مصر وإريتريا: تنسيق سياسي يؤكد حصرية أمن البحر الأحمر
اتصال مصري إريتري يجدد أولوية التنسيق في البحر الأحمر والقرن الأفريقي
تعكس الاتصالات السياسية المتواصلة بين القاهرة وأسمرة اتجاهاً واضحاً نحو تعميق التنسيق الثنائي في الملفات الإقليمية الأكثر حساسية داخل القارة الأفريقية، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر وتطورات القرن الأفريقي. وفي هذا السياق، أجرى الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، اتصالاً مع عثمان صالح وزير خارجية إريتريا، تناول مسار العلاقات الثنائية وسبل البناء على الزخم الذي شهدته خلال الفترة الأخيرة، إلى جانب تبادل الرؤى بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.
أهمية هذا التواصل لا ترتبط فقط بطابع العلاقات المصرية الإريترية، بل أيضاً بموقع البلدين داخل معادلة إقليمية شديدة التعقيد، حيث يحتل البحر الأحمر والقرن الأفريقي مساحة متقدمة في حسابات الأمن والاستقرار والتنمية. ومن هذا المنطلق، جاء التشديد المصري على أن أمن وإدارة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، باعتباره امتداداً لموقف دبلوماسي ثابت كررته القاهرة في أكثر من مناسبة رسمية خلال عامي 2025 و2026.
ماذا ناقش الاتصال بين بدر عبد العاطي وعثمان صالح؟
بحسب ما أوردته البيانات الرسمية المصرية في مناسبات متصلة بالعلاقة بين البلدين، يركز التواصل السياسي بين وزارتي الخارجية في القاهرة وأسمرة على ثلاثة مسارات رئيسية: تعزيز الشراكة الثنائية، والتنسيق بشأن قضايا القرن الأفريقي، وتثبيت رؤية مشتركة لأمن البحر الأحمر. كما تحرص مصر على إظهار دعمها لوحدة وسيادة إريتريا، بالتوازي مع توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي.
وكان وزير الخارجية المصري قد استقبل نظيره الإريتري في القاهرة يوم 11 يناير 2025، حيث ناقش الجانبان التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري، وأكدا أهمية دعم الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي، مع التشديد على ارتباط أمن البحر الأحمر بإرادة الدول المشاطئة له. ثم عاد الملف نفسه بقوة خلال لقاء آخر في القاهرة يوم 10 يونيو 2026، عندما أكد الوزيران مجدداً الرفض الكامل لأي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض أدوار أو ترتيبات أمنية في هذا الممر الحيوي.
البحر الأحمر.. لماذا تصر القاهرة وأسمرة على هذه الصيغة؟
تتعامل مصر مع البحر الأحمر بوصفه دائرة مباشرة من دوائر أمنها القومي، ليس فقط بسبب ارتباطه بقناة السويس وحركة التجارة الدولية، ولكن أيضاً لأن أي ترتيبات أمنية مفروضة من خارج الإقليم قد تؤثر في توازنات المنطقة بأكملها. وإريتريا من جانبها تتبنى مقاربة متقاربة تقوم على احترام سيادة الدول الساحلية ووحدة مواقفها في إدارة الممرات البحرية المحيطة بها.
الموقف المصري الرسمي عبّر عنه بدر عبد العاطي بوضوح في 10 فبراير 2026 ثم في 16 فبراير 2026، عندما أكد أن حوكمة البحر الأحمر ينبغي أن تبقى مقصورة على الدول المطلة عليه فقط، مع رفض أي تغيير في هذا الإطار أو فرض نفاذ عسكري أو أمني من جانب دول غير مشاطئة. كما تحدث الوزير عن العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن بوصفه إطاراً إقليمياً مناسباً لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء.
بالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه الرسائل لا تنفصل عن التداعيات الاقتصادية والأمنية التي عانت منها المنطقة خلال العامين الأخيرين، سواء على مستوى الملاحة أو سلاسل الإمداد أو كلفة النقل والتجارة. لذلك يبدو الإصرار على حصرية الإدارة الإقليمية للبحر الأحمر جزءاً من رؤية أشمل تسعى إلى منع تدويل الترتيبات الأمنية على حساب مصالح الدول الساحلية الأفريقية والعربية.
زخم متصاعد في العلاقات المصرية الإريترية
الاتصال الأخير يأتي في سياق مسار سياسي شهد محطات لافتة خلال الشهور الماضية. ففي 28 فبراير 2025 زار بدر عبد العاطي العاصمة الإريترية أسمرة حاملاً رسالة شفهية من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بشأن تطوير العلاقات الثنائية ومناقشة ملفات إقليمية مشتركة، من بينها السودان والصومال وأمن البحر الأحمر.
كما استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح في 22 مارس 2025 بحضور وزير الخارجية المصري ورئيس المخابرات العامة، حيث تناول اللقاء الأوضاع في القرن الأفريقي وآليات دعم الصومال في مواجهة الإرهاب، إضافة إلى سبل استعادة الاستقرار في السودان وحماية البحر الأحمر عبر تعزيز دور الدول الساحلية ورفض تدخل غير المشاطئين.
وشهدت العلاقات دفعة إضافية مع زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة في 30 أكتوبر 2025، حيث أكد الرئيس السيسي اعتزاز مصر بعلاقاتها الاستراتيجية الراسخة مع إريتريا وحرصها على توسيع التعاون، خاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية، بما يدعم جهود التنمية الإريترية. واعتبرت القاهرة هذه الزيارة امتداداً لما تم الاتفاق عليه خلال زيارة السيسي التاريخية إلى أسمرة في 10 أكتوبر 2024.
القرن الأفريقي في قلب التفاهمات
لا يمكن قراءة تقارب القاهرة وأسمرة بعيداً عن التحولات الجارية في القرن الأفريقي. فهناك اهتمام مشترك بملفات الصومال والسودان وأمن الممرات البحرية، إلى جانب دعم الهياكل الإقليمية التي تمنح دول المنطقة مساحة أكبر لإدارة أزماتها بنفسها. وفي هذا الإطار، برزت آلية التنسيق الثلاثي بين مصر وإريتريا والصومال، والتي عقدت أولى اجتماعاتها الوزارية في القاهرة يوم 11 يناير 2025 بعد تفاهمات قمة أسمرة.
هذه الآلية تعكس توجهاً أوسع نحو صياغة مقاربة أفريقية-إقليمية للأمن في شرق القارة، بعيداً عن الحلول المفروضة من الخارج. كما تمنح مصر مساحة إضافية للتحرك داخل بيئتها الأفريقية المباشرة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بوحدة الدول الوطنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الممرات الاستراتيجية.
ملامح الموقف المشترك بين القاهرة وأسمرة
- رفض تدخل الدول غير المشاطئة في ترتيبات أمن وإدارة البحر الأحمر.
- دعم سيادة ووحدة إريتريا والحفاظ على سلامة أراضيها.
- تعزيز التنسيق في القرن الأفريقي خاصة بشأن الصومال والسودان.
- البناء على الزيارات المتبادلة بين القيادتين المصرية والإريترية منذ أكتوبر 2024.
- توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري إلى جانب التنسيق السياسي.
ماذا يعني ذلك لمصر وأفريقيا؟
من منظور أفريقي، يعكس هذا المسار حرص مصر على تثبيت حضورها في دوائرها القارية الأهم، خصوصاً شرق أفريقيا والبحر الأحمر. كما يكشف عن تقارب متدرج مع إريتريا قائم على المصالح الاستراتيجية لا على المجاملات الدبلوماسية فقط. فالقاهرة ترى أن استقرار البحر الأحمر جزء من استقرار التجارة والطاقة والأمن الإقليمي، فيما تمثل أسمرة شريكاً مهماً في المعادلة الجيوسياسية للقرن الأفريقي.
ومع استمرار التوترات الإقليمية وتزايد التنافس الدولي على الممرات البحرية، تبدو الرسالة المصرية الإريترية واضحة: الدول المطلة على البحر الأحمر هي الأحق بصياغة قواعد الأمن والإدارة في هذا الفضاء البحري. وفي ضوء المحطات السياسية التي شهدها العامان الماضيان، يرجح أن يظل هذا العنوان في صدارة التنسيق بين البلدين خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر الاتصالات الوزارية أو اللقاءات الرئاسية أو الأطر الإقليمية المشتركة.