مصر والعراق يعززان التعاون في إدارة المياه والري الحديث
تحرك مصري لتعزيز الشراكة العربية في ملف المياه
تواصل مصر توسيع حضورها الإقليمي في ملفات الأمن المائي من خلال دعم التعاون الفني وتبادل الخبرات مع الدول العربية، وفي مقدمتها العراق، حيث بحث الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، مع وزير الموارد المائية العراقي مثنى التميمي، آفاق تطوير العمل المشترك في إدارة الموارد المائية والري الحديث، إلى جانب الاستفادة من التطبيقات التكنولوجية الحديثة وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي ومعالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي. وتؤكد هذه المباحثات اتجاهاً مصرياً ثابتاً نحو توظيف الخبرة الوطنية في إدارة المياه لخدمة المصالح المشتركة في المنطقة العربية.
التحرك الجديد لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى مسار تعاون قائم بين القاهرة وبغداد في قطاع المياه منذ توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين في أكتوبر 2020، تبعتها لجنة توجيهية فنية مشتركة ومجموعة عمل من المتخصصين المصريين والعراقيين لمتابعة ملفات التعاون على الأرض. وتشمل هذه الملفات الري الحديث، ومعالجة وإعادة استخدام المياه، ومقاومة الحشائش المائية، وحماية نوعية المياه، والإصلاح المؤسسي والتشريعي في قطاع الموارد المائية.
ما الذي طُرح في المباحثات بين سويلم والتميمي؟
بحسب ما أوردته جهات رسمية مصرية، ركز اللقاء على تعميق التعاون في عدد من المسارات العملية، أبرزها تطوير نظم إدارة المياه، وتبادل الخبرات في أساليب الري الحديث، والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة التشغيل واتخاذ القرار، إلى جانب توسيع الاستفادة من خبرات مصر في معالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة استخدامها. كما عكست المناقشات اهتماماً مشتركاً بتحديث أدوات الإدارة المائية بما يتلاءم مع التحديات المناخية وارتفاع الطلب على المياه.
ويحمل هذا الملف أهمية خاصة للقارئ المصري، لأن القاهرة تطرح خلال السنوات الأخيرة نموذجاً قائماً على تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه، عبر التوسع في إعادة الاستخدام، وتحسين كفاءة البنية التحتية، وتطبيق أدوات رقمية ومؤسسية جديدة ضمن ما تسميه وزارة الموارد المائية والري «الجيل الثاني لمنظومة الري 2.0». ويظهر ذلك بوضوح في التصريحات الرسمية المتكررة للوزارة حول الحوكمة، وتطوير الأداء المؤسسي، ورفع كفاءة الإدارة المائية، وربطها بأدوات التكنولوجيا الحديثة.
الذكاء الاصطناعي وإدارة المياه
إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن مجالات التعاون ليس تفصيلاً ثانوياً، إذ تكشف بيانات وزارة الموارد المائية والري في مصر عن توسع تدريبي ومؤسسي في هذا المسار. فمركز التدريب الإقليمي التابع للوزارة نفذ عشرات البرامج التدريبية في مجالات الإدارة الذكية، والذكاء الاصطناعي، ونظم المعلومات الجغرافية، كما أُنشئ معمل للذكاء الاصطناعي ومزرعة ذكية كنموذج تطبيقي للري والإدارة الذكية. وهذا يمنح القاهرة قاعدة خبرات يمكن نقلها إلى شراكات عربية عملية، ومنها التعاون مع العراق.
لماذا يكتسب التعاون المصري العراقي أهمية الآن؟
تأتي هذه المباحثات في توقيت تواجه فيه المنطقة العربية ضغوطاً متزايدة على الموارد المائية بفعل النمو السكاني، وتراجع الموارد التقليدية، وتكرار مواسم الجفاف، وتداعيات التغير المناخي. وفي العراق، تؤكد التصريحات الرسمية لوزارة الموارد المائية أهمية تطوير إدارة المياه، وترشيد الاستخدامات، ودعم مشروعات الري الحديث، باعتبارها أدوات ضرورية لمواجهة الشح المائي. كما أعلن الوزير مثنى التميمي في مناسبات رسمية عراقية التزام وزارته بخطط تشغيلية لإدارة وتوزيع المياه بين المحافظات وفق الموارد المتاحة، مع التشديد على تقنيات الري الحديثة والحد من الهدر.
أما في مصر، فملف إعادة استخدام المياه أصبح أحد المحاور الرئيسية للسياسة المائية، خاصة في ظل محدودية الموارد وارتفاع الطلب. وتؤكد الوزارة باستمرار أن التوسع في معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي يمثل ركيزة أساسية لتعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة، إلى جانب دعم الممارسات الزراعية التي تحقق إنتاجية أعلى من وحدة المياه نفسها.
خبرة مصرية قابلة للتصدير
يرتبط اسم الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، بمسار تقني وأكاديمي في مجال الهيدرولوجيا وإدارة الموارد المائية، وتشير السيرة الرسمية المنشورة على مواقع الدولة إلى أنه أستاذ متخصص في هذا المجال، كما قاد خلال السنوات الماضية توجهاً يركز على الحوكمة، والتحديث المؤسسي، والتعاون الإقليمي والدولي في قضايا المياه. وتؤكد الوزارة أن هذه الرؤية تستهدف خدمة أكثر من 110 ملايين نسمة داخل مصر عبر إدارة أكثر كفاءة للموارد المحدودة.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التعاون مع العراق باعتباره امتداداً لدور مصري أوسع في تبادل الخبرات الفنية عربياً وإفريقياً، سواء في مجال بناء القدرات، أو النماذج الرياضية، أو الإنذار المبكر، أو إدارة المياه الجوفية، أو إعادة استخدام المياه. كما أن مصر أعلنت بالفعل استضافة الدورة السابعة عشرة للمجلس الوزاري العربي للمياه على هامش أسبوع القاهرة التاسع للمياه خلال الفترة من 24 إلى 26 أكتوبر 2026، وهو ما يعكس رغبة القاهرة في تحويل ملف الأمن المائي العربي إلى مسار تعاون مؤسسي أكثر انتظاماً.
ماذا يعني ذلك للمواطن المصري؟
بالنسبة للشارع المصري، قد يبدو خبر التعاون مع العراق ملفاً خارجياً بحتاً، لكنه في الواقع يرتبط مباشرة بمكانة مصر الإقليمية في قضايا المياه، وبقدرتها على تحويل خبراتها الوطنية إلى أدوات نفوذ وشراكة. كما أن نجاح النماذج المصرية في مجالات مثل معالجة وإعادة الاستخدام، أو التدريب الفني، أو الإدارة الذكية للمياه، يعزز صورة المؤسسات المصرية كمرجعية عربية في ملف شديد الحساسية يرتبط بالغذاء والزراعة والاستقرار الاقتصادي. وهذه زاوية مهمة في وقت تتسابق فيه دول المنطقة للبحث عن حلول عملية لأزمات المياه.
أبرز مجالات التعاون المطروحة بين البلدين
- الري الحديث: رفع كفاءة استخدام المياه في الزراعة وتقليل الفاقد.
- معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي: الاستفادة من الموارد غير التقليدية لتعزيز الأمن المائي.
- الذكاء الاصطناعي والإدارة الذكية: دعم القرار وتحسين نظم التشغيل والمتابعة والرصد.
- الإصلاح المؤسسي والتشريعي: تطوير الحوكمة في قطاع المياه ورفع كفاءة الإدارة.
- مكافحة التحديات البيئية: التعامل مع الحشائش المائية وتحسين نوعية المياه والحد من آثار التغير المناخي.
خلاصة المشهد
يعكس اللقاء بين الدكتور هاني سويلم ونظيره العراقي مثنى التميمي توجهاً عملياً نحو بناء تعاون عربي أكثر تخصصاً في إدارة الموارد المائية، بعيداً عن العناوين العامة فقط. وبينما تواجه مصر والعراق ضغوطاً مائية متشابهة بدرجات مختلفة، يبدو أن الرهان المشترك يتجه إلى التكنولوجيا، والري الحديث، وإعادة الاستخدام، وبناء القدرات المؤسسية. وبالنسبة لمصر، فإن هذا المسار لا يعزز فقط علاقاتها الثنائية مع بغداد، بل يرسخ كذلك حضورها كطرف عربي فاعل في صياغة حلول واقعية لأحد أكثر ملفات المنطقة إلحاحاً: الأمن المائي.