مصر وإيطاليا توسعان التعاون الزراعي لدعم صغار المزارعين
تحرك جديد لتعزيز الشراكة الزراعية بين مصر وإيطاليا
تتجه وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي إلى توسيع مسارات التعاون الدولي الداعم لتحديث القطاع الزراعي، في وقت تزداد فيه أهمية الحلول المرتبطة بالإنتاج المستدام، وترشيد استخدام المياه، ورفع كفاءة سلاسل القيمة الزراعية. وفي هذا السياق، عقد علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي لقاءً مع تيودورو ميانو الأمين العام لمركز الدراسات الزراعية المتوسطية المتقدمة CIHEAM، في إطار زيارة عمل إلى القاهرة جرت يوم 16 فبراير 2025، لبحث توسيع التعاون مع معهد باري الزراعي المتوسطي في إيطاليا.
الاجتماع ركز على ملفات ترتبط مباشرة بأولويات الزراعة المصرية، من بينها تطبيق نظم الزراعة الذكية، وتطوير الأصناف المحصولية، ودعم صغار المزارعين، إلى جانب فتح مسارات أوسع للتدريب والبحث العلمي وجذب استثمارات إيطالية للقطاع الزراعي. كما حضر اللقاء عادل عبد العظيم نائب وزير الزراعة ورئيس مركز البحوث الزراعية، وسعد موسى المشرف على العلاقات الزراعية الخارجية.
ما الذي نوقش في اللقاء؟
بحسب ما أعلنه مركز CIHEAM في بيان عن الزيارة إلى القاهرة بتاريخ 17 فبراير 2025، فإن المباحثات تناولت تطوير مشروعات زراعية مشتركة بين مصر والمركز، مع تركيز واضح على تدريب الباحثين والطلاب، وتعزيز الابتكار، وتبني ممارسات زراعية أكثر قدرة على التكيف مع التحديات البيئية والمناخية. كما شملت المناقشات إتاحة منح لباحثي مركز البحوث الزراعية داخل معاهد المركز، ودراسة معادلة درجات الماجستير بين الجامعات المصرية والبرامج التي يقدمها المركز، بالإضافة إلى بحث إنشاء برنامج ماجستير مشترك.
ومن بين النقاط التي برزت في اللقاء أيضًا، بحث إمكانية إنشاء مكتب تنسيقي للمركز في القاهرة لتسهيل متابعة المشروعات المشتركة، إلى جانب دعم الحراك الأكاديمي والعلمي من خلال برامج دكتوراه بإشراف مشترك بين المؤسسات المصرية ومعاهد المركز المتوسطي.
لماذا يهم هذا التعاون الفلاح المصري؟
أهمية هذه المباحثات لا تتوقف عند البعد الدبلوماسي أو الأكاديمي، بل تمتد إلى ملفات تمس المزارع المصري مباشرة. فالتوسع في الزراعة الذكية يعني استخدام أدوات وتقنيات تساعد على رفع الإنتاجية، وتقليل الفاقد، وتحسين إدارة المياه والأسمدة، وهي قضايا شديدة الحساسية في بلد يضع الأمن الغذائي وندرة الموارد المائية في مقدمة أولوياته.
كما أن التركيز على تطوير الأصناف المحصولية يحمل أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى أصناف أكثر تحملًا للحرارة والملوحة والإجهاد المائي، وأقدر على التكيف مع التغيرات المناخية. ويكتسب ملف صغار المزارعين وزنًا أكبر لأنهم يشكلون قاعدة واسعة في الريف المصري، وأي برامج تدريبية أو تمويلية أو إرشادية موجهة إليهم تنعكس مباشرة على الإنتاج والدخل واستقرار الأسواق المحلية.
محاور الدعم المحتملة لصغار المزارعين
- نقل المعرفة الفنية في الزراعة الحديثة والإدارة الأفضل للموارد.
- تطوير السلالات والأصناف بما يرفع الإنتاج ويزيد القدرة على التكيف.
- ربط البحث العلمي بالتطبيق عبر مركز البحوث الزراعية والمؤسسات الشريكة.
- تحسين سلاسل القيمة للفاكهة والخضر والمحاصيل الاستراتيجية.
- توسيع فرص التدريب والمنح للباحثين والكوادر الزراعية المصرية.
ما هو مركز سيام وما علاقته بمصر؟
مركز CIHEAM، أو المركز الدولي للدراسات الزراعية المتوسطية المتقدمة، هو منظمة حكومية متوسطية تأسست عام 1962، وتضم 13 دولة عضوًا من بينها مصر. ويعمل من خلال أربعة معاهد رئيسية في باري وخانيا ومونبلييه وسرقسطة، إلى جانب مقره في باريس. ووفق بياناته الرسمية، توفر هذه المنظومة برامج تعليم وتدريب وبحث ومساعدة فنية وبناء قدرات في مجالات الزراعة والغذاء والموارد الطبيعية والتنمية الريفية.
أما مصر فهي عضو في المركز منذ 1986، وتعد من الدول الفاعلة في برامجه التدريبية والبحثية. وخلال السنوات الماضية شملت مجالات التعاون موضوعات مثل الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية والطاقة، وتحديث الري، والابتكار الزراعي. كما أشار المركز إلى مشروعات تعاون حديثة مرتبطة بمصر، بينها برامج تختبر حلولًا زراعية بيئية في الأقصر للتعامل مع تغير المناخ وندرة المياه وتحسين دخل الأسر الريفية.
رسائل مصر من اللقاء: البحث العلمي والاستثمار معًا
الرسالة الأبرز من هذا التحرك هي أن القاهرة لا تنظر إلى التعاون الزراعي الخارجي بوصفه مجرد دعم فني، بل كمسار مزدوج يجمع بين البحث العلمي والاستثمار. فمن جهة، هناك رهان على خبرات المؤسسات المتوسطية في تطوير المهارات ونقل التكنولوجيا. ومن جهة أخرى، يتقاطع ذلك مع رغبة مصر في جذب استثمارات إيطالية إلى القطاع الزراعي، سواء في الإنتاج أو التصنيع الزراعي أو الخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد.
ويأتي هذا التوجه بالتوازي مع اتصالات مصرية أخرى مع شركاء دوليين لدعم الأمن الغذائي ورفع كفاءة الإنتاج الزراعي. ففي ربيع 2025 ناقشت وزارة الزراعة أيضًا مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية الإيفاد آفاق التعاون لتحسين معيشة صغار المزارعين وزيادة قدرتهم على التكيف مع التغيرات المناخية، كما استقبلت وفدًا ضم ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والوكالة الإيطالية للتعاون من أجل التنمية لبحث مبادرات تدعم الأمن الغذائي وسلاسل القيمة الزراعية.
ماذا بعد الاجتماع؟
وفق ما أعلنه مركز CIHEAM، فقد اتفق الجانبان في ختام الزيارة على استمرار تطوير مسارات التعاون، كما تقرر أن تستضيف القاهرة اجتماع مجلس إدارة المركز في ديسمبر 2025. وتكتسب هذه الخطوة دلالة مهمة، لأنها تضع مصر في موقع متقدم داخل الحوار المتوسطي الخاص بالزراعة والغذاء والمياه والمناخ.
وخلال المرحلة المقبلة، سيكون المقياس الحقيقي لنجاح هذا التقارب هو قدرة الطرفين على تحويل المناقشات إلى برامج تنفيذية واضحة، تشمل تدريبًا فعليًا للباحثين، ومشروعات تطبيقية في الحقول، ودعمًا ملموسًا لصغار المزارعين، مع ربط ذلك كله باحتياجات السوق المصرية وأولويات الدولة في الأمن الغذائي والتنمية الريفية.
في المحصلة، يعكس اللقاء بين وزير الزراعة المصري ومسؤولي سيام باري اتجاهًا عمليًا نحو تحديث الزراعة المصرية عبر الشراكات الدولية، لكن مع إبقاء البوصلة موجهة إلى الداخل: فلاح أكثر قدرة، إنتاج أعلى، موارد مُدارة بكفاءة، واستثمار يخدم الريف المصري.