Akhbar Cairo

مصر والسودان: هل تتحول الدبلوماسية إلى ورشة إعمار؟

لقاء مصري سوداني يتجاوز المجاملة الدبلوماسية

حمل لقاء الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، مع جبريل إبراهيم، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي السوداني، في القاهرة يوم الأحد 23 أغسطس 2026، دلالة تتجاوز الصياغات البروتوكولية المعتادة. فبحسب ما أعلنته وسائل إعلام مصرية رسمية، ناقش الجانبان تطوير التعاون الثنائي، مع تركيز واضح على الملفات المالية والاقتصادية والتجارية، إلى جانب دعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في السودان، خاصة في قطاعات البنية التحتية والطرق والنقل والقطاعين الطبي والدوائي. كما تطرق اللقاء إلى إزالة العوائق أمام حركة التجارة وزيادة التبادل التجاري بين البلدين، فضلاً عن التحضير لمشاركة سودانية في النسخة الأولى من قمة الأعمال الأفريقية ضمن منتدى العلمين للأعمال في أفريقيا.

في الظاهر، يبدو الاجتماع امتداداً طبيعياً للعلاقات المصرية السودانية. لكن في الجوهر، هو إشارة إلى أن القاهرة تريد أن تترجم موقفها السياسي الداعم لوحدة السودان إلى مسار اقتصادي مؤسسي، وأن تختبر مبكراً موقعها في أي عملية إعادة إعمار مقبلة. هذا مهم للقارئ المصري، لأن السودان ليس فقط جاراً جنوبياً، بل عمقاً استراتيجياً وسوقاً قريبة وممراً حيوياً لأي تصور مصري أوسع للتكامل مع شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

لماذا يكتسب اللقاء أهمية خاصة الآن؟

توقيت اللقاء ليس تفصيلاً ثانوياً. السودان ما زال يواجه كلفة اقتصادية وإنسانية هائلة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. البنك الدولي قدّر أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انكمش بنحو 29.4% في 2023 ثم 14% إضافية في 2024، قبل ظهور تعافٍ محدود قُدِّر بنحو 3.1% في 2025 نتيجة قاعدة المقارنة المنخفضة وتحسن نسبي في بعض المناطق. وفي فبراير 2026 أطلقت الأمم المتحدة خطة استجابة إنسانية للسودان بقيمة 2.87 مليار دولار. هذه الأرقام تشرح لماذا لم يعد الحديث عن «التعاون» مجرد عنوان سياسي، بل صار مرتبطاً مباشرة بتمويل التعافي وإعادة الخدمات واستعادة النشاط التجاري.

ومن زاوية سودانية، فإن وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي في الخرطوم تكرر في اجتماعاتها الخارجية خلال 2026 أولوية تمويل التعافي وإعادة الإعمار، سواء في ملف الديون أو في التواصل مع مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية. كما شدد الوزير جبريل إبراهيم في يناير 2026 على أهمية توجيه التمويل إلى الخدمات الأساسية والطاقة الشمسية والبنية التحتية والطرق والسكك الحديدية وتأهيل المطارات. هذا يعني أن ما طرح في لقاء القاهرة ينسجم مع أولويات معلنة سودانياً، وليس مجرد عرض مصري أحادي.

ما الذي تريده القاهرة عملياً؟

الرسالة المصرية تبدو مزدوجة. أولاً، تثبيت موقف سياسي واضح من وحدة السودان وسيادته ورفض أي ترتيبات موازية أو محاولات تقسيم، وهو موقف كررته وزارة الخارجية المصرية في أكثر من مناسبة خلال 2025 و2026. وثانياً، فتح مسار اقتصادي يمكن أن يمنح هذا الموقف مضموناً عملياً عبر مشروعات وخبرات وشراكات، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات السياسية.

وهنا تظهر ميزة مصر النسبية. فالقاهرة تمتلك خبرة تراكمية في تنفيذ مشروعات بنية أساسية، وقطاعاً دوائياً واسعاً، وقدرات في الخدمات الطبية واللوجستية والنقل البري. وعندما يرد في الاجتماع الحديث عن الطرق والنقل والقطاع الطبي والدوائي، فالمقصود على الأرجح ليس فقط المساعدة الإنسانية، بل أيضاً بناء مساحة عمل للشركات والخبرات المصرية حين تتوافر ظروف التنفيذ والتمويل. بالنسبة لصانع القرار المصري، هذه ليست مسألة تضامن فقط، بل استثمار في الاستقرار الإقليمي وفي سوق قريبة تحتاج كل شيء تقريباً: من الدواء إلى مواد البناء إلى إعادة تأهيل المرافق العامة.

من السياسة إلى الاقتصاد: اختبار الجدية

الفرق بين الاجتماعات الناجحة والاجتماعات العابرة هو ما إذا كانت ستنتج آليات متابعة. إذا أراد الطرفان تحويل هذا التقارب إلى نتائج، فهناك عدة مسارات تبدو أكثر واقعية:

  • تفعيل قنوات مؤسسية بين وزارات المالية والاقتصاد والجهات الرقابية لتبادل الخبرات في السياسات المالية وإدارة الأولويات.
  • تسهيل التجارة البرية وتقليل العراقيل الإجرائية أمام حركة السلع، بما يرفع انسياب الصادرات المصرية إلى السودان والواردات السودانية إلى مصر.
  • التحضير لمشروعات صغيرة ومتوسطة سريعة الأثر في الدواء والرعاية الصحية والنقل والخدمات الأساسية، بدلاً من انتظار حزمة إعمار شاملة قد تتأخر.
  • الاستفادة من المنصات الاقتصادية الإقليمية مثل منتدى العلمين للأعمال في أفريقيا لربط الحكومات بالقطاع الخاص.

هذا المسار، إن تحقق، سيكون أكثر انسجاماً مع طبيعة المرحلة الحالية في السودان، التي لا تسمح بعد بقفزة استثمارية ضخمة بقدر ما تحتاج إلى خطوات تدريجية قابلة للتنفيذ.

العقبة الكبرى: الإعمار يحتاج أمناً وتمويلاً

مع ذلك، لا ينبغي المبالغة في التفاؤل. فإعادة الإعمار في السودان لا تتوقف على توافر شركات راغبة أو خبرات فنية فقط، بل على ثلاثة شروط أصعب: تحسن أمني مستدام، تسوية سياسية ذات قبول داخلي، وتمويل خارجي كافٍ. البنك الدولي يشير إلى أن التعافي سيظل هشاً وممتداً ما لم تُعالج آثار الحرب على الخدمات والوظائف والتجارة، فيما تؤكد تقارير الهجرة الدولية استمرار النزوح على نطاق واسع خلال 2025 و2026، وهو ما يعني أن كثيراً من المناطق ما زالت بعيدة عن ظروف الإعمار التقليدي.

لهذا السبب، يمكن قراءة اللقاء المصري السوداني بوصفه محاولة لحجز موقع مبكر في «مرحلة ما بعد الحرب» حتى قبل اكتمال شروطها. هذه ليست خطوة سلبية بالضرورة؛ بل قد تكون مطلوبة لتفادي الفوضى عندما تبدأ نوافذ التمويل في الانفتاح. لكن نجاحها سيظل رهناً بقدرة الخرطوم على بناء حد أدنى من الاستقرار، وبقدرة الشركاء الإقليميين والدوليين على تحويل الوعود إلى موارد فعلية.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

بالنسبة لمصر، أي استقرار اقتصادي نسبي في السودان يحمل فوائد مباشرة وغير مباشرة. فالدولة المصرية تنظر تقليدياً إلى السودان باعتباره ملفاً متصلاً بالأمن القومي، وأي تحسن في البنية التحتية والاقتصاد والخدمات هناك يخفف ضغوط عدم الاستقرار على الحدود، ويمنح القاهرة هامشاً أفضل للتحرك في ملفات التجارة والربط الإقليمي وسلاسل الإمداد. كما أن توسيع التعاون مع السودان ينسجم مع اتجاه أوسع تتبناه الدبلوماسية المصرية في أفريقيا، يقوم على مزج التحرك السياسي بالبعد التنموي والاقتصادي.

ومن هنا يمكن فهم حضور بدر عبد العاطي في هذا النوع من الملفات. فالسيرة الذاتية المنشورة على موقع وزارة الخارجية تعكس مساراً طويلاً يجمع بين الخبرة السياسية والاقتصادية والعلاقات مع المؤسسات الأوروبية والدولية، ما يفسر الطابع العملي الذي بات يميز عدداً من تحركات الدبلوماسية المصرية في القارة. أما في الجانب السوداني، فإن وجود جبريل إبراهيم في الواجهة يربط الملف مباشرة بأولويات التمويل والتعافي وإدارة الموارد، لا بمجرد التنسيق السياسي العام.

الخلاصة: بداية مهمة.. لكن الطريق طويل

اللقاء بين القاهرة والخرطوم مهم لأنه يضع الاقتصاد في قلب العلاقة الثنائية في لحظة شديدة الحساسية. لكنه يظل، حتى الآن، بداية سياسية أكثر منه تحولاً تنفيذياً كاملاً. الرهان الحقيقي ليس في إعلان النوايا، بل في قدرة الجانبين على الانتقال إلى قوائم مشروعات، وآليات تمويل، وتسهيلات تجارية، وأطر متابعة منتظمة.

في تقديري، فإن مصر تتحرك هنا بمنطق مزدوج: دعم السودان الشقيق من جهة، والاستعداد لدور مؤثر في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار من جهة أخرى. وإذا نجح هذا المسار، فقد يتحول التعاون المصري السوداني من عنوان تقليدي في الأخبار إلى ورشة إقليمية لها أثر اقتصادي واستراتيجي ملموس. أما إذا تعثرت شروط الأمن والتمويل والسياسة داخل السودان، فستظل اللقاءات مهمة رمزياً، لكنها مؤجلة المردود عملياً.