مصر والصين: شراكة تتوسع من السياسة إلى الاستثمار
قراءة هادئة في شراكة مصر والصين
لم تعد العلاقة بين القاهرة وبكين مجرد تعاون دبلوماسي تقليدي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مسار واسع يجمع بين السياسة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا. وفي قلب هذا المسار تقف مصر باعتبارها شريكًا عربيًا وأفريقيًا مبكرًا للصين، إذ كانت أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية عام 1956، وهو ما يمنح العلاقة بين البلدين بعدًا تاريخيًا يتجاوز لغة المصالح الآنية.
الزخم الأحدث في هذه العلاقة ظهر بوضوح مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة يومي 1 و2 سبتمبر 2026، بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، في مناسبة تزامنت مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وخلال الزيارة، أكد الجانبان المضي في تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مع توسيع التعاون في الاقتصاد والتنمية والتنسيق الدولي.
من شراكة 2014 إلى مسار أكثر اتساعًا
محطة 2014 تبقى نقطة التحول الأبرز في العلاقات المصرية الصينية، إذ شهد ذلك العام رفع مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة. ومنذ ذلك الوقت، باتت الزيارات المتبادلة والحوارات الرسمية تمثل الإطار السياسي الذي تتحرك داخله ملفات الاستثمار والتجارة والتمويل والتنمية. كما أن زيارة الرئيس السيسي إلى بكين في مايو 2024 جاءت في الذكرى العاشرة لهذه الشراكة، وشهدت إعلان عام الشراكة المصرية الصينية كعنوان لمرحلة جديدة من التعاون.
هذا المسار لا يُقرأ فقط من زاوية العلاقات الخارجية، بل من زاوية أثره الداخلي في مصر؛ فالقاهرة تنظر إلى الصين بوصفها شريكًا قادرًا على دعم أولويات التنمية، خاصة في مجالات الصناعة، والنقل، والطاقة، وتمويل المشروعات، فيما ترى بكين في مصر بوابة محورية إلى أفريقيا والمنطقة العربية، ومركزًا لوجستيًا وصناعيًا مهمًا على طريق التجارة العالمية. وهذا استنتاج تدعمه طبيعة المشروعات المشتركة المعلنة خلال الأعوام الأخيرة.
مشروعات على الأرض: من العاصمة الإدارية إلى قناة السويس
الحديث عن الشراكة المصرية الصينية في الداخل المصري يرتبط مباشرة بعدة مشروعات باتت معروفة للرأي العام، في مقدمتها حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة، ومشروعات النقل الكهربائي، والاستثمارات الصناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وقد أشارت البيانات الرسمية المصرية إلى مساهمة الصين في بناء حي المال والأعمال، وفي تدشين القطار الكهربائي للعاشر من رمضان، إلى جانب استثمارات المنطقة الصناعية تيدا المصرية الصينية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وفي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، برزت خلال 2025 مؤشرات عملية على استمرار شهية المستثمرين الصينيين للتوسع. فقد أعلنت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس عن إطلاق مشروعين صينيين جديدين للمنسوجات في منطقة السخنة الصناعية باستثمارات تتجاوز 55 مليون دولار في يوليو 2025، كما وقعت خلال جولة ترويجية في الصين ثلاثة مشروعات صناعية جديدة في قطاع المنسوجات بإجمالي استثمارات 52.6 مليون دولار. وتشير هذه الأرقام إلى أن الشراكة لم تعد مقصورة على المشروعات الحكومية الضخمة، بل تمتد إلى قاعدة صناعية تصديرية أوسع.
الأهم أن هيئة المنطقة الاقتصادية تحدثت أيضًا عن مناقشات لتخصيص مساحة جديدة تبلغ 10 كيلومترات مربعة لصالح مجموعة تيدا الصينية، مع اقتراب استكمال المراحل السابقة من التطوير، وهو ما يعكس اتجاهًا نحو توسيع الوجود الصناعي الصيني في أحد أهم الممرات الاقتصادية المصرية.
التجارة والتمويل: أرقام تكشف الوزن الحقيقي
بعيدًا عن العناوين السياسية، تكشف الأرقام الرسمية أن الصين تحتفظ بمكانة متقدمة في خريطة الشركاء التجاريين لمصر. ووفق بيانات أوردتها الهيئة العامة للاستعلامات نقلًا عن مجلس الوزراء، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 15.7 مليار دولار خلال 2023، بينما بلغت الصادرات المصرية إلى الصين 881 مليون دولار في العام نفسه.
وتشير بيانات أحدث نشرتها الهيئة العامة للاستعلامات في ملف عن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر إلى أن التبادل التجاري بين البلدين وصل إلى نحو 17.37 مليار دولار في 2024، قبل أن يرتفع إلى قرابة 20.78 مليار دولار في 2025، بنسبة نمو تقارب 19.6%. وإذا استمرت هذه الوتيرة، فهذا يعني أن العلاقة الاقتصادية تسير نحو تعميق أكبر، لكنه تعميق يحتاج في الوقت نفسه إلى زيادة القدرة التصديرية المصرية حتى تصبح الاستفادة أكثر توازنًا بالنسبة للاقتصاد المحلي.
وعلى صعيد التمويل والتنمية، شهدت العلاقة خطوة لافتة مع توقيع أول استراتيجية تعاون إنمائي بين مصر والصين للفترة 2025-2029، إلى جانب المرحلة الأولى من برنامج مبادلة الديون من أجل التنمية، وذلك خلال زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني، وبحضور رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي. وتولت توقيع الوثائق من الجانب المصري الدكتورة رانيا المشاط. هذه الخطوة توضح أن التعاون لم يعد محصورًا في التجارة أو الإنشاءات فقط، بل دخل مرحلة التخطيط التنموي متوسط الأجل.
التكنولوجيا والفضاء والبنية الحديثة
من الملفات التي تستحق الانتباه أيضًا، دخول التعاون المصري الصيني إلى مجالات أكثر تقدمًا مثل الفضاء والتقنيات المرتبطة بالبنية الحديثة. ففي البيانات الرسمية الخاصة بزيارة الرئيس السيسي إلى بكين في مايو 2024، ورد ذكر إطلاق القمر الصناعي المصري مصر سات-2 كواحد من ثمار التعاون بين البلدين، إلى جانب تعزيز التعاون المالي وتمديد اتفاقية مبادلة العملات المحلية.
هذا التنوع في مجالات الشراكة مهم بالنسبة لمصر لأنه يربط العلاقات الثنائية بأهداف داخلية ملموسة: تحسين البنية التحتية، وجذب استثمارات صناعية، وتوطين بعض حلقات الإنتاج، وتوسيع بدائل التمويل، والانفتاح على التكنولوجيا. ومن هنا تبدو العلاقة مع الصين، بالنسبة لصانع القرار المصري، جزءًا من سياسة تنويع الشركاء لا بديلًا عن شريك واحد بعينه، وهي قراءة تدعمها طبيعة الوثائق والبيانات الرسمية المعلنة في أكثر من مناسبة.
البعد السياسي: تنسيق أوسع في الإقليم والعالم
الشراكة المصرية الصينية لا تتحرك في الاقتصاد فقط، بل تشمل أيضًا تنسيقًا سياسيًا على مستوى القضايا الإقليمية والدولية. البيان المشترك الصادر في 2 سبتمبر 2026 أشار إلى توسيع التنسيق في قضايا الحوكمة العالمية والدفاع عن مصالح الدول النامية والجنوب العالمي، إلى جانب استمرار آليات الحوار الاستراتيجي بين وزارتي خارجية البلدين. كما تناول البيان مجالات أخرى تشمل الأمن ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، بما يعكس اتساع نطاق العلاقة الرسمية.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا البعد السياسي تكمن في أن القاهرة لا تتعامل مع بكين فقط كقوة اقتصادية، بل كشريك دولي في لحظة تشهد تحولات كبيرة في النظام العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق التمويل. لذلك تبدو الشراكة هنا مركبة: تاريخية في جذورها، وبراغماتية في أهدافها، وتنموية في كثير من أدواتها.
ما الذي تعنيه هذه الشراكة لمصر الآن؟
النتيجة الأوضح حتى الآن أن العلاقات المصرية الصينية انتقلت من مرحلة المجاملات السياسية إلى مرحلة المصالح المتشابكة. فهناك مشروعات قائمة، واتفاقات تمويل وتنمية، وتوسع صناعي واضح في منطقة قناة السويس، وحضور صيني في ملفات البنية التحتية والنقل والعاصمة الإدارية. لكن التحدي الحقيقي بالنسبة لمصر يظل في كيفية تحويل هذا الزخم إلى قيمة مضافة محلية أكبر، سواء عبر زيادة المكون الصناعي المحلي، أو رفع الصادرات، أو تدريب العمالة، أو توسيع نقل التكنولوجيا.
في المحصلة، تبدو العلاقة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينغ عنوانًا سياسيًا بارزًا لهذه المرحلة، لكن المقياس الأهم داخل مصر سيظل مرتبطًا بما يصل إلى الأرض: مصنع جديد، فرصة عمل، خط نقل، تمويل تنموي، أو مشروع يضيف قدرة إنتاجية للاقتصاد. عند هذه النقطة تحديدًا يمكن فهم الشراكة المصرية الصينية بهدوء؛ لا باعتبارها شعارًا دبلوماسيًا، بل مسارًا عمليًا تتضح قيمته بقدر ما ينعكس على التنمية داخل مصر.