Akhbar Cairo

مصر و«العمل الدولية» تضعان خارطة طريق لبرنامج العمل اللائق

خطوة جديدة بين القاهرة ومنظمة العمل الدولية

تتجه مصر إلى تسريع العمل على البرنامج الوطني للعمل اللائق بعد اتفاق جرى بين وزير العمل حسن رداد وإيريك أوشلان مدير مكتب منظمة العمل الدولية بالقاهرة وفريق العمل اللائق لشمال أفريقيا، على إعداد خارطة طريق وخطة تنفيذية تمهيدًا لإطلاق البرنامج بصورة رسمية. ويأتي هذا التحرك في سياق تعاون قائم بين الجانبين حول ملفات التشغيل، والحماية الاجتماعية، والحوار الاجتماعي، وتطوير بيئة العمل بما يتماشى مع المعايير الدولية، مع ربط ذلك بأولويات الدولة المصرية وسوق العمل المحلي.

التحرك الجديد لا يبدو معزولًا عن سلسلة من الاجتماعات والملفات المشتركة التي برزت خلال عام 2026، إذ أكدت وزارة العمل في لقاء سابق يوم 26 فبراير 2026 بالعاصمة الإدارية الجديدة أهمية الإسراع في إعداد برنامج العمل اللائق بالتعاون مع المنظمة، ليعكس أولويات مصر في التشغيل والحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي. كما ناقش الطرفان في لقاءات أخرى قضايا الاستراتيجية الوطنية للتشغيل، والسلامة والصحة المهنية، والتحول الرقمي لمنظومة التفتيش العمالي، وتنظيم بعض القطاعات الأكثر احتياجًا للحماية القانونية.

ما هو البرنامج الوطني للعمل اللائق؟

بحسب تعريف منظمة العمل الدولية، تمثل برامج العمل اللائق القُطرية الأداة الأساسية للمنظمة على مستوى كل دولة، إذ تُبنى بالشراكة مع الحكومات ومنظمات أصحاب الأعمال والعمال، بهدف ترجمة مبادئ العمل اللائق إلى أهداف تنفيذية قابلة للقياس. وعادة ما تركز هذه البرامج على أربعة محاور مترابطة: خلق فرص العمل، الحقوق في العمل، الحماية الاجتماعية، والحوار الاجتماعي.

وبالنسبة لمصر، يكتسب هذا المسار أهمية خاصة لأن سوق العمل المحلي يواجه تحديات متداخلة، من بينها دمج العمالة غير المنتظمة في الاقتصاد الرسمي، ورفع كفاءة التدريب المهني، وتحسين شروط العمل في القطاعات الصناعية والخدمية، وتوسيع مظلة الحماية للعاملين الأكثر هشاشة. لذلك، فإن تحويل التعاون المصري مع المنظمة إلى برنامج وطني منظم بخارطة طريق وجدول تنفيذ يمنح الملف إطارًا أكثر وضوحًا ومتابعة.

لماذا الآن؟

توقيت الاتفاق يعكس رغبة مصر في البناء على مسار تشريعي ومؤسسي أوسع داخل ملف العمل. فالسلطات المصرية أكدت خلال مشاركتها في الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي في جنيف خلال يونيو 2026 استمرارها في مواءمة التشريعات الوطنية مع معايير العمل الدولية، إلى جانب ترسيخ ثقافة الحوار الاجتماعي وتعزيز الحريات النقابية وتطوير بيئة عمل جاذبة للاستثمار. كما شددت وزارة العمل مرارًا على أن جذب الاستثمارات لا ينفصل عن وجود سوق عمل منضبط، وتدريب مهني فعال، وأطر حماية متوازنة بين حقوق العمال واحتياجات أصحاب الأعمال.

منظمة العمل الدولية بدورها تملك حضورًا طويلًا في مصر؛ فالقاهرة انضمت إلى المنظمة في 19 يونيو 1936، بينما تأسس مكتب المنظمة في القاهرة عام 1959. ويعمل المكتب القُطري من القاهرة على دعم مصر وإريتريا، إلى جانب دوره الإقليمي ضمن فريق العمل اللائق لشمال أفريقيا. هذا التاريخ المؤسسي يمنح البرنامج المرتقب قاعدة تعاون فني ممتدة، بدل أن يكون مجرد إعلان سياسي عابر.

أولويات متوقعة داخل البرنامج المصري

رغم أن التفاصيل النهائية للبرنامج الوطني للعمل اللائق لم تُعلن بعد، فإن طبيعة الملفات التي ناقشها الجانبان خلال الشهور الماضية تسمح بقراءة أولويات مرشحة للظهور بوضوح داخل الخطة التنفيذية. ومن أبرزها:

  • التشغيل وخلق الوظائف المستدامة: خاصة عبر الربط بين التدريب واحتياجات السوق، ودعم فرص العمل للشباب والمرأة.
  • توسيع الحماية الاجتماعية: مع التركيز على الفئات الأكثر تعرضًا للهشاشة، والعاملين في القطاعات غير الرسمية.
  • الحوار الاجتماعي: عبر إشراك الحكومة ومنظمات أصحاب الأعمال والتنظيمات العمالية في وضع السياسات ومتابعة التنفيذ.
  • السلامة والصحة المهنية: باعتبار بيئة العمل الآمنة جزءًا أساسيًا من مفهوم العمل اللائق.
  • رفع الامتثال لمعايير العمل الدولية: من خلال تطوير القوانين واللوائح وآليات المتابعة والتفتيش.

وتنسجم هذه الأولويات مع تصريحات سابقة لمدير مكتب المنظمة بالقاهرة إيريك أوشلان، الذي أشار إلى أن عمل المنظمة في مصر يرتكز على الحوكمة والتشغيل والحماية الاجتماعية، ويشمل كذلك مكافحة عمل الأطفال والعمل الجبري وتعزيز حرية التنظيم.

مشروعات جارية تعطي مؤشرات على الاتجاه

اللافت أن التعاون بين مصر ومنظمة العمل الدولية خلال 2026 لم يقتصر على الاجتماعات، بل شمل مشروعات ميدانية تعكس عمليًا مفهوم العمل اللائق. ففي يونيو 2026 دعمت المنظمة بالتعاون مع شركاء مصريين إطلاق مدونة سلوك لتنظيم تدريب وتشغيل الأطفال داخل الصناعة، بمشاركة وزارة العمل واتحاد الصناعات المصرية والاتحاد العام لنقابات عمال مصر، في خطوة استهدفت تنظيم مسارات التدريب الآمن والحد من الممارسات المخالفة.

كما واصلت المنظمة تنفيذ برامج لتحسين السلامة والإنتاجية في تجمعات صناعية مثل شق الثعبان ومدينة الروبيكي للجلود، ضمن مشروع يربط بين رفع الإنتاجية وتحسين ظروف العمل. وتؤكد هذه النماذج أن ملف العمل اللائق في مصر لم يعد محصورًا في الشعارات العامة، بل يتجه نحو أدوات تنفيذية تشمل التدريب، والامتثال، والشراكة مع القطاع الخاص، وتطوير المؤسسات المعنية بسوق العمل.

ما الذي يعنيه ذلك للعامل وصاحب العمل في مصر؟

إذا تُرجمت خارطة الطريق الجديدة إلى برنامج فعلي بجدول زمني واضح، فقد ينعكس ذلك على شريحة واسعة من العاملين وأصحاب الأعمال في مصر. بالنسبة للعامل، يمكن أن يعني الأمر ضمانات أفضل في بيئة العمل، وتحسين الوصول إلى الحماية الاجتماعية، وفتح مسارات تدريب وتشغيل أكثر جودة. أما بالنسبة لصاحب العمل، فقد يسهم البرنامج في تقديم بيئة تنظيمية أوضح، وتطوير مهارات العمالة، وتقليل النزاعات عبر الحوار الاجتماعي، بما يرفع الإنتاجية ويعزز الاستقرار داخل المنشآت.

ومن زاوية الاقتصاد الكلي، فإن أي تقدم في ملف العمل اللائق يرتبط أيضًا بقدرة السوق المصرية على جذب استثمارات جديدة، لا سيما في القطاعات التي تتطلب التزامًا أعلى بمعايير التوريد الدولية وظروف العمل والمسؤولية الاجتماعية. لذلك، فإن البرنامج الوطني المرتقب قد يصبح أداة مهمة تربط بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية بدل النظر إليهما باعتبارهما مسارين منفصلين.

الخطوة التالية

المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهم السياسي والفني إلى وثيقة تنفيذية قابلة للتطبيق. المنتظر أن تحدد خارطة الطريق المقبلة أولويات البرنامج، والجهات المشاركة، وآليات المتابعة، ومؤشرات التقدم، بما يضمن ألا يظل الملف داخل حدود التصريحات. وفي ظل ما تشهده مصر من تحركات موازية في ملفات التشغيل والتدريب والسلامة المهنية وتنظيم بعض أنماط العمل، يبدو أن البرنامج الوطني للعمل اللائق مرشح لأن يصبح أحد أهم الأطر الجامعة لسياسات سوق العمل في المرحلة المقبلة.

وبين احتياجات الاقتصاد، ومطالب العمال، ومعايير العمل الدولية، تراهن القاهرة على صياغة مقاربة أكثر توازنًا لسوق العمل؛ مقاربة تضع الفرصة والحماية والحوار في مسار واحد، بدل التعامل مع كل ملف على حدة.