مصر والهند توسعان التعاون في الذكاء الاصطناعي والاستثمار
شراكة رقمية أوسع بين القاهرة ونيودلهي
تتجه العلاقات المصرية الهندية إلى توسيع حضورها في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بعد مباحثات جمعت المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، مع السفير الهندي لدى القاهرة سوريش كيه. ريدي، لبحث آفاق التعاون في الذكاء الاصطناعي، وتنمية المهارات الرقمية، والأمن السيبراني، والابتكار وريادة الأعمال، إلى جانب تحفيز مزيد من الاستثمارات الهندية داخل السوق المصرية، خاصة في أنشطة التعهيد وتصنيع الإلكترونيات.
اللقاء يأتي في توقيت تسعى فيه مصر إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للخدمات الرقمية وتصديرها، مستفيدة من توسع البنية التحتية التكنولوجية، ومن برامج حكومية تستهدف رفع تنافسية القطاع وزيادة جاذبية البلاد أمام الشركات العالمية الباحثة عن قاعدة تشغيل في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ما الذي ناقشه الجانبان؟
المباحثات تناولت البناء على مسارات التعاون القائمة بالفعل بين البلدين في قطاع الاتصالات، في ضوء مذكرات التفاهم الموقعة سابقًا في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والأمن السيبراني، وتنمية القدرات الرقمية، وتدريب الكوادر المتخصصة في الاتصالات والإلكترونيات. كما جرى بحث توسيع التعاون ليشمل مجالات أكثر تقدمًا، مثل البحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي، ونقل الخبرات، ودعم الابتكار المؤسسي والشركات الناشئة.
وخلال اللقاء، شدد الوزير على أن التعاون المصري الهندي في التكنولوجيا يشهد نموًا متواصلًا، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك مزايا عملية مهمة للشركات الهندية، في مقدمتها الموقع الجغرافي القريب من أسواق أفريقيا والشرق الأوسط، وتوافر قاعدة من الشباب المؤهلين في تخصصات رقمية متعددة، بما يدعم الاستثمارات الجديدة في خدمات التعهيد والصادرات الرقمية.
لماذا يهم هذا التعاون السوق المصرية؟
أهمية هذه المباحثات لا ترتبط فقط بالعلاقات الثنائية، بل بما تعكسه من توجه رسمي مصري نحو اجتذاب استثمارات نوعية ذات قيمة مضافة. فالقطاع الرقمي في مصر يراهن بصورة متزايدة على الأنشطة التي توفر وظائف عالية المهارة، مثل مراكز الخدمات العابرة للحدود، وتطوير البرمجيات، وخدمات الدعم الفني، وحلول الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التصنيع الإلكتروني.
وتؤكد المواد التعريفية الصادرة عن هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات أن استراتيجية مصر الرقمية لصناعة التعهيد 2022-2026 تستهدف مضاعفة عائدات التعهيد ثلاث مرات، وخلق فرص عمل جديدة، وترسيخ صورة مصر كوجهة جاذبة لخدمات التكنولوجيا الناشئة. كما تبرز الهيئة مزايا مصر التنافسية، ومنها وفرة الكفاءات متعددة اللغات، والدعم الحكومي، والموقع الذي يربط أفريقيا وآسيا وأوروبا.
الهند: شريك يملك خبرة صناعية ورقمية متقدمة
من الجانب الهندي، أكد السفير سوريش كيه. ريدي اهتمام بلاده بدفع الشركات الهندية نحو الاستثمار في مصر، وهو توجه يتسق مع تحركات أوسع شهدتها الأشهر الماضية في ملفات الاستثمار والصناعة بين البلدين. كما أشار إلى استضافة الهند مؤتمر India Mobile Congress 2026 في نيودلهي خلال الفترة من 7 إلى 10 أكتوبر 2026، وهو واحد من أبرز الفعاليات المتخصصة في التكنولوجيا والاتصالات في آسيا.
وتملك الهند أوراق قوة مهمة في هذا الملف؛ فبيانات حكومية هندية حديثة تؤكد أنها أصبحت ثاني أكبر مُصنِّع للهواتف المحمولة في العالم من حيث الحجم. كما أوضحت وزارة الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات الهندية أن البلاد تضم أكثر من 300 وحدة لتصنيع الهواتف ومكوناتها، فيما أظهرت بيانات رسمية أخرى أن 99.2% من الهواتف المستخدمة في الهند أصبحت تُصنع محليًا. هذه الخلفية تجعل التعاون مع الشركات الهندية ذا أهمية خاصة بالنسبة لمصر، إذا ما اتجه نحو توطين جانب من سلاسل القيمة الإلكترونية أو تعزيز التصنيع الموجه للتصدير.
الذكاء الاصطناعي في قلب الأولويات المصرية
الجانب المصري ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد محركات التنافسية الاقتصادية في المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الاتصالات خلال سبتمبر 2026 توقيع مذكرة تفاهم مع شركة Intel لتدريب مليون مواطن سنويًا لمدة ثلاث سنوات على مفاهيم الذكاء الاصطناعي والاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا والثقة الرقمية. كما أوضح الوزير أن النسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2030 تستهدف تعظيم الأثرين الاقتصادي والاجتماعي للتقنيات الذكية.
هذا المسار يفسر اهتمام القاهرة بتوسيع الشراكات الدولية في مجالات التدريب المتقدم، وبناء القدرات، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والتطبيقات العملية داخل القطاعات الحكومية والخدمية. كما يعزز أهمية التعاون مع دولة مثل الهند، التي استثمرت بقوة في البنية التحتية الرقمية العامة، وشبكات الألياف الضوئية، والمنظومات الداعمة للاقتصاد الرقمي.
من التعهيد إلى الإلكترونيات
الملف الاستثماري المطروح بين الجانبين لا يقتصر على البرامج التدريبية أو تبادل المعرفة، بل يمتد إلى أنشطة اقتصادية قابلة للتوسع سريعًا داخل مصر. وفي مقدمة هذه الأنشطة:
- خدمات التعهيد وتصدير الخدمات الرقمية، وهي من القطاعات التي تستهدفها الحكومة لزيادة التشغيل وتدفقات النقد الأجنبي.
- تصنيع الإلكترونيات، بما يشمل فرص توطين بعض المكونات أو التجميع أو الخدمات المساندة لسلاسل الإمداد.
- تدريب الكوادر في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والمهارات التقنية المتقدمة.
- دعم الشركات الناشئة ورواد الأعمال من خلال شراكات بين المؤسسات المصرية ونظيراتها الهندية.
وتشير البيانات الرسمية المصرية إلى أن الوزارة تعمل بالتوازي على دعم مناطق التكنولوجيا، ومراكز الإبداع، ومبادرات مثل Egypt Makes Electronics، وهي توجهات تمنح أي تعاون دولي في هذا القطاع قاعدة تنفيذية يمكن البناء عليها.
ماذا يعني ذلك للمستثمرين والشباب في مصر؟
إذا تُرجمت هذه المباحثات إلى مشروعات تنفيذية، فقد ينعكس ذلك على سوق العمل المحلي عبر زيادة البرامج المتخصصة في التأهيل الرقمي، ورفع الطلب على المهارات المرتبطة بالبرمجة وتحليل البيانات والأمن السيبراني وإدارة البنية السحابية. كما قد يفتح الباب أمام شراكات أعمال جديدة بين شركات مصرية ونظيراتها الهندية، سواء في مراكز الخدمات، أو تطوير المنتجات التقنية، أو التصنيع الإلكتروني.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة الأبرز هي أن مصر تسعى لتثبيت موقعها كمنصة إقليمية تجمع بين البنية التحتية الرقمية، والكوادر البشرية، والقرب من أسواق واسعة. وهي عناصر كثيرًا ما تبرزها الجهات الحكومية المصرية عند الترويج للبلاد كوجهة للاستثمار التكنولوجي.
خلاصة المشهد
المباحثات المصرية الهندية الأخيرة تعكس تقاطعًا واضحًا في المصالح: مصر تريد تعميق التصنيع الرقمي وزيادة صادرات الخدمات التكنولوجية ورفع مستوى المهارات، والهند تبحث عن توسيع حضور شركاتها في أسواق واعدة ترتبط بأفريقيا والشرق الأوسط. وبين هذين الهدفين، يبدو الذكاء الاصطناعي والتعهيد وتصنيع الإلكترونيات العناوين الأكثر قابلية للتحول من تفاهمات سياسية إلى مشروعات اقتصادية ملموسة خلال الفترة المقبلة.