Akhbar Cairo

مصر وباب المندب: كيف تعيد القاهرة صياغة معادلة الأمن البحري؟

مصر أمام معادلة أكثر تعقيدًا في باب المندب

لم يعد مضيق باب المندب بالنسبة إلى القاهرة مجرد ممر بعيد عن حدودها المباشرة، بل تحول إلى نقطة ضغط استراتيجية تمس الاقتصاد المصري يوميًا عبر قناة السويس، وتمتد آثارها إلى سلاسل الإمداد وأسعار الشحن والتأمين وحركة التجارة العالمية. ومع استمرار التوترات في البحر الأحمر خلال 2026، تبدو مصر أمام معادلة جديدة: كيف تحافظ على أمن الملاحة ومصالحها الاقتصادية، من دون الانزلاق إلى مقاربات ترفع كلفة الأزمة بدل احتوائها؟

الزاوية المصرية في هذا الملف واضحة منذ البداية؛ فباب المندب هو البوابة الجنوبية للطريق الملاحي الذي ينتهي إلى قناة السويس. وأي اضطراب هناك ينعكس مباشرة على أعداد السفن العابرة، وعلى الإيرادات الدولارية لأحد أهم المرافق السيادية في الدولة، فضلًا عن تأثيره على مكانة مصر كمركز محوري للتجارة والخدمات البحرية.

قناة السويس في قلب المعادلة

خلال الشهور الأخيرة، كررت الدولة المصرية الربط بين أمن البحر الأحمر وأداء قناة السويس. الرئيس عبد الفتاح السيسي قال في يوليو 2026 إن الهجمات على السفن في باب المندب تسببت في خسائر تجاوزت 10 مليارات دولار من إيرادات القناة، في إشارة تعكس حجم الضغط الذي تعرض له المرفق الملاحي المصري بسبب الاضطراب الإقليمي.

وفي السياق نفسه، واصلت هيئة قناة السويس بقيادة الفريق أسامة ربيع العمل على مسارين متوازيين: الأول، تأمين استمرارية الخدمات الملاحية واللوجستية على مدار الساعة؛ والثاني، طمأنة الخطوط الملاحية الكبرى بأن القناة لا تزال جاهزة لاستقبال عودة الأحجام الطبيعية للحركة فور تحسن الأوضاع في البحر الأحمر.

أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أشار في يناير 2026 إلى تحسن ملحوظ في إحصائيات الملاحة خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مع نمو أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8%، وارتفاع الحمولات الصافية 16%، وزيادة الإيرادات 18.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي السابق. لكن هذا التحسن الجزئي لا يلغي أن المسار العام لا يزال مرتبطًا مباشرة بدرجة الاستقرار في باب المندب والبحر الأحمر.

لماذا يشكل باب المندب أولوية مصرية؟

أهمية المضيق بالنسبة إلى مصر ليست نظرية. فالممر يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وأي تهديد للملاحة فيه يدفع شركات شحن إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، وهو ما يطيل زمن الرحلات ويرفع التكاليف ويؤثر على تنافسية الطريق الملاحي المصري.

  • اقتصاديًا: تتأثر إيرادات قناة السويس مباشرة بتراجع أعداد السفن أو إعادة توجيهها.
  • أمنيًا: يرتبط استقرار البحر الأحمر بالأمن القومي المصري، خاصة في ظل قربه من المجال البحري الحيوي للدولة.
  • لوجستيًا: أي اضطراب طويل يضغط على الموانئ والخدمات البحرية وسلاسل التوريد الإقليمية.
  • سياسيًا: الملف يفرض على القاهرة تنسيقًا أكبر مع الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر.

تحرك رسمي يجمع بين الردع والدبلوماسية

الموقف المصري الرسمي في 2026 اتسم بوضوح لافت: رفض استهداف السفن والمنشآت المدنية، والدفع في الوقت نفسه نحو حلول سياسية تمنع توسيع نطاق المواجهة. ففي أغسطس 2026 أدانت وزارة الخارجية المصرية استهداف سفن في البحر الأحمر، بينها السفينة التجارية اليمنية TIHAMA التي أصيبت بصواريخ قبالة الساحل اليمني جنوب ميناء المخا في نطاق باب المندب، مؤكدة رفضها لكل ما يهدد أمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر والممرات المائية الدولية.

هذا الخطاب يعكس مقاربة مصرية متوازنة: القاهرة لا تنظر إلى باب المندب فقط باعتباره ملفًا عسكريًا، بل تعتبره قضية أمن إقليمي وتجاري تستلزم منع استهداف الملاحة من جهة، والعمل سياسيًا لخفض التوتر من جهة أخرى. ولهذا شددت الخارجية المصرية في يونيو 2026 على أنها تعمل مع السعودية والدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر، ومنها الأردن والسودان وإريتريا والصومال واليمن، للحفاظ على أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

ما الذي تغير في “المعادلة الجديدة”؟

الجديد في حسابات مصر أن الأزمة لم تعد عارضة أو قصيرة المدى كما كان يُتصور في بدايات التوتر. بل أصبح واضحًا أن القاهرة تتعامل مع احتمال استمرار الاضطراب لفترة أطول، بما يفرض إعادة ترتيب الأولويات داخل منظومة النقل البحري والخدمات اللوجستية والتصنيع البحري.

ولهذا، حضرت مسألة تطوير قناة السويس والمرافق المرتبطة بها بقوة في اجتماعات الرئاسة خلال 2026. ففي مارس وجّه الرئيس السيسي باستكمال مشروعات تطوير القناة، كما جرى بحث تقدم مشروعات تطوير ترسانة البحر الأحمر، وتصنيع الوحدات البحرية، ودعم جاهزية المواقع والمنشآت الخدمية المرتبطة بحركة الملاحة. وفي يونيو، تابع الرئيس مع أسامة ربيع الموقف الملاحي للقناة خلال العام المالي 2025/2026، إلى جانب الجدول الزمني لإطلاق وحدات بحرية جديدة.

الرسالة هنا مهمة: مصر لا تنتظر فقط عودة الاستقرار في باب المندب، بل تعيد تجهيز نفسها للاستفادة السريعة من أي تعافٍ في حركة التجارة، مع تقليل أثر الصدمات إذا استمرت الاضطرابات.

بين الخسائر الراهنة ورهان التعافي

رغم الضغوط، لا تزال القاهرة تراهن على استعادة جزء معتبر من الحركة الملاحية خلال الفترة المقبلة. هيئة قناة السويس تحدثت أكثر من مرة عن مؤشرات إيجابية لعودة بعض الخطوط تدريجيًا، وعن عودة متدرجة لناقلات وحاويات عملاقة مع تحسن نسبي في بيئة الملاحة. كما أشارت تقديرات رسمية مطلع 2026 إلى توقعات بتحسن الإيرادات في النصف الثاني من العام، إذا استمر التراجع النسبي في المخاطر الأمنية.

لكن الرهان المصري لا يعتمد فقط على انتظار العودة الطبيعية للسفن. فهناك توجه موازٍ لتنويع مصادر الدخل المرتبطة بمنطقة القناة. وفي يوليو 2026 أعلنت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أن إيراداتها غير المدققة عن العام المالي 2025/2026 بلغت 15.9 مليار جنيه، بزيادة 51% عن المستهدف في الموازنة، مع ارتفاع مساهمة الأنشطة غير المرتبطة بالموانئ إلى 19% من إجمالي الإيرادات، وهو ما يعكس محاولة واضحة لبناء هوامش حماية اقتصادية أوسع في مواجهة تقلبات الملاحة.

ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟

بالنسبة للمواطن في مصر، قد يبدو باب المندب ملفًا بعيدًا جغرافيًا، لكنه قريب اقتصاديًا. أي اضطراب ممتد في هذا الشريان البحري يمكن أن يضغط على موارد النقد الأجنبي، ويرفع كلفة التجارة والشحن، ويؤثر بصورة غير مباشرة على أسعار سلع وخدمات عديدة. لذلك تتعامل الدولة معه باعتباره ملفًا سياديًا يمس الأمن القومي والاقتصاد معًا.

وفي الوقت نفسه، يكشف الملف عن طبيعة الدور المصري في الإقليم: دور يقوم على حماية حرية الملاحة، وتجنب توسيع دوائر الصراع، ودعم التنسيق العربي والأفريقي في البحر الأحمر، مع الاستمرار في تحديث البنية البحرية الوطنية. هذه هي “المعادلة الجديدة” التي تواجهها القاهرة اليوم: تأمين المصلحة المصرية في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، وسط بيئة إقليمية شديدة التقلب.

الخلاصة

مصر لا تتعامل مع باب المندب كعنوان خبري عابر، بل كجزء من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي المباشر. ومع استمرار المخاطر في البحر الأحمر خلال 2026، تتحرك القاهرة على ثلاثة خطوط متوازية: دبلوماسية نشطة لخفض التصعيد، وتأهب تشغيلي داخل قناة السويس، واستثمار مستمر في تطوير القدرات البحرية واللوجستية. وبين هذه المسارات جميعًا، يبقى الهدف الأوضح هو حماية مكانة قناة السويس وضمان ألا يتحول اضطراب المضيق إلى خسارة طويلة الأمد للاقتصاد المصري.