا عن الداخل، بل يمس صلب المصالح المصرية. فكل اضطراب في هذا الشريان يضغط على قناة السويس، وعلى حركة السفن، وعلى إيرادات الدولة من الملاحة والخدمات المرتبطة بها.

رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع قال إن القناة حققت 10.2 مليار دولار إيرادات في 2023، قبل أن تهبط إلى 3.9 مليار دولار في 2024 مع اضطرابات البحر الأحمر وتحويل أعداد كبيرة من السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح. كما أوضح أن 3395 سفينة حوّلت مسارها بعيدًا من القناة بسبب تلك الاضطرابات. وفي المقابل، أشارت الهيئة في فبراير 2026 إلى تحسن نسبي في النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مع نمو أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8% وارتفاع الحمولات الصافية بنسبة 16% وزيادة الإيرادات بنسبة 18.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي السابق.

هذه الأرقام تفسر لماذا تبدو القاهرة حريصة على تثبيت قاعدة واضحة: لا ترتيبات تخص البحر الأحمر من دون أهله. فحين تتداخل الأجندات الخارجية، تصبح الكلفة مصرية أيضًا، سواء عبر تراجع عائدات القناة أو زيادة الضغوط على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.

رسالة سيادية إلى الخارج

جوهر الرسالة المصرية-الإريترية هو أن البحر الأحمر ليس مساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ من خارج الإقليم. الخارجية المصرية شددت في فبراير 2026، على هامش قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، على أن حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط، مع العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن بوصفه الإطار الطبيعي لتعزيز التعاون والأمن والاستقرار.

ومن زاوية تحليلية، فإن هذا الخطاب يعكس رغبة مصر في منع تكريس أمر واقع جديد في منطقة تتقاطع فيها أزمات اليمن والسودان والقرن الأفريقي، إضافة إلى التنافس الدولي على الموانئ والممرات البحرية. لذلك، فإن القاهرة لا تطرح موقفًا قانونيًا مجردًا، بل تدافع عن تصور إقليمي يربط الأمن البحري بالسيادة والتنمية معًا.

إريتريا في المعادلة المصرية

اختيار إريتريا كشريك متقدم في هذا الملف ليس تفصيلًا عابرًا. فأسمرة تقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وتملك موقعًا حساسًا في معادلات القرن الأفريقي وباب المندب. ومن هنا، تبدو العلاقة معها بالنسبة إلى مصر جزءًا من سياسة أوسع لإعادة بناء شبكة توازنات في جوارها الاستراتيجي.

في هذا السياق، يصبح التقارب مع إريتريا أداة مصرية مزدوجة: أولًا لتوسيع التعاون مع دولة مشاطئة تتقاطع مصالحها مع الرؤية المصرية لأمن البحر الأحمر، وثانيًا لترسيخ حضور القاهرة في القرن الأفريقي عبر أدوات لا تقتصر على الأمن، بل تشمل التجارة والنقل والاستثمار والدبلوماسية الاقتصادية.

اللافت هنا أن زيارة مايو 2026 لم تقتصر على وزير الخارجية، بل ضمت وزير النقل وممثلين للقطاع الخاص. وهذه إشارة مهمة إلى أن القاهرة لا تريد أن يبقى البحر الأحمر ملفًا أمنيًا فقط، بل تسعى إلى تحويله إلى مجال شراكة عملية يربط الموانئ والخدمات البحرية والمصالح الاقتصادية.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر؟

  • سياسيًا: يعزز الموقف صورة مصر كفاعل مركزي في قضايا البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
  • اقتصاديًا: يدعم الجهد المصري لحماية الملاحة وتقليل الضغوط على قناة السويس.
  • استراتيجيًا: يبعث برسالة رفض لأي ترتيبات إقليمية تتجاوز الدول المطلة على البحر الأحمر.
  • دبلوماسيًا: يربط بين التحرك الثنائي مع إريتريا والتحرك متعدد الأطراف داخل الاتحاد الأفريقي والأطر الإقليمية.

بين الأمن والملاحة: ما بعد البيان

الرهان الحقيقي ليس في تكرار المبدأ، بل في تحويله إلى سياسة قابلة للتنفيذ. فالبحر الأحمر اليوم يواجه اختبارات معقدة: تهديدات للملاحة، وتداخل نزاعات إقليمية، وسباقًا على الموانئ والقواعد، وتنافسًا على النفوذ السياسي. وفي ظل هذا المشهد، تبدو مصر مدفوعة إلى الجمع بين ثلاث أدوات: التمسك بالسيادة الإقليمية، وتعميق التنسيق مع الدول المشاطئة، وربط الأمن بالتنمية البحرية واللوجستية.

من هنا، فإن الاتصال بين وزيري خارجية مصر وإريتريا، وما تبعه من تحركات وزيارات ومواقف معلنة، لا ينبغي قراءته كحدث معزول. إنه جزء من معركة أوسع على تعريف من يملك حق الكلام باسم البحر الأحمر، ومن يضع قواعد إدارته، ومن يتحمل كلفة اضطرابه.

وبالنسبة إلى مصر، تبدو الإجابة واضحة: الدول المشاطئة أولًا. ليس فقط دفاعًا عن مبدأ سيادي، بل حفاظًا على أمن قومي يمر من باب المندب إلى السويس، ويصل في أثره إلى الاقتصاد المصري وكل بيت يتأثر بأسعار الشحن والتجارة والطاقة.