مصر وأكسفورد توسعان التعاون في قياس الفقر متعدد الأبعاد
تحرك مصري في نيويورك لتطوير أدوات قياس الفقر
في خطوة تعكس اتجاهاً متزايداً داخل القارة الأفريقية نحو الاعتماد على البيانات الدقيقة في رسم السياسات الاجتماعية، عقد الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر، اجتماعاً مع الدكتورة سابينا ألكير، مديرة مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية (OPHI)، لبحث توسيع التعاون في تطوير وقياس مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد. وجاء اللقاء على هامش المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة 2026 بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، وهو المنتدى المنعقد خلال الفترة من 6 إلى 15 يوليو 2026، مع الشق الوزاري بين 13 و15 يوليو، فيما تُستكمل أعمال الجزء الرفيع المستوى في 16 يوليو. كما تُعد مصر من بين 36 دولة تقدم مراجعاتها الوطنية الطوعية خلال دورة 2026.
وشارك في الاجتماع من الجانب المصري كل من وائل الدهشان، المستشار بوفد مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، والدكتورة منى عصام مساعد الوزير لشؤون التنمية المستدامة، وندى يعقوب مساعد مدير وحدة التنمية المستدامة. ويعكس هذا التمثيل أن ملف الفقر متعدد الأبعاد لم يعد مجرد تمرين إحصائي، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع تربط بين التخطيط والتمويل الاجتماعي والمتابعة الدولية لأهداف التنمية المستدامة.
لماذا يهم مؤشر الفقر متعدد الأبعاد؟
على خلاف المقاييس التقليدية التي تركز على الدخل أو الإنفاق فقط، ينظر مؤشر الفقر متعدد الأبعاد إلى أشكال الحرمان المتزامنة التي تواجهها الأسر، مثل التعليم والصحة والسكن والخدمات والعمل والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي. ووفق الدراسة المتعمقة الخاصة بمصر الصادرة عام 2024 بالشراكة بين جهات مصرية ودولية، فإن المؤشر الوطني المصري بُني بالتعاون بين وزارة التخطيط والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة التضامن الاجتماعي و”يونيسف“ و”الإسكوا“ وOPHI، على أساس منهجية ألكير-فوستر المعتمدة دولياً.
وتظهر الوثائق الفنية الخاصة بالمؤشر الوطني أن مصر اعتمدت 7 أبعاد رئيسية و19 مؤشراً لرصد الفقر متعدد الأبعاد، تشمل التعليم، والصحة، والسكن، والخدمات، والعمل، والحماية الاجتماعية، والأمن الغذائي. وبحسب التحليل المنشور، فإن 21% من السكان في مصر كانوا يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في عام 2022، أي أكثر من شخص واحد من كل خمسة، مع تركز أعلى للحرمان في المناطق الريفية مقارنة بالحضر. كما تشير النتائج إلى أن الخدمات والعمل كانا من أكبر المساهمين في هذا النوع من الفقر، يليهما السكن والتعليم والحماية الاجتماعية ثم الأمن الغذائي والصحة.
رسالة مصر: تحسين المعيشة يبدأ من قياس أدق للاحتياج
خلال الاجتماع، شدد الوزير أحمد رستم على تقدير الحكومة المصرية للشراكة الممتدة مع مبادرة أكسفورد، معتبراً أن الدعم الفني الذي تقدمه المبادرة كان مهماً في تطوير منهجيات القياس داخل مصر. كما طرح تطلع الوزارة إلى توسيع مجالات التعاون في بناء القدرات وتبادل الخبرات الدولية بما يضمن تحديث المؤشر الوطني المصري للفقر متعدد الأبعاد بشكل دوري، استناداً إلى قواعد بيانات وطنية دقيقة، من بينها التعدادات السكانية والسجلات الاجتماعية.
هذا التوجه يتسق مع خطاب مصري أوسع يربط بين الاستثمار في البشر وكفاءة الإنفاق العام. وكان رستم قد أكد في يونيو 2026، خلال لقاء آخر نشرته الهيئة العامة للاستعلامات، أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل ركيزة أساسية لتحسين الأداء الحكومي وتحقيق التنمية المستدامة، مع أهمية تبادل الخبرات الدولية وبرامج التدريب المتخصص.
إشادة من أكسفورد بالتجربة المصرية
من جانبها، تُعد سابينا ألكير من أبرز الأسماء الأكاديمية عالمياً في هذا المجال؛ فهي أستاذة الفقر والتنمية البشرية بجامعة أكسفورد ومديرة OPHI، كما شاركت مع البروفيسور جيمس فوستر في تطوير منهجية ألكير-فوستر لقياس الفقر متعدد الأبعاد، وهي المنهجية التي استندت إليها تطبيقات وطنية ودولية عديدة.
وخلال لقائها مع الوزير المصري، أشادت ألكير بتجربة مصر في تطوير مؤشرها الوطني، معتبرة أن هذا النوع من الأدوات يمنح صانع القرار صورة أكثر شمولاً لطبيعة الفقر، ويساعد على تصميم سياسات تنموية أكثر كفاءة في الاستهداف. كما أثنت على دور الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وكفاءة الكوادر الإحصائية المصرية في إنتاج مؤشرات تدعم السياسات القائمة على الأدلة.
وتكتسب هذه الإشادة أهمية خاصة من زاوية أفريقية؛ فالقارة تواجه تفاوتات واسعة داخل الدولة الواحدة بين الحضر والريف، وبين الأقاليم المركزية والمهمشة. لذلك، فإن تطوير مؤشرات دون وطنية ومحلية بات ضرورياً، ليس فقط للمقارنة بين الدول، بل لرصد جيوب الحرمان داخل كل دولة على حدة، وهو ما تسير فيه مصر ودول أفريقية أخرى عبر تحديث أدوات المتابعة المكانية والاجتماعية.
حياة كريمة كنموذج للتدخل الموجه
الاجتماع تطرق أيضاً إلى المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، التي تقدمها القاهرة بوصفها أحد أكبر برامج تطوير الريف في المنطقة. ووفق المراجعة السنوية لعام 2025 الصادرة عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، تواصل الحكومة متابعة تنفيذ المرحلة الأولى من المبادرة، إلى جانب التحضير للمراحل التالية، بما يهدف إلى إحداث تحول هيكلي في التنمية المحلية داخل المحافظات. كما أشارت تقارير رسمية في أبريل 2026 إلى متابعة حكومية للمراحل الثانية والثالثة من المبادرة.
ومن منظور الفقر متعدد الأبعاد، تبدو “حياة كريمة” مثالاً عملياً على كيفية تحويل البيانات إلى تدخلات ميدانية: توصيل خدمات، وتطوير بنية تحتية، وتحسين السكن، ورفع كفاءة الخدمات الصحية والتعليمية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية. وهذا النوع من التدخلات هو ما يجعل المؤشر متعدد الأبعاد أكثر فائدة من قياس الفقر النقدي وحده، لأنه يكشف أين يقع الحرمان وفي أي خدمة أو قطاع يجب أن تذهب الاستثمارات أولاً.
ما الذي يجعل التجربة المصرية مهمة أفريقياً؟
- أولاً: لأنها تربط بين الإحصاء الرسمي والتخطيط الحكومي والتنفيذ على الأرض.
- ثانياً: لأنها تقدم نموذجاً يمكن أن تستفيد منه دول أفريقية تواجه تحديات مماثلة في الريف والمناطق الأقل حظاً.
- ثالثاً: لأنها تدعم توجيه الإنفاق العام نحو الفئات الأشد احتياجاً بدلاً من التوزيع العام غير الدقيق.
- رابعاً: لأنها تنسجم مع مسار الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في متابعة أهداف التنمية المستدامة حتى عام 2030.
تحديثات دولية مرتقبة تشمل مصر
أحد الجوانب اللافتة في اللقاء هو الإشارة إلى تحديثات مرتقبة في مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي، يتوقع أن تتضمن مؤشرات دون وطنية لعدد من الدول من بينها مصر. وإذا تم ذلك على النحو المعلن، فسيمنح صناع القرار والباحثين في أفريقيا أداة أكثر تفصيلاً لفهم التفاوتات داخل الحدود الوطنية، وليس فقط بين دولة وأخرى.
وتبرز أهمية هذه النقطة في سياق أفريقي أوسع، حيث باتت الحكومات مطالبة بإثبات أثر السياسات الاجتماعية على الأرض، خصوصاً مع ضغوط التمويل وارتفاع تكلفة الخدمات واتساع الفجوات التنموية في بعض الأقاليم. لذلك، فإن امتلاك مؤشرات محدثة وموثوقة ليس ترفاً بيروقراطياً، بل شرطاً أساسياً لتحسين كفاءة الإنفاق وتعظيم الأثر التنموي.
خلاصة المشهد
الاجتماع بين الوزير أحمد رستم والدكتورة سابينا ألكير في نيويورك لا يمكن قراءته باعتباره لقاءً فنياً محدوداً، بل كجزء من مسار أوسع تتحرك فيه مصر لتحديث أدواتها الاجتماعية وربطها بالأجندة الأممية والأفريقية للتنمية. فحين يصبح قياس الفقر أكثر دقة، تصبح السياسات أكثر قدرة على الوصول إلى القرى والمناطق والفئات التي تحتاج التدخل فعلاً. وهذا هو جوهر التحول الذي تسعى إليه دول كثيرة في أفريقيا: الانتقال من إدارة الفقر بالأرقام العامة إلى مواجهة الحرمان عبر خرائط تفصيلية وسياسات موجهة.
وبالنسبة إلى مصر، فإن استمرار التعاون مع OPHI، إلى جانب الاعتماد على قواعد بيانات وطنية ومؤسسات إحصائية قوية، قد يمنح المؤشر الوطني للفقر متعدد الأبعاد دوراً أكبر في السنوات المقبلة، سواء داخل دوائر التخطيط المحلي أو في عرض التجربة المصرية أمام الشركاء الإقليميين والدوليين.