Akhbar Cairo

مصر والبنك الدولي يضعان اللمسات النهائية لتمويل البنية الأساسية

تحرك جديد لتمويل البنية الأساسية في مصر

تسابق الحكومة المصرية الوقت لوضع آليات تمويل جديدة لمشروعات البنية الأساسية، في خطوة تستهدف تخفيف الضغط على الموارد العامة وفتح المجال بصورة أوسع أمام مساهمة القطاع الخاص وشركاء التنمية في تمويل المشروعات الكبرى. ويأتي هذا المسار بعد جولة اجتماعات عقدها الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، في الولايات المتحدة على هامش المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة 2026 في نيويورك، حيث ناقش مع مسؤولين من البنك الدولي ترتيبات تمويل طويلة الأجل للمشروعات الحيوية.

اللقاءات حملت دلالة مهمة بالنسبة للسوق المصرية، لأن ملف البنية الأساسية لم يعد مرتبطًا فقط بتوفير اعتمادات من الموازنة، بل بات يتجه أكثر نحو أدوات تمويل حديثة يمكن أن تجمع بين التمويل التنموي، والضمانات، وجذب المستثمرين، مع التركيز على رفع كفاءة الإنفاق العام وتحسين العائد الاقتصادي والاجتماعي من كل مشروع.

من هم المسؤولون الذين التقاهم الوزير؟

بحسب البيانات الرسمية، التقى الوزير المصري مع بابلو سافيدرا نائب رئيس البنك الدولي لشؤون الازدهار، وهو المنصب الذي يقود من خلاله أعمال المؤسسة في مجالات النمو والسياسات المالية والقطاع الخاص والتمويل. كما شارك في المناقشات سانديب ماهجان، المدير الإقليمي للنمو العادل والتمويل والمؤسسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتشير وثائق البنك الدولي كذلك إلى عمله المتواصل مع مصر في ملفات النمو والحوكمة والإصلاحات الاقتصادية.

ورغم أن تفاصيل الآليات الجديدة لم تُعلن بالكامل حتى الآن، فإن مؤشرات صادرة عن البنك الدولي خلال 2026 تكشف أن المؤسسة تعمل بالفعل على دعم أدوات تقلل المخاطر وتعبئ تمويلًا أكبر لصالح الاستثمار الخاص، لا سيما في الاقتصادات التي تسعى إلى توسيع مشاركة الشركات في مشروعات البنية الأساسية والخدمات.

ما الذي تستند إليه الخطة المصرية؟

التحرك المصري لا يأتي بمعزل عن الإطار الأشمل لخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027 والخطة متوسطة المدى حتى 2029/2030، وهما إطاران وافق عليهما مجلس النواب مؤخرًا. ووفق عرض وزارة التخطيط أمام البرلمان، تستهدف الخطة تحقيق معدل نمو يبلغ 5.4% في 2026/2027، مع دفع الاقتصاد تدريجيًا نحو معدلات أعلى في السنوات التالية إذا سمحت الظروف الدولية والإقليمية.

وتشير الوزارة إلى أن الاستثمارات المستهدفة في خطة 2026/2027 تبلغ نحو 3.7 تريليون جنيه، مع ارتفاع غير مسبوق في وزن القطاع الخاص داخل إجمالي الاستثمارات ليصل إلى نحو 59%، بما يعادل قرابة 2.2 تريليون جنيه. وهذا التوجه ينسجم مباشرة مع فكرة البحث عن أدوات تمويل مبتكرة للبنية الأساسية، لأن توسيع دور القطاع الخاص يتطلب هياكل تمويل وضمان وتحفيز أكثر مرونة من النماذج التقليدية.

أولويات الإنفاق كما تعرضها الحكومة

  • استمرار مبادرة حياة كريمة لتطوير الريف المصري وتحسين الخدمات الأساسية.
  • التوسع في التأمين الصحي الشامل مع استكمال المرحلة الثانية التي تتضمن محافظة الإسكندرية.
  • زيادة مخصصات الصحة بنسبة 25% وفق ما أعلنته وزارة التخطيط.
  • رفع كفاءة الاستثمار العام عبر آليات رقابة ومتابعة وربط إلكتروني بين التخطيط والمالية.
  • تعزيز التنمية المحلية من خلال استثمارات موجهة للمحافظات والتنمية المكانية.

لماذا يركز التعاون مع البنك الدولي على التمويل المبتكر؟

في السنوات الأخيرة، أصبح تمويل البنية الأساسية عالميًا أكثر تعقيدًا بسبب ارتفاع تكلفة الاقتراض، والتوترات الجيوسياسية، والضغوط الواقعة على الموازنات العامة. وفي يونيو 2026، حذر البنك الدولي من تباطؤ النمو العالمي إلى أدنى مستوياته منذ جائحة كورونا تحت تأثير صراعات المنطقة وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف التمويل. في هذا السياق، يصبح البحث عن بدائل تمويلية أقل عبئًا على المالية العامة خيارًا ضروريًا لمصر وغيرها من الاقتصادات الناشئة.

كما أن البنك الدولي أعلن في 8 مايو 2026 موافقته على حزمة تمويل بقيمة مليار دولار لدعم مصر، بهدف تعزيز خلق الوظائف بقيادة القطاع الخاص، ودعم الاستقرار المالي والاقتصادي، وتسريع التحول الأخضر. وهذا التطور يوضح أن العلاقة بين القاهرة والبنك لا تقتصر على القروض التقليدية، بل تمتد إلى برامج إصلاح وسياسات وأدوات مساندة تحفز الاستثمار وتدعم الاستدامة المالية.

ماذا قال أحمد رستم عن أولويات المرحلة؟

منذ توليه حقيبة وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في 11 فبراير 2026، ركز أحمد رستم في مواقفه الرسمية على عدة محاور متكررة: تحسين الوضع الاقتصادي، زيادة مشاركة القطاع الخاص، حوكمة الاستثمارات العامة، وربط التخطيط الحكومي بتحسين جودة حياة المواطنين. والوزارة تؤكد أن منهجها الحالي يقوم على تخطيط تشاركي ومتابعة مستمرة للمشروعات، بما يضمن استخدامًا أكثر كفاءة للموارد وتجنب التكرار وضعف العائد.

كذلك شدد الوزير في أكثر من مناسبة على أن المواطن هو محور الخطة الجديدة، وأن تحسين الخدمات وخلق فرص العمل ورفع كفاءة الإنفاق العام أهداف لا تنفصل عن الإصلاح الاقتصادي. هذا الربط مهم بالنسبة لمشروعات البنية الأساسية تحديدًا، لأن نجاحها لم يعد يُقاس فقط بعدد الطرق أو المنشآت التي تُنفذ، بل بقدرتها على دعم النشاط الاقتصادي المحلي وتوصيل الخدمات وتوليد فرص العمل.

مؤشرات الاقتصاد المصري في الخلفية

على مستوى الأداء الاقتصادي، أعلنت وزارة التخطيط سابقًا أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من العام المالي 2025/2026 بلغ 5.3%، وهو أعلى معدل ربع سنوي منذ أكثر من ثلاث سنوات. كما كانت الوزارة قد أشارت في بيانات سابقة إلى تحسن النشاط في قطاعات مثل الصناعة التحويلية والسياحة وتجارة الجملة والتجزئة.

وبالنسبة لخطة 2026/2027، تراهن الحكومة على استمرار التعافي التدريجي مع توجيه الاستثمارات إلى قطاعات إنتاجية وخدمية قادرة على دفع النمو. ومن هنا تبدو أهمية تمويل البنية الأساسية: فكل توسع في الطاقة أو النقل أو الخدمات اللوجستية أو المرافق يفتح المجال لتحسين بيئة الأعمال وزيادة تنافسية الاقتصاد، وهو ما تسعى إليه الدولة ضمن رؤية مصر 2030.

شراكة أوسع من مجرد تمويل

الشراكة بين مصر والبنك الدولي تستند أيضًا إلى إطار الشراكة القطرية 2023-2027، الذي يركز على ثلاث نتائج رئيسية هي: توفير وظائف أفضل بقيادة القطاع الخاص، وتحسين رأس المال البشري، وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات. ولهذا فإن أي آليات جديدة لتمويل البنية الأساسية ستكون، على الأرجح، جزءًا من تصور أشمل لا يقتصر على توفير الأموال، بل يشمل تصميم نماذج تشجع المستثمرين، وتحسن اختيار المشروعات، وتربط التمويل بأولويات التنمية.

الرسالة الأوضح من هذه الاجتماعات هي أن القاهرة تريد الانتقال من مرحلة تثبيت الاقتصاد إلى مرحلة انطلاق أكثر نشاطًا، يكون فيها الاستثمار الخاص شريكًا رئيسيًا في تمويل وتشغيل جزء من مشروعات التنمية. وإذا تُرجمت هذه التفاهمات إلى أدوات قابلة للتطبيق خلال الفترة المقبلة، فقد تمثل خطوة مهمة في إعادة تشكيل خريطة تمويل البنية الأساسية في مصر على أسس أكثر استدامة وكفاءة.