مصر وعُمان: لماذا تتقدم دبلوماسية التهدئة في البحر الأحمر؟
مشاورات القاهرة ومسقط: ما الذي تقوله السياسة أكثر مما تقوله البيانات الرسمية؟
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حملت المشاورات التي جمعت وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي (@egyptmfa على إنستغرام) بنظيره العُماني بدر بن حمد البوسعيدي دلالة تتجاوز الإطار الثنائي المعتاد. فالقاهرة ومسقط لم تبحثا فقط تطوير العلاقات المصرية العُمانية، بل ناقشتا أيضًا ملفات تمس عصب الاستقرار في المنطقة: خفض التصعيد في البحر الأحمر، أمن الملاحة البحرية، وتداعيات التوتر في مضيق هرمز. ومن منظور مصري، فإن هذه العناوين ليست قضايا بعيدة، بل ترتبط مباشرة بالأمن القومي والاقتصاد، خصوصًا مع التأثير المستمر لاضطرابات البحر الأحمر على حركة التجارة وقناة السويس.
البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية أكدت أن المحادثات المصرية-العُمانية تناولت القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، مع التشديد على مواصلة التنسيق السياسي بين البلدين، فضلًا عن بحث فرص توسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارية. كما أظهرت لقاءات سابقة بين الوزيرين في مسقط والقاهرة أن ملف البحر الأحمر وأمن الممرات البحرية أصبح حاضرًا بوضوح في أجندة التواصل بين البلدين. ويأتي ذلك في ظل رؤية مشتركة تميل إلى أولوية الحلول السياسية والاحتكام إلى القانون الدولي وتخفيف التوترات بدلًا من توسيع دوائر الصدام.
لماذا تبدو عُمان شريكًا مهمًا لمصر في هذا التوقيت؟
ليست سلطنة عُمان لاعبًا صاخبًا في الإقليم، لكنها من أكثر الدول العربية رسوخًا في تبني نهج التهدئة والوساطة. هذا ما يجعل التنسيق معها مهمًا بالنسبة إلى القاهرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأزمتين مترابطتين: البحر الأحمر من جهة، ومضيق هرمز من جهة أخرى. فالممرّان يؤثران بصورة مباشرة في التجارة العالمية، وفي إمدادات الطاقة، وفي حسابات الأمن البحري للدول العربية المطلة على هذه المسارات.
العلاقات بين مصر وسلطنة عُمان شهدت خلال السنوات الأخيرة دفعة سياسية واضحة. فقد زار الرئيس عبد الفتاح السيسي مسقط في يونيو 2022، ثم زار السلطان هيثم بن طارق القاهرة في مايو 2023، قبل أن تتواصل اللقاءات الوزارية اللاحقة لتعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي. كما أشارت الخارجية المصرية في مباحثات يناير 2026 إلى السعي لتوسيع الشراكات الاقتصادية، بما في ذلك الربط البحري والتعاون اللوجستي بين الموانئ المصرية وموانئ عُمانية مثل الدقم وصلالة، وهو ما يكشف أن الحديث عن الملاحة لا يقتصر على البعد الأمني فقط، بل يشمل أيضًا حسابات التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد.
البحر الأحمر بالنسبة لمصر: أمن قومي واقتصاد في آن واحد
بالنسبة إلى القارئ المصري، قد يبدو النقاش حول حرية الملاحة عنوانًا دبلوماسيًا عامًا، لكنه في الحقيقة يمس تفاصيل يومية في الاقتصاد. فاستمرار الاضطراب في البحر الأحمر دفع كثيرًا من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها بعيدًا عن قناة السويس والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. ووفق مراجعة الأونكتاد للنقل البحري لعام 2025، فإن التجارة البحرية العالمية واصلت التأقلم مع الاضطراب المستمر في البحر الأحمر، وهو ما أدى إلى زيادة كبيرة في المسافات المقطوعة بحريًا خلال 2024 نتيجة إعادة توجيه السفن حول أفريقيا. كما حذرت المنظمة من أن أي تعطيل في هذه الممرات ينعكس على تكاليف النقل وسلاسل الإمداد العالمية.
هذه الصورة تفسر لماذا تضع القاهرة ملف سلامة الملاحة في البحر الأحمر في صدارة تحركاتها الإقليمية. فمصر ليست فقط دولة مشاطئة لممر بحري حيوي، بل هي أيضًا صاحبة قناة السويس، أحد أهم الشرايين التجارية في العالم. لذلك فإن أي تهدئة في البحر الأحمر لا تعني مكسبًا سياسيًا مجردًا، بل تعني أيضًا تخفيف الضغط على الاقتصاد المصري، وتقليص كلفة التأمين والشحن، ورفع فرص عودة السفن إلى المسار الطبيعي عبر القناة.
أمن السعودية كـ"خط أحمر": ماذا يعني سياسيًا؟
حين تؤكد الدبلوماسية المصرية أن أمن المملكة العربية السعودية لا يقبل المساومة، فهي ترسل أكثر من رسالة في وقت واحد. الرسالة الأولى موجهة إلى الإقليم: أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن أمن الدول العربية المطلة عليه وفي مقدمتها السعودية ومصر. والرسالة الثانية إلى المجتمع الدولي: حماية الملاحة لا تنفصل عن حماية استقرار الدول التي تتحكم جغرافيًا في العقد البحرية الأساسية. أما الرسالة الثالثة فهي أن القاهرة ترى أن أي توسع في التهديدات البحرية، سواء عند باب المندب أو في المسارات المؤدية إلى الخليج، يفتح الباب أمام اضطراب اقتصادي يتجاوز حدود المنطقة العربية.
هذا الربط بين أمن السعودية وأمن الملاحة ليس طرحًا إنشائيًا. فالأونكتاد أشار في إحاطة حديثة أمام مجلس الأمن إلى أن تجدد الاضطرابات حول باب المندب يؤثر في طريق بحري صار بدوره بديلًا لبعض المسارات الحساسة، وأن تجاوز بعض السفن لهذه المنطقة يطيل زمن الرحلات بصورة حادة. ومن ثم، فإن حماية أمن الدول الساحلية العربية تتحول عمليًا إلى جزء من حماية انسياب التجارة والطاقة عالميًا.
من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز: الترابط الذي لا يمكن تجاهله
المهم في المشاورات المصرية-العُمانية أنها لم تتوقف عند البحر الأحمر وحده، بل امتدت إلى أزمة مضيق هرمز أيضًا. هذا الترابط منطقي؛ لأن الأسواق لا تنظر إلى هذه الممرات باعتبارها ملفات منفصلة، بل كسلسلة واحدة من نقاط الاختناق البحرية. إذا توتر هرمز، يتأثر النفط والتأمين والشحن. وإذا اضطر البحر الأحمر، تتغير مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا. وإذا وقع الاثنان تحت الضغط معًا، تتضاعف الكلفة على الاقتصاد العالمي، وتزداد هشاشة سلاسل الإمداد.
من هنا يمكن فهم لماذا تبدو عُمان شريكًا مناسبًا في هذا النوع من المحادثات. فمسقط تملك موقعًا جغرافيًا حساسًا وخبرة سياسية طويلة في إدارة القنوات الهادئة مع أطراف متباينة. أما القاهرة، فتمثل ثقلًا عربيًا مباشرًا في معادلة البحر الأحمر وقناة السويس. وبين الموقع العُماني والثقل المصري، تتبلور دبلوماسية عربية هدفها الأساسي منع انتقال التوتر من مستوى الضغط السياسي إلى مستوى الإغلاق أو الاستنزاف البحري طويل الأمد.
ماذا تكسب مصر من هذا المسار؟
مصر تراهن هنا على أكثر من مسار في الوقت نفسه:
- سياسيًا: تثبيت حضورها كطرف عربي رئيسي في إدارة أزمات الإقليم عبر الدبلوماسية والتهدئة.
- اقتصاديًا: دعم فرص استعادة الانتظام في حركة الملاحة بما ينعكس على قناة السويس وحركة التجارة.
- استراتيجيًا: تعزيز الشراكة مع عُمان بوصفها دولة ذات وزن في ملفات التوازن الإقليمي والحوار.
- عربيًا: تأكيد الترابط بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر، بما يمنع تفكيك قضايا الأمن العربي إلى ملفات منفصلة.
واللافت أن المباحثات المصرية-العُمانية لا تتحرك في فراغ، بل تأتي ضمن سياق أوسع من التشاور المستمر بين البلدين حول غزة واليمن والسودان وسوريا، وهو ما يكشف أن القاهرة ومسقط تحاولان توسيع مساحة المقاربة السياسية في منطقة أصبحت مثقلة بالحلول الأمنية وحدها.
خلاصة المشهد
الرسالة الأهم في هذا التحرك المصري-العُماني أن أمن الملاحة لم يعد ملفًا فنيًا يخص السفن وشركات التأمين فقط، بل أصبح عنوانًا سياسيًا مركزيًا في صياغة توازنات المنطقة. ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة مثل "أمن السعودية خط أحمر" متصلة مباشرة بملف البحر الأحمر ومضيق هرمز، لا باعتبارها شعارًا، بل كقاعدة ردع سياسي تقول إن استقرار الممرات البحرية يبدأ من استقرار الدول العربية المحيطة بها.
بالنسبة لمصر، فإن هذا المسار ليس ترفًا دبلوماسيًا. إنه دفاع عن المصالح الوطنية في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع التجارة، ويتحول فيها البحر الأحمر من ممر مائي إلى اختبار حقيقي لفعالية السياسة العربية وقدرتها على نزع فتيل الأزمات قبل أن تتحول إلى كلفة مفتوحة على الجميع.