مصر وإيطاليا تدفعان شراكة الاستثمار عبر منتدى أعمال بالقاهرة
مصر وإيطاليا توسعان أجندة الشراكة الاقتصادية من القاهرة
دخلت العلاقات المصرية الإيطالية مرحلة جديدة من التركيز العملي على الاستثمار والتجارة، مع انعقاد اللجنة المصرية الإيطالية المشتركة ومنتدى الأعمال في القاهرة برئاسة وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي أنطونيو تاياني. التحرك المشترك لم يقتصر على الرسائل السياسية، بل حمل مؤشرات واضحة على رغبة البلدين في تحويل التقارب القائم إلى مشروعات وفرص استثمارية ملموسة داخل السوق المصرية، خصوصًا في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والتكنولوجيا.
الزيارة الإيطالية إلى القاهرة جاءت في 3 سبتمبر 2026، بحسب وزارة الخارجية الإيطالية، ضمن مهمة تستهدف تعزيز الشراكة بين روما والقاهرة وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية، بالتوازي مع مناقشة ملفات إقليمية تتصل بالوضع في غزة وليبيا والسودان وأمن البحر الأحمر. كما أعلنت الخارجية الإيطالية أن المنتدى شهد مشاركة أكثر من 100 شركة إيطالية ونحو 600 مشارك، مع تنظيم 1000 اجتماع أعمال ثنائي بين الشركات، وهو ما يعكس حجم الرهان على السوق المصرية في هذه الجولة.
اللجنة المشتركة: من التفاهم السياسي إلى التنفيذ الاقتصادي
البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية أوضحت أن الدورة الأولى للجنة العليا المشتركة المصرية الإيطالية انعقدت في القاهرة بمشاركة وزراء ومسؤولين من الجانبين، بينهم وزير الاستثمار والتجارة الخارجية الدكتور محمد فريد، ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت، إلى جانب ممثلين عن قطاعات النقل والزراعة والصحة والتعليم. هذا التمثيل القطاعي الواسع يكشف أن القاهرة لا تنظر إلى التعاون مع إيطاليا باعتباره مجرد ملف دبلوماسي، بل باعتباره مسارًا اقتصاديًا متعدد المجالات يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.
وخلال الاجتماعات، برز توجه مصري واضح نحو إعادة تفعيل مجلس الأعمال المصري الإيطالي، مع الدفع نحو مزيد من التواصل المباشر بين مجتمعَي الأعمال في البلدين. الفكرة الأساسية هنا هي الانتقال من مستوى استكشاف الفرص إلى مستوى تحويلها إلى استثمارات ومشروعات قابلة للتنفيذ، خاصة في القطاعات التي تمتلك فيها إيطاليا خبرة صناعية وتكنولوجية متقدمة، بينما تمتلك مصر فيها سوقًا كبيرة وبنية لوجستية وموقعًا إقليميًا مؤثرًا.
لماذا تركز القاهرة على إيطاليا الآن؟
الاهتمام المصري بتعميق الشراكة مع إيطاليا لا ينفصل عن موقع الأخيرة داخل أوروبا، ولا عن وزن شركاتها في قطاعات استراتيجية تهم الاقتصاد المصري. إيطاليا تُعد من أبرز الشركاء التجاريين لمصر داخل الاتحاد الأوروبي، كما أن روما تحافظ على حضور قوي في ملفات الطاقة والبنية التحتية والتصنيع. وفي الأشهر الماضية، كانت الحكومة المصرية قد أكدت أكثر من مرة حرصها على جذب استثمارات أجنبية مباشرة جديدة، مع التركيز على توطين الصناعة ورفع الصادرات وتحسين سلاسل الإمداد.
من هذا المنطلق، فإن منتدى الأعمال المصري الإيطالي يحمل أهمية مزدوجة: فمن جهة، يمنح الشركات الإيطالية نافذة مباشرة على المشروعات والفرص المطروحة في مصر؛ ومن جهة أخرى، يتيح للقاهرة تقديم نفسها كشريك استثماري قادر على الربط بين أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. وهذه النقطة تحديدًا تحظى بأهمية كبيرة لدى المستثمرين الإيطاليين المهتمين بالنقل والخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد.
الطاقة في صدارة الملفات
قطاع الطاقة بقي في قلب المحادثات المصرية الإيطالية، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى الثقل التاريخي للشركات الإيطالية في هذا المجال داخل مصر. شركة إيني الإيطالية، على سبيل المثال، تواصل حضورها البارز في السوق المصرية، وتصف حقل ظُهر بأنه أكبر اكتشاف غاز في البحر المتوسط، مع استمرار نشاطها في مشروعات الاستكشاف والتطوير والإنتاج في مصر. كما سبق أن أكدت الحكومة المصرية، في لقاءات رسمية خلال 2026، تطلعها إلى توسيع استثمارات إيني في قطاعي النفط والغاز.
لكن التعاون في الطاقة لم يعد مقتصرًا على الغاز الطبيعي فقط. فالمسار الحالي يشمل أيضًا الطاقة المتجددة وأمن الإمدادات وكفاءة البنية التحتية، وهي مجالات تكتسب أهمية متزايدة في ضوء سعي مصر إلى تنويع مزيج الطاقة، وجذب استثمارات في مشروعات الكهرباء والهيدروجين والبنية المرتبطة بالتحول الطاقي. وهنا تبدو إيطاليا شريكًا مناسبًا بفضل خبرتها الصناعية والتقنية، إلى جانب اهتمامها المتزايد بممرات الطاقة في المتوسط.
الصناعة والنقل والتكنولوجيا: مجالات مرشحة للنمو
بعيدًا عن الطاقة، يبرز التصنيع كأحد أهم المسارات المرشحة للتوسع بين البلدين. إيطاليا تمتلك قاعدة صناعية قوية في مجالات المعدات والميكنة والهندسة والمنتجات الوسيطة، وهي قطاعات يمكن أن تستفيد من خطط مصر لتوطين الصناعة وزيادة الإنتاج المحلي. كما أن وجود أكثر من 100 شركة إيطالية في المنتدى يشير إلى أن الاهتمام لا يقتصر على الشركات الكبرى فقط، بل يشمل أيضًا شركات متوسطة وصغيرة تبحث عن موطئ قدم في السوق المصرية.
وفي النقل والخدمات اللوجستية، تبدو فرص التعاون مرتبطة بتطوير البنية التحتية وربط الموانئ وسلاسل التوريد، خاصة أن مصر تروج لنفسها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات البحرية. أما في التكنولوجيا، فالمجال مفتوح أمام التعاون في الرقمنة، ونقل الخبرات، وربط التعليم الفني واحتياجات الصناعة، وهي ملفات ظهرت أيضًا في التمثيل الوزاري الواسع خلال أعمال اللجنة المشتركة.
- الطاقة: الغاز الطبيعي، الطاقة المتجددة، أمن الإمدادات.
- الصناعة: توطين الإنتاج، المعدات، الشراكات التصنيعية.
- النقل: البنية التحتية، اللوجستيات، الربط التجاري.
- التكنولوجيا: الرقمنة، التدريب، نقل المعرفة.
البعد المصري المحلي: فرص استثمار وتشغيل
بالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التحرك لا تتعلق فقط بالعلاقات الخارجية، بل بما يمكن أن ينتج عنه محليًا من فرص عمل واستثمارات جديدة وشراكات صناعية. وإذا نجحت القاهرة في تحويل نتائج المنتدى إلى اتفاقات تنفيذية، فقد ينعكس ذلك على قطاعات تمس الاقتصاد اليومي بشكل مباشر، من الصناعة والطاقة إلى التدريب المهني والخدمات اللوجستية.
كما أن إعادة تنشيط قنوات التواصل بين رجال الأعمال في البلدين قد تساعد على تسريع دخول استثمارات جديدة، خصوصًا مع حرص مصر في الفترة الأخيرة على تقديم حوافز للمستثمرين الأجانب وتبسيط الإجراءات في عدد من القطاعات. وفي هذا السياق، فإن التعاون مع شريك أوروبي بحجم إيطاليا يمنح السوق المصرية دفعة معنوية وعملية في آن واحد.
ما الذي يمكن توقعه بعد المنتدى؟
المؤشرات الحالية توحي بأن القاهرة وروما تريدان البناء على ما تحقق خلال المنتدى واللجنة المشتركة، لا الاكتفاء بعقد لقاء بروتوكولي. فوجود هذا العدد الكبير من الشركات الإيطالية، والمشاركة الوزارية الرفيعة، وتركيز المباحثات على ملفات قابلة للتنفيذ، كلها عوامل ترجح أن المرحلة المقبلة قد تشهد الإعلان عن خطوات متابعة تشمل اجتماعات قطاعية، وتفاهمات استثمارية، وربما توسعًا في الشراكات القائمة بالفعل.
عمليًا، تبدو مصر حريصة على استثمار هذه اللحظة في جذب رؤوس أموال وتكنولوجيا وخبرات صناعية، بينما ترى إيطاليا في السوق المصرية شريكًا استراتيجيًا مهمًا في جنوب المتوسط. وبين المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية، يظهر منتدى الأعمال المصري الإيطالي في القاهرة كمنصة جديدة لإعادة صياغة التعاون بين البلدين على أساس أكثر مباشرة وارتباطًا بالنتائج.
وفي حال تُرجمت هذه التفاهمات إلى مشروعات فعلية، فإن الملف المصري الإيطالي قد يصبح واحدًا من أكثر مسارات التعاون الاقتصادي الأوروبي نشاطًا بالنسبة لمصر خلال الفترة المقبلة، خاصة في مجالات الطاقة والصناعة والنقل والتكنولوجيا التي تشكل اليوم جوهر المنافسة على الاستثمار والتنمية في المنطقة.