Akhbar Cairo

مصر ولبنان: لماذا تصر القاهرة على انسحاب إسرائيلي كامل؟

موقف مصري يتجاوز لغة الإدانة

حين قال وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي إن مصر لا يمكنها القبول بأقل من الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية، لم يكن يطرح عبارة دبلوماسية عابرة، بل كان يحدد سقفًا سياسيًا واضحًا للمقاربة المصرية تجاه الأزمة اللبنانية. هذا السقف يتسق مع ما أعلنته القاهرة رسميًا في اتصالاتها الأخيرة مع المسؤولين اللبنانيين، حيث شددت على رفض أي مساس بسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وعلى ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع التطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن 1701.

وبحسب بيانات رسمية مصرية، فإن اتصالات القاهرة مع بيروت تتم بصورة مستمرة بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشملت رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى جانب تحركات السفارة المصرية في بيروت مع الرؤساء الثلاثة في لبنان. كما جددت وزارة الخارجية المصرية في أكثر من مناسبة التأكيد على دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الوطنية، وعلى أولوية تثبيت التهدئة ومنع اتساع دائرة التصعيد في الجنوب اللبناني.

ما الذي تقوله القاهرة فعليًا؟

في القراءة السياسية، الموقف المصري لا يقف عند حدود التضامن مع بلد عربي شقيق، بل ينطلق من مبدأ أعمق: رفض تحويل الفراغ أو الاضطراب في الدول العربية إلى ذريعة لإعادة رسم الوقائع بالقوة. ولهذا تصر القاهرة على أن أي تهدئة قابلة للاستمرار يجب أن تبدأ من قاعدة قانونية واضحة، لا من ترتيبات أمنية مؤقتة تسمح ببقاء الاحتلال أو تمديده تحت أي مسمى.

البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية المصرية خلال الأشهر الماضية تُظهر بوضوح أن القاهرة تربط بين ثلاثة مسارات متلازمة: وقف الهجمات الإسرائيلية، احترام سيادة لبنان، وتمكين المؤسسات اللبنانية من بسط سلطتها على كامل أراضيها. وفي هذا الإطار، تحدثت القاهرة أيضًا عن ضرورة الإفراج عن الأسرى اللبنانيين، ووجوب انسحاب إسرائيل من النقاط اللبنانية المحتلة، بما يتفق مع قرارات الشرعية الدولية.

لماذا يتمسك المصريون بعبارة “كامل”؟

كلمة “كامل” هنا ليست تفصيلًا لغويًا. فهي تعكس رفضًا مصريًا لأي صيغة تنتقص من السيادة اللبنانية أو تخلق واقعًا انتقاليًا مفتوحًا بلا نهاية. ومن منظور مصري، فإن تجارب المنطقة خلال العقدين الأخيرين أثبتت أن أنصاف الحلول، خصوصًا حين تتعلق بالأرض والسيادة، غالبًا ما تتحول إلى أزمات مزمنة لا إلى تسويات مستقرة.

لذلك، فإن القاهرة تبدو أقرب إلى مقاربة تقول إن الاستقرار الحقيقي في لبنان يبدأ من إنهاء الاحتلال، لا من التعايش معه. وهذه نقطة مهمة لجمهور مصري يتابع ملفات الإقليم من زاوية الأمن القومي الأوسع: فكل بؤرة نزاع تبقى بلا حل نهائي تظل قادرة على إنتاج جولات جديدة من التوتر، وانعكاسات ذلك لا تبقى محصورة داخل حدود الدولة المعنية.

بين نواف سلام ونبيه بري: خريطة التواصل المصري

أحد الجوانب اللافتة في التحرك المصري هو أن الاتصالات لم تُحصر في قناة واحدة. فالقاهرة تواصلت مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (@nawafsalam على إنستغرام)، كما حافظت على التنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وتحركت عبر سفيرها في بيروت علاء موسى مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيسي المجلس والحكومة. هذه الصيغة تكشف أن مصر تتعامل مع الأزمة اللبنانية باعتبارها ملف دولة ومؤسسات، لا ملف توازنات ظرفية.

وتشير البيانات الرسمية المصرية إلى أن هذا التواصل يهدف إلى تثبيت التهدئة، وخفض التصعيد، ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية في بسط سلطتها. كما أن القاهرة تتابع ما يدور في المسار التفاوضي والاتصالات الدولية المتعلقة بجنوب لبنان، مع تأكيد ثابت على أن أي مسار سياسي أو أمني يجب ألا يكون بديلًا من مبدأ الانسحاب الكامل.

القرار 1701: المرجعية التي تعود إلى الواجهة

اللافت أن الخطاب المصري يعيد باستمرار التذكير بقرار مجلس الأمن رقم 1701، وهو القرار الذي صدر في عام 2006 لوقف الأعمال العدائية في لبنان، ونص على تعزيز دور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” ودعم انتشار القوات المسلحة اللبنانية في الجنوب. وتوضح الأمم المتحدة أن القرار ظل مرجعية أساسية لضبط الوضع على طول الخط الأزرق، مع دعوات متكررة إلى التنفيذ الكامل له من جميع الأطراف.

لكن المشكلة، من زاوية تحليلية، أن القرار 1701 ظل على مدار سنوات أقرب إلى مرجعية ناقصة التنفيذ. ولذلك فإن القاهرة، حين تستدعي هذا القرار، لا تستحضره بوصفه شعارًا أمميًا، بل باعتباره الإطار القانوني الوحيد القادر على تحويل مطلب الانسحاب من مطلب سياسي إلى التزام دولي قابل للمساءلة.

هل يكفي القرار وحده؟

الجواب الأقرب للواقع هو: لا. القرار يوفر الشرعية، لكنه لا يضمن التنفيذ من دون ضغط سياسي ودبلوماسي مستمر. وهنا تظهر وظيفة الدور المصري. فالقاهرة لا تملك أدوات عسكرية في هذا الملف، لكنها تمتلك وزنًا سياسيًا عربيًا ودوليًا يجعلها طرفًا مهمًا في تثبيت رواية السيادة اللبنانية داخل المحافل الإقليمية والدولية.

وهذا ما يفسر تكرار الرسائل المصرية الرسمية بشأن لبنان في الأشهر الأخيرة، سواء على مستوى الوزير بدر عبد العاطي أو عبر بيانات الهيئة العامة للاستعلامات ووزارة الخارجية. فالمسألة لا تتعلق فقط بتسجيل موقف، بل بمحاولة بناء كتلة ضغط دبلوماسية تحمي فكرة الدولة اللبنانية من التآكل.

بالنسبة لمصر.. لبنان ليس ملفًا بعيدًا

قد يبدو للبعض أن الملف اللبناني يخص المشرق أكثر مما يخص القاهرة، لكن السياسة الخارجية المصرية تنظر إليه بصورة مختلفة. فلبنان بالنسبة لمصر جزء من معادلة أوسع عنوانها منع انهيار الدولة الوطنية العربية. ومن هذا المنظور، يصبح الدفاع عن سيادة لبنان متصلًا بالدفاع عن فكرة الدولة نفسها في الإقليم.

كما أن القاهرة تنظر إلى إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي في لبنان باعتبارهما جزءًا من أي تسوية قابلة للحياة. ففي الاتصال المصري مع نواف سلام، طُرحت أيضًا ترتيبات اللجنة العليا المشتركة المصرية-اللبنانية، بما يفتح المجال أمام التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري ودعم برامج إعادة الإعمار. وهذه إشارة مهمة: مصر لا تريد فقط وقف الحرب، بل تريد إطارًا يعيد للدولة اللبنانية قدرتها على العمل.

خلاصة المشهد

جوهر الرسالة المصرية يمكن تلخيصه في معادلة واحدة: لا تهدئة مستقرة من دون سيادة كاملة، ولا سيادة كاملة من دون انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية. هذه ليست فقط لغة تضامن عربي، بل رؤية سياسية تقول إن التسويات الجزئية في الإقليم لم تعد تحتمل مزيدًا من الترقيع.

ومن هنا، فإن تصريح بدر عبد العاطي لا ينبغي قراءته بوصفه رد فعل إعلاميًا، بل كمؤشر على خط دبلوماسي مصري مستمر: اتصالات متواصلة مع بيروت، دعم لمؤسسات الدولة اللبنانية، تمسك بمرجعية القرار 1701، ورفض لأي صيغة تنتقص من وحدة الأرض اللبنانية. بالنسبة للقاهرة، المسألة لا تخص حدود لبنان وحدها، بل تخص شكل النظام الإقليمي العربي كله، وحدود ما يمكن القبول به حين تصبح السيادة موضوع مساومة.

  • الثابت الأول: مصر ترفض أي مساس بسيادة لبنان ووحدة أراضيه.
  • الثابت الثاني: القاهرة تربط التهدئة بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي الكامل.
  • الثابت الثالث: دعم المؤسسات اللبنانية جزء أساسي من المقاربة المصرية.
  • الثابت الرابع: القرار 1701 يبقى المرجعية القانونية الأوضح، لكنه يحتاج إلى ضغط سياسي فعلي من أجل التنفيذ.

في لحظة إقليمية شديدة السيولة، يبدو هذا الموقف المصري محاولة لإعادة تثبيت بديهيات يفترض ألا تكون محل نقاش: الأرض لا تُجزأ، والسيادة لا تُنتقص، والدولة اللبنانية يجب أن تُستعاد كاملة لا منقوصة.