Akhbar Cairo

مصر والسودان تبحثان دفع التعاون الاقتصادي ودعم الإعمار

دفعة جديدة للتنسيق الاقتصادي بين القاهرة والخرطوم

تتواصل التحركات المصرية السودانية الهادفة إلى توسيع مساحات التعاون الاقتصادي في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للسودان، مع احتدام الحاجة إلى تثبيت مسارات التجارة وتأمين الإمدادات وتهيئة الأرضية لمرحلة إعادة الإعمار. وفي هذا السياق، بحث وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي تطوير التعاون الاقتصادي بين مصر والسودان مع وزير المالية والتخطيط الاقتصادي السوداني الدكتور جبريل إبراهيم، في إطار اتصالات أوسع تدفع بها القاهرة لدعم مؤسسات الدولة السودانية والحفاظ على قنوات التنسيق الثنائي في الملفات الاقتصادية والتنموية.

التحرك المصري لا ينفصل عن رؤية أوسع تتعامل مع السودان باعتباره عمقًا استراتيجيًا مباشرًا لمصر، ليس فقط على المستوى السياسي والأمني، بل أيضًا من زاوية الترابط التجاري وحركة الأفراد والاحتياجات اللوجستية وسلاسل الإمداد. ولهذا تبرز قضايا مثل إزالة عقبات التجارة، وتسهيل انتقال السلع، وإعادة تأهيل المرافق الأساسية، ضمن أولويات الحوار الجاري بين الجانبين.

ما الذي طُرح في المباحثات؟

المشاورات تناولت، بحسب ما أكدته المواقف الرسمية المصرية في أكثر من مناسبة، أهمية الارتقاء بالتعاون الاقتصادي والتجاري، والعمل على إعادة تأهيل البنية التحتية في السودان، خصوصًا في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب دعم جهود إعادة الإعمار والتعافي والتنمية. كما برزت مسألة إزالة المعوقات التي تحد من نمو التجارة البينية باعتبارها ملفًا عمليًا يمكن البناء عليه سريعًا، حتى قبل اكتمال أي تسوية شاملة للأزمة السودانية.

هذا التوجه سبق أن أكدته وزارة الخارجية المصرية في مشاورات مصرية سودانية سابقة، شددت خلالها القاهرة على تطلعها لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية، ودعم إعادة تأهيل البنية التحتية، مع الترحيب بعقد اجتماعات لرجال الأعمال واللجان المشتركة في القاهرة بما يفتح الباب أمام خطوات تنفيذية أكثر وضوحًا.

أرقام التجارة تفسر أهمية الملف

البيانات الرسمية تعكس وزن العلاقات الاقتصادية بين البلدين رغم الظروف الصعبة. فوفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والهيئة العامة للاستعلامات، بلغت قيمة التبادل التجاري بين مصر والسودان نحو 1.2 مليار دولار خلال عام 2024، مقارنة بنحو 1.4 مليار دولار في 2023. وتوضح هذه الأرقام أن العلاقة التجارية ظلت قائمة رغم تداعيات الحرب، وإن كانت قد تأثرت بصورة واضحة بتعطل بعض المسارات اللوجستية والضغوط التي أصابت الاقتصاد السوداني.

كما أظهرت بيانات منشورة لاحقًا أن التبادل التجاري بين البلدين خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025 بلغ نحو 985.2 مليون دولار، وهو مستوى قريب من الفترة نفسها من العام السابق، بما يعكس قدرة نسبية على الحفاظ على تدفقات تجارية أساسية. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه الأرقام تكشف أن السوق السودانية ما زالت تمثل امتدادًا مهمًا للصادرات المصرية، خصوصًا في السلع الغذائية ومواد البناء وبعض المنتجات الصناعية.

لماذا تركز القاهرة على إعادة الإعمار؟

الحديث عن دعم إعادة إعمار السودان لم يعد مجرد طرح سياسي، بل أصبح جزءًا من خطاب رسمي مصري متكرر. القاهرة تؤكد بصورة علنية استعدادها، ومعها الشركات المصرية، للمساهمة في إعادة الإعمار عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك. وتستند هذه الرؤية إلى خبرة مصرية متراكمة في مجالات المقاولات، والطرق، والإسكان، والطاقة، والمرافق العامة، وهي قطاعات ستكون مطلوبة بقوة في أي مرحلة تعافٍ سودانية مقبلة.

وفي الاجتماعات المصرية مع مسؤولين سودانيين خلال العامين الماضيين، تم التأكيد على أن الشركات المصرية يمكن أن تؤدي دورًا محوريًا في ملفات البناء والتشييد والطاقة والزراعة والصناعات الدوائية والغذائية. ومن منظور مصري، فإن الانخراط المبكر في تصور إعادة الإعمار لا يخدم السودان فقط، بل يخلق كذلك مجالًا منظمًا لشراكات اقتصادية واستثمارية طويلة الأجل داخل فضاء وادي النيل.

البنية التحتية في قلب الأولويات

حين يتحدث المسؤولون عن إعادة تأهيل البنية التحتية في السودان، فإن الأمر يشمل شبكة واسعة من القطاعات التي تضررت بفعل الحرب والاضطراب الإداري والمالي. ويبرز هنا اهتمام مشترك بعدة ملفات أساسية:

  • الكهرباء: لما لها من أثر مباشر على تشغيل الخدمات والمصانع والمرافق العامة.
  • المياه: بوصفها أولوية إنسانية وتنموية لا يمكن تأجيلها.
  • الصحة والتعليم: باعتبارهما من أكثر القطاعات احتياجًا للتعافي السريع.
  • النقل والطرق والجسور: لارتباطها بإعادة تشغيل التجارة الداخلية والخارجية.

وليس بعيدًا عن هذا الإطار، شهدت العلاقات الثنائية خلال 2025 و2026 مباحثات مصرية سودانية في مجالات النقل والطاقة والتنمية العمرانية، ما يشير إلى أن النقاش لا يجري في فراغ، بل ضمن سلسلة ملفات قطاعية يمكن أن تتحول لاحقًا إلى مشروعات تنفيذية إذا توافرت البيئة المناسبة.

من هو الطرف السوداني في هذه المباحثات؟

يقود وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي في السودان الدكتور جبريل إبراهيم، بينما يشغل المستشار محمد نور عبد الدائم منصب وزير الدولة بالمالية. وتظهر بيانات وزارة المالية السودانية خلال 2026 تركيزًا واضحًا على ملفات الإصلاح المالي، والرقمنة، وزيادة الإيرادات، والبحث عن شراكات تمويلية واستثمارية تدعم مرحلة إعادة الإعمار. هذا يعني أن المحادثات مع مصر تأتي في لحظة يسعى فيها السودان أيضًا إلى إعادة ترتيب أولوياته الاقتصادية من الداخل، بالتوازي مع البحث عن شركاء إقليميين موثوقين.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

بالنسبة لمصر، فإن تعزيز التعاون الاقتصادي مع السودان يحمل أبعادًا تتجاوز الأرقام المباشرة. فكل تقدم في استقرار السودان وتماسك مؤسساته ينعكس على الأمن الإقليمي، وعلى حركة التجارة جنوبًا، وعلى فرص الاستثمار والتكامل في مجالات الزراعة والطاقة والصناعة والخدمات. كما أن انخراط القاهرة في جهود التعافي السوداني يعزز موقعها داخل محيطها العربي والأفريقي، وهو ما يتسق مع خطاب الدبلوماسية الاقتصادية الذي بات حاضرًا بقوة في تحركات وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي.

وفي ضوء ذلك، تبدو الرسالة المصرية مزدوجة: دعم سياسي ثابت لوحدة السودان ومؤسساته، ودعم اقتصادي عملي يركز على التجارة وإزالة المعوقات وتهيئة مسار التعافي. وهذه المقاربة تحظى بأهمية خاصة لدى القارئ المصري، لأن استقرار السودان ليس ملفًا خارجيًا بعيدًا، بل قضية تمس المجال الحيوي لمصر بشكل مباشر.

الخطوة التالية

التحدي الحقيقي الآن لا يتعلق فقط بصياغة تفاهمات عامة، وإنما بتحويلها إلى آليات عمل واضحة تشمل اجتماعات اللجان المشتركة، وتوسيع التواصل بين مجتمع الأعمال في البلدين، وتحديد أولويات عاجلة في البنية التحتية والخدمات، مع الاستفادة من الخبرات المصرية المتاحة. وإذا نجح الطرفان في البناء على هذه المباحثات، فقد تشهد المرحلة المقبلة انتقالًا تدريجيًا من التنسيق السياسي إلى شراكات اقتصادية أكثر تنظيمًا واستدامة.

في المحصلة، تكشف المباحثات بين عبد العاطي ووزير المالية السوداني عن اتجاه واضح: القاهرة والخرطوم تريدان الحفاظ على قنوات الاقتصاد مفتوحة، وتوسيعها حين تسمح الظروف، تمهيدًا لمرحلة إعادة إعمار تحتاج إلى شراكات عربية وأفريقية قوية تبدأ من الجوار الأقرب.