مصر والأردن والعراق: تنسيق ثلاثي في عمّان لدعم فلسطين
اجتماع ثلاثي في عمّان يعيد ربط الملفات السياسية بالتكامل الاقتصادي
عاد الملف الفلسطيني إلى صدارة المشاورات العربية في اجتماع جمع وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي، ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، في العاصمة الأردنية عمّان يوم 22 يونيو 2026، وذلك في إطار آلية التعاون الثلاثي بين مصر والأردن والعراق. الاجتماع لم يقتصر على تبادل المواقف السياسية حيال الحرب والأوضاع في الأراضي الفلسطينية، بل امتد أيضًا إلى مناقشة مسارات عملية لتعزيز التكامل الإقليمي عبر التجارة والطاقة والربط الكهربائي والنقل والزراعة.
وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية، شدد عبد العاطي على أن آلية التعاون الثلاثي تمثل إطارًا مهمًا لتعظيم الاستفادة من إمكانات الدول الثلاث، مع ضرورة تحويل التوافق السياسي إلى مشروعات قابلة للتنفيذ تخدم مصالح شعوبها وتدعم التنمية العربية المشتركة. كما أكد التزام القاهرة بالحفاظ على انتظام اجتماعات الآلية ومتابعة مخرجات لجانها الفنية.
القضية الفلسطينية في قلب التحرك الدبلوماسي
يحمل هذا الاجتماع أهمية خاصة من زاوية التوقيت؛ إذ جاء وسط استمرار الضغوط الإقليمية والدولية المرتبطة بالحرب في غزة، والتصعيد في الضفة الغربية، والجدل المتواصل حول مستقبل التسوية السياسية. بالنسبة لمصر، فإن الموقف الرسمي المعلن لا يزال يرتكز على رفض التهجير، ووقف الإجراءات الأحادية، وضمان النفاذ الإنساني، مع التمسك بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
هذا الخط العام كرره الوزير بدر عبد العاطي عند أكثر من مناسبة خلال 2026، بينها كلمة مصر أمام مجلس الأمن في 18 فبراير 2026، حيث أكد ثوابت الموقف المصري الداعم لتسوية عادلة وشاملة، ورفض الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي المحتلة، بما في ذلك الاستيطان ومحاولات تغيير الواقع الديموغرافي.
ومن زاوية أوسع، يتقاطع التحرك المصري الأردني العراقي مع الزخم الدولي الذي عاد للحديث عن حل الدولتين بعد المؤتمر الدولي رفيع المستوى بشأن التسوية السلمية لقضية فلسطين وتنفيذ حل الدولتين، الذي عُقد في الأمم المتحدة بين 28 و30 يوليو 2025. وقد أعادت الأمم المتحدة خلال ذلك المسار التأكيد على أن الحل الواقعي والمستدام يظل قائمًا على دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب في أمن وسلام، ضمن حدود ما قبل 1967.
لماذا يهم هذا التنسيق مصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا يبدو الاجتماع مجرد محطة بروتوكولية. فالقاهرة تنظر إلى التنسيق الثلاثي مع عمّان وبغداد باعتباره مسارًا عربيًا يجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن الإقليمي. ومن هنا، فإن بحث القضية الفلسطينية في هذا الإطار لا ينفصل عن اعتبارات الاستقرار الأوسع في المشرق العربي، سواء ما يتعلق بأمن الحدود، أو ممرات الطاقة، أو حركة التجارة، أو إدارة أزمات المنطقة عبر قنوات عربية مباشرة.
كما أن هذا المسار يمنح مصر مساحة أوسع لبناء شراكات عملية مع دولتين ترتبطان معها بملفات ممتدة، من إعادة الإعمار إلى سلاسل الإمداد والطاقة والتبادل التجاري. لذلك جاء التأكيد المصري في عمّان على تنفيذ مخرجات اللجان الفنية، بدل الاكتفاء بالشعارات العامة.
الطاقة والربط الكهربائي: الملف الأكثر قابلية للتنفيذ
أحد أهم عناوين الاجتماع كان الدفع نحو مشروعات الطاقة والربط الكهربائي. هذا التوجه ليس جديدًا، لكنه يكتسب وزنًا أكبر في 2026 مع تصاعد الحاجة الإقليمية إلى تحسين أمن الطاقة وخفض كلفة الإمدادات وتوسيع الاستثمارات المشتركة.
وفي هذا السياق، شهدت عمّان نفسها في 12 يوليو 2026 مباحثات أردنية مصرية بين وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني صالح الخرابشة ووزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، تناولت تعزيز الشراكة في الطاقة والتعدين وإطلاق مشروعات نوعية واستثمارات مشتركة. كما تحدث الجانب الأردني خلال الأشهر الماضية عن التوسع في جهود الربط الكهربائي والتكامل في أسواق الغاز والطاقة على مستوى الإقليم.
وبالنسبة للعراق، فإن ملف الطاقة يظل من أكثر الملفات حساسية في علاقاته الإقليمية، سواء فيما يتعلق بالتزويد، أو البنية التحتية، أو المشروعات العابرة للحدود. لذلك فإن وجود هذا الملف على طاولة وزراء الخارجية يعكس رغبة سياسية في توفير غطاء دبلوماسي لتسريع ما يجري التفاوض عليه فنيًا واقتصاديًا.
- التجارة والصناعة: توسيع مجالات التعاون الإنتاجي وتسهيل حركة السلع.
- الطاقة: دعم الشراكات في الغاز والطاقة التقليدية والمتجددة.
- الربط الكهربائي: اعتباره مشروعًا استراتيجيًا لتعزيز أمن الطاقة العربي.
- النقل والزراعة: ربط مسارات التنمية بالاحتياجات الفعلية لأسواق الدول الثلاث.
عمّان كمحطة دبلوماسية عربية
اختيار عمّان لاستضافة هذا الاجتماع يرتبط أيضًا بالدور الأردني النشط في ملف فلسطين، سواء على المستوى السياسي أو في ما يتعلق بالدفاع عن حل الدولتين ورعاية المقدسات في القدس. ويبرز هنا أيمن الصفدي بوصفه أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية العربية المنخرطة في هذا الملف، إلى جانب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، فيما يمثل فؤاد حسين الطرف العراقي في معادلة تسعى إلى إعادة تفعيل العمل العربي المشترك على أسس عملية.
ورغم أن الاجتماع انعقد على هامش الدورة العادية المستأنفة الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، فإن مضمونه أظهر أن آلية التعاون الثلاثي لا تتحرك فقط على هامش الاجتماعات الكبرى، بل تحاول تثبيت نفسها كإطار متابعة مستقل يربط بين القرارات السياسية ومشروعات التنفيذ.
بين الرسائل السياسية والمصالح الاستراتيجية
الرسالة الأوضح من اجتماع عمّان هي أن دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لا يُطرح بمعزل عن بناء تكتلات عربية قادرة على الصمود اقتصاديًا وسياسيًا. فكلما زادت قدرة الدول العربية على تنسيق سياساتها في الطاقة واللوجستيات والتجارة، ارتفعت قدرتها أيضًا على حماية مواقفها السياسية والدفاع عنها دوليًا.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحرك المصري الأخير باعتباره امتدادًا لنهج أوسع يربط بين الدفاع عن القضية الفلسطينية، ومنع التهجير، ودفع مسارات الاستقرار الإقليمي، مع الحفاظ على دور عربي مباشر في إدارة الأزمات بدل تركها بالكامل للتجاذبات الدولية.
وبالنسبة لمصر، فإن هذا النهج ينسجم مع ما تؤكد عليه وزارة الخارجية المصرية مرارًا: لا تسوية حقيقية من دون أفق سياسي واضح، ولا استقرار إقليمي من دون وقف الحرب، ولا جدوى من الحديث عن السلام إذا استمرت الإجراءات التي تقوض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية.
في المحصلة، يبدو اجتماع عمّان خطوة جديدة في مسار عربي يحاول الجمع بين أمرين متلازمين: إسناد القضية الفلسطينية سياسيًا، وبناء مصالح إقليمية مشتركة تجعل هذا الإسناد أكثر صلابة واستمرارية. وبينما تبقى الملفات التنفيذية مرهونة بسرعة التحرك الفني والاقتصادي، فإن ما خرج من اللقاء الثلاثي يؤكد أن القاهرة وعمّان وبغداد تريد الحفاظ على قناة تشاور منتظمة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.