Akhbar Cairo

مصر وغزة: لماذا ترفض القاهرة التهجير وتراهن على التثبيت؟

بين السياسة والإغاثة: كيف تصوغ القاهرة معادلة البقاء في غزة؟

في كل مرة يتجدد فيها الحديث عن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، تعود القاهرة إلى النقطة نفسها: لا قبول بأي صيغة تنتهي بإخراج السكان من أرضهم، سواء قُدمت تحت لافتة “ممرات آمنة” أو “إدارة إنسانية مؤقتة” أو ترتيبات ما بعد الحرب. هذه ليست مجرد عبارة دبلوماسية متكررة، بل جزء من تصور مصري أوسع يرى أن بقاء الفلسطينيين داخل القطاع هو الشرط الأول لمنع تصفية القضية الفلسطينية، وأن أي إغاثة حقيقية لا تنفصل عن هذا الهدف السياسي والإنساني معًا.

هذا المعنى أكدته مصر رسميًا في أكثر من مناسبة خلال 2025 و2026. فقد شدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي على الرفض القاطع لأي خطط أو تصريحات تستهدف تهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، كما ربطت القاهرة بين وقف الحرب، وتدفق المساعدات، وإطلاق مسار التعافي المبكر وإعادة الإعمار مع بقاء السكان على أرضهم. وفي الإطار نفسه، تواصل وزارة الخارجية الحديث عن مؤتمر تعتزم مصر استضافته في القاهرة لدعم التعافي المبكر وإعادة إعمار غزة فور التوصل إلى وقف إطلاق النار، ضمن الخطة العربية الإسلامية المعتمدة.

اللجنة المصرية في غزة: ذراع ميدانية لفكرة “التثبيت”

إذا كانت الدبلوماسية المصرية تقول “لا للتهجير”، فإن اللجنة المصرية في غزة تحاول ترجمة هذا الرفض على الأرض إلى أدوات بقاء يومية. الموقع الرسمي للجنة يعرّفها باعتبارها لجنة تأسست بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي لدعم الشعب الفلسطيني، وتقديم مساعدات إنسانية عاجلة وبرامج إغاثية شاملة لتحسين ظروف الحياة في القطاع.

الأهمية هنا لا تكمن فقط في وجود مساعدات، بل في نوعها. فاللجنة لا تقدم نمطًا إغاثيًا ضيقًا يقتصر على الطرود الغذائية، بل تتحدث تقاريرها المحلية والإعلامية عن تدخلات تشمل المخيمات، وحفر آبار المياه، والمراكز التعليمية، وفتح الطرق وإزالة الركام، ودعم الأطفال، وتجهيزات الإيواء. وهذا يلفت النظر إلى أن القاهرة تتعامل مع غزة باعتبارها ساحة صمود مدني يجب الإبقاء على مقومات الحياة فيها، لا مجرد منطقة كوارث تُدار بمنطق الاستجابة المؤقتة.

ماذا نعرف ميدانيًا عن هذه الجهود؟

في تصريحات منشورة خلال 2026، قال محمد منصور، المتحدث باسم اللجنة المصرية في غزة، إن اللجنة تعمل على ملفات الإيواء والتعليم والصحة والخدمات داخل المخيمات. ووفق ما نقلته “المصري اليوم”، تحدث منصور عن انتشار العمل عبر 18 مخيمًا إغاثيًا داخل القطاع، وعن استهداف توزيع نحو مليون وجبة غذائية خلال شهر رمضان، وتشغيل 10 مخابز تنتج يوميًا ما يصل إلى مليون رغيف، إلى جانب إنشاء أكثر من 45 مدرسة وتقديم حزم إيواء للعائدين. كما أشار في تصريحات أخرى إلى أن أحد المخيمات الكبيرة ضم نحو 15 ألف خيمة مع خدمات بنية أساسية تشمل الكهرباء والمياه والعيادات والمدارس.

هذه الأرقام، حتى عند قراءتها بحذر صحفي، تكشف طبيعة المقاربة المصرية: تقليل دوافع النزوح الداخلي قدر الإمكان، وخلق حد أدنى من الحياة المنظمة في بيئة شديدة الانهيار. ومعنى ذلك أن رفض التهجير لا يُطرح في الخطاب المصري بوصفه موقفًا سياديًا فقط، بل باعتباره مشروعًا عمليًا لتمكين السكان من البقاء.

التعليم والصحة ليسا ملفين ثانويين

من أكثر ما يستحق التوقف في تجربة اللجنة المصرية داخل غزة هو التركيز على التعليم. ففي فبراير 2026، قال محمد منصور إن اللجنة بدأت تجهيز مدارس داخل المخيمات، مع إعادة تدوير الأخشاب لصناعة مقاعد دراسية بسبب نقص الإمكانات، وأوضح أن هناك 18 مدرسة داخل مخيمات اللجنة، إلى جانب مدارس خيام في رفح وخان يونس، مع خطط للتوسع في مناطق أخرى. في سياق الحرب الطويلة، يبدو هذا التحرك أكثر من مجرد نشاط خدمي؛ إنه رسالة ضد الانقطاع الكامل لمستقبل جيل كامل.

أما صحيًا، فيظل معبر رفح عنصرًا بالغ الحساسية. منظمة الصحة العالمية أوضحت في أبريل 2026 آلية الإجلاء الطبي من غزة إلى مصر عبر رفح، وأكدت أن تحويل المرضى يتم بناءً على إحالات طبية معتمدة. وفي تحديث لاحق للمنظمة، استؤنفت عمليات الإجلاء الطبي في 19 مارس 2026 بعد إعادة فتح المعبر، وجرى إجلاء 16 مريضًا و30 مرافقًا إلى مصر خلال مهمتين في 19 و22 مارس. كما أفادت المنظمة بأن إجمالي من جرى إجلاؤهم طبيًا من غزة إلى أكثر من 30 دولة منذ أكتوبر 2023 بلغ 11,209 مرضى و13,215 مرافقًا. بالنسبة للقارئ المصري، يكتسب هذا الرقم معنى إضافيًا: رفح ليس مجرد معبر حدودي، بل جزء من بنية الإنقاذ الإنساني حين تُغلق الخيارات الأخرى.

لماذا يهم هذا الموقف مصر تحديدًا؟

القراءة المصرية لملف غزة تجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة:

  • المستوى الوطني: القاهرة تنظر إلى أي تهجير باتجاه سيناء باعتباره مساسًا مباشرًا بالأمن القومي المصري، وليس مجرد تطور إنساني عابر.
  • المستوى العربي: التهجير، من منظور مصر، يهدد بتفريغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها العملي، ويحوّل إدارة الأزمة إلى توزيع للسكان بدل إنهاء الاحتلال.
  • المستوى الإنساني: بقاء الناس في أرضهم يحتاج إلى غذاء ومأوى ومدارس ومياه ورعاية صحية، وإلا تحول الرفض السياسي إلى شعار بلا أثر.

من هنا يمكن فهم لماذا تكرر القاهرة الربط بين وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، ورفض التهجير. فكل ملف من هذه الملفات يسند الآخر. وإذا سقط واحد منها، تصبح بقية العناصر أكثر هشاشة.

لكن هل تكفي الإغاثة وحدها؟

الإجابة الواقعية هي: لا. فالتقارير الأممية ما زالت تشير إلى فجوات كبيرة في المأوى والغذاء والخدمات الأساسية داخل غزة. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ذكر في تقريره الصادر في 11 سبتمبر 2026 استمرار التحديات المرتبطة بالمأوى والخشب اللازم للتجهيزات، وأكد أن توسيع الوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي والصحة والتغذية يظل ضرورة حاسمة، خاصة للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات. وهذا يعني أن الجهد المصري، مهما اتسع، يعمل داخل بيئة أعقد من أن تُحل بالمبادرات الميدانية وحدها.

لكن هنا تحديدًا تظهر القيمة السياسية للجنة المصرية في غزة: فهي لا تدّعي إنهاء الأزمة، بل تمنع تحوّلها الكامل إلى أمر واقع نهائي يدفع السكان دفعًا إلى الخروج. في لغة التحليل، هذه سياسة تثبيت بوسائل إنسانية، هدفها إبقاء المجتمع الفلسطيني قابلًا للحياة داخل أرضه إلى أن تتوافر شروط الحل السياسي الأوسع.

الخلاصة: الرفض المصري ليس خطابًا فقط

ما تقوله القاهرة اليوم عن غزة يمكن تلخيصه في معادلة واضحة: لا تهجير، نعم للإغاثة، نعم لإعادة الإعمار، ونعم للحل السياسي القائم على الدولة الفلسطينية. الجديد ليس في الشعار ذاته، بل في محاولة دعمه بمسارات ميدانية داخل القطاع عبر اللجنة المصرية، وبحراك دبلوماسي يربط إعادة الإعمار ببقاء الفلسطينيين في أماكنهم.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه المعادلة لا تتوقف عند حدود التضامن أو الدور الإقليمي التقليدي، بل تمتد إلى سؤال أوسع: كيف يمكن لدولة مجاورة أن تدافع عن قضية عادلة من دون أن تسمح بتحويل المعاناة الإنسانية إلى باب لتصفية الحقوق الوطنية؟ حتى الآن، يبدو أن إجابة القاهرة هي: عبر الجمع بين الموقف الصارم على الحدود، والعمل الإنساني داخل غزة، والدفع نحو إعادة إعمار لا تبدأ من الأرض الخالية، بل من شعب باقٍ على أرضه.