مصر وإيطاليا تكثفان التنسيق السياسي بشأن ليبيا من روما
جولة جديدة من روما تعكس أولوية الملف الليبي في الدبلوماسية المصرية
استضافت العاصمة الإيطالية روما يوم 5 أكتوبر 2026 جولة مشاورات سياسية مصرية إيطالية خُصصت لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا، بحسب ما أعلنه السفير بسام راضي، سفير مصر لدى إيطاليا. وتأتي هذه الجولة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للملف الليبي، الذي يظل أحد أهم ملفات الأمن القومي المصري بحكم الجوار الجغرافي والروابط الاقتصادية والإنسانية، إلى جانب انعكاساته المباشرة على أمن البحر المتوسط والهجرة غير الشرعية واستقرار المنطقة ككل.
ورغم أن الإعلان المبدئي عن المشاورات جاء مختصرًا، فإن سياق الاتصالات المصرية الإيطالية خلال العام الجاري يُظهر أن القاهرة وروما تتعاملان مع الملف الليبي باعتباره مساحة تعاون منتظم لا يقتصر على رد الفعل تجاه التطورات الميدانية، بل يمتد إلى دعم المسار السياسي والحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة الليبية ومنع عودة التوترات التي قد تهدد دول الجوار.
ما الذي يناقشه الجانبان عادة في المشاورات حول ليبيا؟
توضح البيانات الرسمية السابقة الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية أن المشاورات المصرية الإيطالية حول ليبيا تركز عادة على عدة محاور رئيسية، تشمل دعم العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة، وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة مؤسساتها الوطنية، إلى جانب متابعة الترتيبات الأمنية والحد من التدخلات الخارجية ذات التأثير السلبي على فرص التسوية. وخلال جولة سابقة عُقدت في القاهرة يوم 19 يناير 2026، ناقش الجانبان هذه الملفات بصورة مباشرة ضمن إطار المشاورات الدورية بين البلدين.
هذا النهج يتسق أيضًا مع الموقف المصري المعلن في مشاورات أخرى تخص ليبيا؛ إذ شددت القاهرة في جولات منفصلة مع شركاء إقليميين وأوروبيين على ضرورة الوصول إلى حل ليبي-ليبي شامل ومستدام، مع رفض أي خطوات من شأنها إطالة أمد الانقسام أو تقويض فرص بناء مؤسسات موحدة.
لماذا تحظى ليبيا بأهمية خاصة لمصر؟
بالنسبة للقاهرة، لا يُنظر إلى الملف الليبي كقضية خارجية تقليدية فقط، بل كجزء من دائرة الأمن المباشر للدولة المصرية. فاستقرار ليبيا يرتبط بأمن الحدود الغربية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح، والحد من شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية التي تمثل أيضًا مصدر قلق أوروبي متزايد، خصوصًا لإيطاليا بحكم موقعها في المتوسط. ولهذا فإن التنسيق المصري الإيطالي يكتسب بعدًا عمليًا يتجاوز الطابع الدبلوماسي الشكلي، لأن الطرفين يتشاركان مصلحة واضحة في قيام دولة ليبية مستقرة وموحدة وقادرة على بسط نفوذ مؤسساتها.
وفي هذا الإطار، كانت إيطاليا قد أكدت في أكثر من مناسبة خلال 2026 دعمها للمسار السياسي في ليبيا. وأعلنت وزارة الخارجية الإيطالية في 25 سبتمبر 2026 أن روما تؤيد العملية السياسية الليبية، وتعتبر أن التقدم في الحوار بين الأطراف الليبية يجب البناء عليه ضمن المسار الذي تسهله الأمم المتحدة. كما شاركت إيطاليا في بيان دولي صدر في 26 أغسطس 2026 داعمًا التقدم الأخير في العملية السياسية الليبية.
تحرك مصري نشط على أكثر من مسار
جولة روما لا تبدو حدثًا منفصلًا، بل تأتي ضمن نشاط دبلوماسي مصري مكثف خلال 2026 على صلة مباشرة بليبيا. فقد عقدت القاهرة في 13 مايو 2026 مشاورات سياسية أوسع مع الجانب الإيطالي تناولت ملفات إقليمية متعددة من بينها القضايا ذات الصلة بأمن المتوسط، كما شهدت الأشهر الماضية استمرار المشاورات الثنائية مع شركاء آخرين بشأن الأزمة الليبية.
كذلك برز الملف الليبي بوضوح في الاتصالات المصرية رفيعة المستوى مع روما. ففي أوائل سبتمبر 2026، زار وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني القاهرة، وأكدت الخارجية الإيطالية أن المحادثات مع المسؤولين المصريين شملت الوضع في ليبيا إلى جانب أزمات إقليمية أخرى. ويعكس ذلك أن التشاور حول ليبيا لم يعد مقتصرًا على مستوى الخبراء أو الإدارات المعنية، بل صار جزءًا ثابتًا من أجندة العلاقات السياسية بين البلدين.
ومن الجانب المصري، تُظهر البيانات الرسمية أن القاهرة تواصل كذلك العمل مع الأطراف المتصلة مباشرة بالأزمة الليبية. ففي 5 أكتوبر 2026 نفسه، عقد وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي اجتماعًا ثلاثيًا ضم نظيريه من تشاد وليبيا، وتناول أهمية التنسيق الوثيق بشأن القضايا الأمنية والسياسية والتنموية في فضاء الساحل والصحراء، وهو ما يعكس رؤية مصر لارتباط استقرار ليبيا باستقرار محيطها الإقليمي الأوسع.
العلاقات المصرية الإيطالية تمنح المشاورات وزنًا إضافيًا
تكتسب هذه الجولة أهمية إضافية لأنها تجري في ظل زخم متصاعد في العلاقات المصرية الإيطالية. فخلال 2026 انعقدت الدورة الأولى للجنة العليا المشتركة بين البلدين في القاهرة، وشهدت مباحثات موسعة شملت التعاون الاقتصادي والطاقة والاستثمار، إلى جانب تبادل الرؤى بشأن الأوضاع في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي. كما تؤكد روما رسميًا أن شراكتها مع القاهرة تشمل التنسيق حول قضايا المتوسط والاستقرار الإقليمي.
ووفق تصريحات رسمية إيطالية نُشرت في سبتمبر 2026، بلغ حجم التجارة بين مصر وإيطاليا 5.9 مليار يورو في 2025 بزيادة 11.7%، ثم سجلت المبادلات التجارية نموًا إضافيًا بنسبة 7.5% خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026. هذه الأرقام توضح أن العلاقات بين البلدين لا تنفصل فيها السياسة عن الاقتصاد، وأن استقرار ليبيا يمثل بدوره عنصرًا مؤثرًا في بيئة المتوسط التي تتحرك فيها المصالح المشتركة.
ماذا تعني جولة روما بالنسبة للقارئ المصري؟
بالنسبة للمتابع في مصر، فإن أهمية هذه المشاورات لا تكمن فقط في عنوانها السياسي، بل في الرسالة التي تحملها: القاهرة مستمرة في إدارة الملف الليبي عبر قنوات دبلوماسية نشطة ومتعددة، سواء مع دول الجوار أو مع الشركاء الأوروبيين المؤثرين. وهذا مهم لأن أي تقدم في المسار الليبي ينعكس على الأمن الحدودي المصري، وعلى حركة العمالة والتجارة، وعلى خفض مستويات التوتر في غرب المتوسط.
كما أن استضافة روما لهذه الجولة تشير إلى استمرار الرهان على التنسيق المصري الإيطالي كأحد المسارات الداعمة للاستقرار، خصوصًا في ظل التوافق النسبي بين البلدين على أولوية الحل السياسي ورفض بقاء ليبيا ساحة مفتوحة للتجاذبات الخارجية. وإذا كانت البيانات الرسمية لم تكشف بعد كل تفاصيل ما دار في اجتماع 5 أكتوبر، فإن المعطيات المتاحة ترجح أن المشاورات جاءت في إطار المتابعة الدورية الدقيقة للتطورات الليبية، مع تأكيد الحاجة إلى الحفاظ على زخم التسوية ومنع الانتكاس إلى دوائر الانقسام والفوضى.
أبرز النقاط المرتبطة بجولة المشاورات
- مكان الانعقاد: روما، إيطاليا.
- تاريخ الجولة: 5 أكتوبر 2026.
- الجهة المعلنة: السفير بسام راضي، سفير مصر لدى إيطاليا.
- موضوع المشاورات: تطورات الأوضاع في ليبيا.
- السياق الأوسع: مشاورات دورية مصرية إيطالية ودعم متواصل للمسار السياسي الليبي.
- الأهمية بالنسبة لمصر: حماية الأمن القومي وتأمين الحدود الغربية ودعم استقرار الجوار.
في المحصلة، تؤكد جولة روما أن الملف الليبي سيظل حاضرًا بقوة في التحرك المصري الخارجي، ليس فقط باعتباره أزمة إقليمية مزمنة، بل لأنه يرتبط مباشرة بمصالح مصر الاستراتيجية. ومن هنا، فإن استمرار التشاور مع إيطاليا، بوصفها طرفًا أوروبيًا فاعلًا في المتوسط وملف ليبيا، يعكس حرص القاهرة على تثبيت مقاربة تقوم على الحوار، ودعم المؤسسات، ومنع الانزلاق إلى مزيد من التعقيد في دولة تمثل استعادتها للاستقرار مصلحة مصرية وعربية ومتوسطية بامتياز.