Akhbar Cairo

مصر واليونان تدفعان شراكة الهجرة والعمل إلى مرحلة التنفيذ

تحرك مصري يوناني جديد في ملف الهجرة والعمالة

يشهد التعاون بين مصر واليونان دفعة جديدة في واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للبلدين، وهو ملف الهجرة النظامية وفتح قنوات عمل قانونية وآمنة، بالتوازي مع تشديد التنسيق في مكافحة الهجرة غير الشرعية. وفي هذا الإطار، برزت مباحثات وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي مع وزير الهجرة واللجوء اليوناني ثانوس بليفريس باعتبارها خطوة عملية لدفع الشراكة الثنائية من مستوى التفاهمات السياسية إلى مستوى التنفيذ الميداني.

أهمية هذه المباحثات لا تتعلق فقط بإدارة حركة الانتقال بين البلدين، بل تمتد إلى تلبية احتياجات سوق العمل اليوناني من جهة، وخلق فرص توظيف منظمة للعمالة المصرية من جهة أخرى، وهي صيغة تزداد أهميتها في ظل الضغوط الإقليمية المتعلقة بالهجرة وتبدل احتياجات سوق العمل الأوروبية.

اتفاق العمالة الموسمية يعود إلى الواجهة

الملف الأبرز في النقاشات المصرية اليونانية هو اتفاق العمالة الموسمية، الذي تسعى القاهرة إلى تفعيله بصورة أوسع وأسرع. وكانت مصر قد أكدت بالفعل في سبتمبر 2024 تطلعها إلى بدء التنفيذ الفعلي لهذا الاتفاق مع اليونان، باعتباره نموذجًا يمكن البناء عليه مع دول أوروبية أخرى، وبما يربط بين تيسير الهجرة القانونية وتقليص دوافع الهجرة غير النظامية.

وتشير وثائق وتقارير دولية متخصصة إلى أن الاتفاق الثنائي الخاص بتشغيل العمالة الزراعية الموسمية يتيح قبول ما يصل إلى 5 آلاف عامل مصري للعمل الموسمي في القطاع الزراعي باليونان. كما أظهرت تقارير حديثة أن منصة رقمية أُطلقت في يونيو 2024 لتسهيل تنفيذ الاتفاق، في إشارة إلى انتقاله من الإطار الدبلوماسي إلى آليات تطبيق أكثر وضوحًا.

هذا المسار يحظى باهتمام مصري رسمي متواصل، خاصة مع تأكيد وزارة الخارجية في وقت سابق أن التنفيذ الفعلي للاتفاق من شأنه توفير فرص عمل قانونية وآمنة، بما يساعد على الحد من الهجرة غير الشرعية ويمنح العمالة المصرية مسارًا منظمًا يحفظ الحقوق.

ما الذي تريده أثينا من العمالة المصرية؟

المؤشرات الصادرة عن الجانب اليوناني تعكس بوضوح وجود احتياج فعلي للعمالة الوافدة، لا سيما في القطاعات الموسمية. فوفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بشأن اليونان، حُدد الحد الأقصى للوظائف التي يمكن شغلها بمواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي في عام 2025 عند 89,290 وظيفة، من بينها 45,620 وظيفة موسمية. هذا الرقم يوضح أن الطلب لا يقتصر على الزراعة وحدها، بل يرتبط ببنية سوق العمل اليوناني نفسه.

ومن الجانب المصري، سبق أن نقلت وزارة الخارجية عن مباحثات في أثينا أن اليونان مهتمة بالاستفادة من الخبرات المصرية، خصوصًا في المجال الزراعي، إلى جانب الترحيب بزيادة أعداد العمالة المصرية في مجالات أخرى مثل التشييد والبناء والسياحة. هذه القطاعات تمثل أهمية خاصة للعمالة المصرية، نظرًا لامتلاكها خبرات متراكمة فيها، فضلًا عن كونها من أكثر المجالات طلبًا في مواسم الذروة.

مزايا المسار القانوني للعمالة المصرية

  • فتح فرص عمل معلنة ومنظمة بدلًا من السماسرة والمسارات غير الرسمية.
  • تقليل مخاطر الهجرة غير الشرعية وما يرتبط بها من استغلال أو فقدان للحقوق.
  • توفير إطار واضح للعقود والتأمينات والحقوق الاجتماعية.
  • دعم الاقتصاد المصري عبر تحويلات العاملين بالخارج ورفع فرص التشغيل.
  • تعزيز صورة العامل المصري في الأسواق الأوروبية المنظمة.

الهجرة غير الشرعية: أولوية موازية لا تقل أهمية

في المقابل، لا تنفصل مناقشات العمالة الموسمية عن ملف مكافحة الهجرة غير الشرعية. فالقاهرة تطرح منذ سنوات مقاربة تقوم على أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي، وأنه يجب أن يصاحبها توسيع مسارات الهجرة القانونية والمنظمة. هذا الطرح حضر أيضًا في الاتصالات المصرية مع الاتحاد الأوروبي، حيث شددت وزارة الخارجية على أهمية الشراكة في مجالات التدريب والتأهيل وربط العمالة المصرية باحتياجات الأسواق الأوروبية.

وتزداد أهمية هذا التوجه في ضوء مكانة مصر في معادلة المتوسط والهجرة الإقليمية، خاصة مع استمرار الأزمات المحيطة بالمنطقة. وفي هذا السياق، تطرح القاهرة نفسها شريكًا أساسيًا ليس فقط في ضبط الحدود ومكافحة التهريب، بل كذلك في تقديم بدائل عملية وآمنة للشباب الراغب في العمل بالخارج.

العلاقات المصرية اليونانية: الهجرة ضمن شراكة أوسع

التقارب في ملف الهجرة لا يمكن فصله عن التطور الأوسع في العلاقات المصرية اليونانية. ففي 17 مارس 2024، جرى التوقيع على إعلان مشترك لتأسيس مجلس تعاون رفيع المستوى بين مصر واليونان، بالتزامن مع الزخم الذي صاحب إطلاق الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين مصر والاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك الوقت، تتعامل القاهرة مع أثينا باعتبارها واحدة من العواصم الأوروبية الداعمة لتوسيع التعاون مع مصر داخل المؤسسات الأوروبية.

هذا يعني أن ملف العمالة لم يعد موضوعًا منفصلًا أو فنيًا فقط، بل أصبح جزءًا من بنية شراكة سياسية واقتصادية أوسع، تشمل كذلك الاستثمار والطاقة والربط الكهربائي والتنسيق الإقليمي. ومن هنا، فإن أي تقدم في تنفيذ اتفاق العمالة الموسمية يحمل دلالة سياسية واقتصادية في آن واحد.

ماذا تعني هذه المباحثات للمصريين؟

بالنسبة للقارئ المصري، فإن الأثر المباشر لهذه التحركات يتمثل في احتمال توسيع فرص العمل القانونية أمام المصريين، خصوصًا في القطاعات التي تشهد طلبًا واضحًا داخل اليونان. كما أن تفعيل الاتفاقات القائمة يبعث برسالة مهمة إلى سوق العمل في مصر، مفادها أن الدولة تتجه نحو تصدير العمالة عبر قنوات مؤسسية ومنظمة، بدلًا من ترك الأمر للمبادرات الفردية أو المسارات غير الآمنة.

ويكتسب ذلك أهمية إضافية في ظل اهتمام الدولة المصرية خلال الأشهر الأخيرة بتطوير إدارة ملف الهجرة والعمالة بالخارج، بما في ذلك متابعة مذكرات التفاهم الموقعة مع عدد من الدول الأوروبية، والعمل على تعزيز ما يُعرف بـالهجرة الدائرية التي تحقق منفعة متبادلة للدول المستقبلة للعمالة ولدولة المنشأ في الوقت نفسه.

الخطوة التالية: من التوافق السياسي إلى التنفيذ

المؤكد حتى الآن أن هناك إرادة سياسية مشتركة بين مصر واليونان لتوسيع التعاون في الهجرة القانونية وتضييق الخناق على الهجرة غير النظامية. لكن التحدي الحقيقي يبقى في سرعة تحويل هذا التوافق إلى إجراءات تنفيذية واضحة، تشمل آليات الاختيار، والتدريب، والتعاقد، وضمانات الحماية الاجتماعية، ومتابعة أوضاع العاملين.

إذا نجح هذا المسار، فقد يصبح الاتفاق المصري اليوناني نموذجًا عمليًا يمكن تعميمه في علاقات مصر مع أسواق أوروبية أخرى تحتاج إلى العمالة الموسمية أو الماهرة. أما بالنسبة للعلاقات بين القاهرة وأثينا، فإن ملف الهجرة والعمالة يبدو اليوم أحد أكثر الملفات قابلية للتحول إلى قصة نجاح مشتركة، تجمع بين المصلحة الاقتصادية والإدارة المنظمة للهجرة في شرق المتوسط.