Akhbar Cairo

مصر وفرنسا: شراكة استراتيجية تتجاوز السلاح إلى النفوذ

لماذا عادت الشراكة المصرية الفرنسية إلى الواجهة؟

في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تبدو العلاقات بين القاهرة وباريس أكثر تماسكاً من أي وقت مضى. فالتقارب بين البلدين لم يعد مقتصراً على صفقات تسليح أو اتصالات دبلوماسية عابرة، بل تحول خلال العامين الأخيرين إلى إطار أوسع عنوانه الشراكة الاستراتيجية، بما يشمله ذلك من تنسيق سياسي، وتعاون دفاعي، وتداخل اقتصادي وتعليمي وتنموي.

هذا المسار اكتسب دفعة واضحة بعد الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر في الفترة من 6 إلى 8 أبريل 2025، وهي الزيارة التي أعلن خلالها الجانبان رفع مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية. كما أكدت الرئاسة الفرنسية آنذاك أن الزيارة استهدفت تعميق التعاون في مجالات متعددة ودعم استقرار مصر في ظل الأزمات الإقليمية المحيطة بها.

من تعاون قديم إلى إطار مؤسسي جديد

العلاقة بين البلدين ليست وليدة الأزمة الحالية. فالتعاون العسكري بين مصر وفرنسا له جذور ممتدة، وبين أبرز مؤشراته التدريب البحري المشترك «كليوباترا»، الذي واصلت القوات البحرية المصرية والفرنسية تنفيذه خلال السنوات الأخيرة في البحر المتوسط، وآخر نسخه المعلنة كانت «كليوباترا-2024» بمشاركة وحدات بحرية من الجانبين.

لكن الجديد هو انتقال هذه العلاقة من مستوى التعاون التقليدي إلى آلية سياسية منتظمة. ففي 20 أبريل 2026 استضافت القاهرة أول حوار استراتيجي رسمي بين مصر وفرنسا، برئاسة السفير محمد أبو بكر من الجانب المصري، ومارتان بريان من الجانب الفرنسي، لمراجعة ما تحقق منذ إعلان الشراكة الاستراتيجية في أبريل 2025، وبحث ملفات الأمن والهجرة والتجارة والأزمات الإقليمية.

وبعد أسابيع قليلة، عاد ماكرون إلى مصر في 9 مايو 2026، حيث شارك مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور بمدينة برج العرب الجديدة في الإسكندرية، في زيارة حملت دلالة سياسية وثقافية معاً، وأظهرت أن العلاقة بين القاهرة وباريس لا تُدار فقط عبر وزارات الدفاع والخارجية، بل تمتد أيضاً إلى التعليم والفرانكفونية والتبادل الثقافي.

الدفاع في صلب العلاقة.. لكن ليس وحده

رافال: ركيزة جوية رئيسية

في الجانب العسكري، تبرز فرنسا باعتبارها أحد أهم موردي السلاح النوعي لمصر خلال العقد الأخير. ووفق بيانات داسو للطيران، فإن التعاقدات المصرية رفعت عدد طائرات رافال العاملة أو المتعاقد عليها لصالح القوات الجوية المصرية إلى 54 طائرة، بعد الصفقة الإضافية التي أُعلن عنها في 2021. هذا الرقم يضع مصر بين أكبر مشغلي الرافال خارج فرنسا.

أهمية الرافال بالنسبة لمصر لا تتعلق فقط بعدد الطائرات، بل بطبيعة القدرات التي توفرها المنصة نفسها، إذ تصفها الشركة المصنعة بأنها مقاتلة متعددة المهام قادرة على تنفيذ الدفاع الجوي والاستطلاع والضربات الجوية والمهام المضادة للسفن في إطار تشغيلي واحد.

البحرية المصرية والاستفادة من نقل التكنولوجيا

على المستوى البحري، يظهر عمق الشراكة بشكل أوضح. فمصر حصلت خلال الأعوام الماضية على الفرقاطة متعددة المهام «تحيا مصر» من فئة FREMM، وعلى حاملتي المروحيات «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات» من طراز Mistral. كما دخلت الخدمة لدى البحرية المصرية أربع كورفيتات من فئة Gowind.

والأهم بالنسبة للقاهرة أن التعاون لم يقتصر على التسليم الجاهز؛ إذ تؤكد بيانات Naval Group الفرنسية أن 3 من أصل 4 كورفيتات Gowind جرى تجميعها أو بناؤها محلياً في ترسانة الإسكندرية ضمن مسار لنقل التكنولوجيا ورفع القدرات الصناعية. وهذه نقطة محورية بالنسبة لمصر، لأنها تعني أن الشراكة مع فرنسا دعمت جانباً من التوطين الصناعي البحري، وليس فقط التسلح.

ماذا يعني هذا لمصر في سياق أزمات 2026؟

خلال 2026، أعادت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط والبحر المتوسط إبراز قيمة العلاقات المصرية الفرنسية. فرنسا دفعت بتعزيزات عسكرية إلى المنطقة، وشمل ذلك إعادة نشر حاملة الطائرات شارل ديجول ومجموعتها القتالية إلى شرق المتوسط بقرار اتُخذ في 3 مارس 2026، بعد أن كانت قد غادرت تولون في 27 يناير 2026 ضمن انتشار مختلف في البداية.

وزارة القوات المسلحة الفرنسية أوضحت أن إعادة التموضع استهدفت حماية المصالح الفرنسية ودعم الشركاء والحلفاء في منطقة تتصاعد فيها المخاطر. كما أشارت وثائق رسمية فرنسية مرتبطة بمهمة الحاملة إلى أن الوجود البحري-الجوي الفرنسي في شرق المتوسط شكّل أداة استراتيجية لإظهار القدرة على التحرك السريع في محيط إقليمي شديد الحساسية.

من منظور مصري، لا يتعلق الأمر فقط بالاقتراب العسكري الفرنسي من المجال المتوسطي، بل بما يعنيه ذلك لملفات أمن الملاحة، واستقرار شرق المتوسط، وحماية سلاسل الإمداد التي تمس الاقتصاد المصري مباشرة، خصوصاً في ظل الارتباط الوثيق بين حركة التجارة العالمية وقناة السويس.

هرمز وقناة السويس.. تقاطع مصالح واضح

هذا التقاطع ظهر بوضوح في 17 أبريل 2026 عندما شارك ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في رئاسة مؤتمر دولي في قصر الإليزيه بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز. ووفق البيان الفرنسي-البريطاني المشترك، شاركت في المؤتمر 51 دولة لتأكيد التمسك بحرية وأمن الملاحة وضرورة إعادة فتح المضيق بشكل فوري وغير مشروط.

بالنسبة لمصر، لا يُنظر إلى استقرار هرمز باعتباره ملفاً بعيداً جغرافياً، لأن أي اضطراب حاد في إمدادات الطاقة أو خطوط التجارة البحرية ينعكس على البيئة الاقتصادية الأوسع، بما فيها حركة النقل البحري والتأمين وأسعار الشحن والتجارة العابرة إلى قناة السويس. من هنا، يصبح التنسيق مع قوة أوروبية كفرنسا في ملفات الملاحة والأمن البحري جزءاً من الحسابات المصرية الأوسع.

الشراكة لا تتوقف عند الأمن

ورغم الطابع الدفاعي البارز للعلاقة، فإن القاهرة وباريس تدفعان أيضاً باتجاه توسيعها في مجالات مدنية. ففي 6 يوليو 2026 شهد وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي مراسم التوقيع على إعلان نوايا للتعاون في مجال الهجرة بين البلدين، في خطوة وصفتها الخارجية المصرية بأنها امتداد عملي للشراكة الاستراتيجية التي أُطلقت في أبريل 2025.

اقتصادياً، تشير بيانات الإدارة العامة للخزانة الفرنسية إلى استمرار النشاط التجاري بين البلدين، مع بقاء فرنسا بين أبرز الشركاء الأوروبيين لمصر. كما أظهرت بيانات فرنسية حديثة أن الواردات المصرية من فرنسا بلغت 1.8 مليار دولار خلال السنة المالية 2024/2025، بما يجعل فرنسا ثالث أكبر مورد أوروبي لمصر خلال تلك الفترة.

خلاصة المشهد

ما يتشكل بين مصر وفرنسا اليوم يتجاوز منطق «البائع والمشتري» في التسليح. فالقاهرة تستفيد من شريك أوروبي لديه حضور سياسي وعسكري واقتصادي، بينما ترى باريس في مصر دولة محورية في المتوسط والعالم العربي وأفريقيا، وقادرة على التأثير في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والملاحة.

لهذا، فإن توصيف العلاقة بأنها شراكة استراتيجية لم يعد مجرد عنوان دبلوماسي. فبين تدريبات «كليوباترا»، وصفقات الرافال، وتوطين بناء قطع بحرية في الإسكندرية، والحوار الاستراتيجي في القاهرة، وافتتاح جامعة سنجور في الإسكندرية، يتضح أن العلاقات المصرية الفرنسية دخلت مرحلة أكثر تركيباً وعمقاً، عنوانها الأساسي: تثبيت المصالح المصرية عبر شبكة شراكات مرنة، من دون التفريط في استقلال القرار الوطني.