Akhbar Cairo

مصر وهولندا تبحثان دعم السلام في غزة وخفض التوتر الإقليمي

اتصال مصري-هولندي يربط بين التحرك الدبلوماسي لغزة وتوسيع التعاون الثنائي

تواصل القاهرة تحركاتها الدبلوماسية على أكثر من مسار في وقت واحد: مسار يركز على وقف الحرب في قطاع غزة واستعادة التهدئة الإقليمية، وآخر يستهدف تثبيت الشراكات مع العواصم الأوروبية المؤثرة في ملفات الاستثمار والهجرة والمياه. وفي هذا السياق، بحث وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي مع وزير خارجية هولندا توم بيريندسن سبل تطوير العلاقات الثنائية، إلى جانب التشاور بشأن تطورات غزة والتوترات المتصلة بالملف الإيراني.

التحرك المصري يأتي ضمن مقاربة أوسع تعتبر أن استقرار الجوار الإقليمي، وخصوصًا في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، يرتبط مباشرة بأمن شمال أفريقيا ومصالحها الاقتصادية والإنسانية. ولهذا تطرح القاهرة باستمرار ضرورة الجمع بين وقف إطلاق النار، ونفاذ المساعدات، وفتح أفق سياسي يضمن عدم تحول الأزمات الحالية إلى دورة ممتدة من الفوضى والتصعيد.

ماذا دار في المباحثات؟

بحسب ما أوردته مصادر رسمية مصرية، تناول الاتصال بين الجانبين العلاقات المصرية الهولندية، مع التركيز على الشراكة الاقتصادية، وتشجيع الاستثمارات، وتوسيع مجالات التعاون الفني، خاصة في إدارة المياه والهجرة. كما شمل النقاش التطورات الإقليمية، وفي مقدمتها الأوضاع الإنسانية والأمنية في قطاع غزة، إلى جانب تداعيات التصعيد المرتبط بإيران على أمن المنطقة.

وتعكس هذه الأولويات طبيعة العلاقة بين القاهرة وأمستردام؛ فهولندا تعد من الشركاء الأوروبيين البارزين لمصر في مجالات التجارة والاستثمار، كما تمتلك خبرة ممتدة في إدارة الموارد المائية وحماية السواحل، وهي ملفات تحظى بحساسية خاصة بالنسبة لمصر في ظل تحديات الأمن المائي والتغيرات المناخية. وتشير وثيقة رسمية عن العلاقات الثنائية إلى أن الاستثمارات الهولندية المباشرة في مصر بلغت نحو 4 مليارات دولار في 2024، مع تركّز ملحوظ في الطاقة والصناعات الزراعية والبنية التحتية والخدمات المالية والهيدروجين الأخضر.

غزة في صدارة الاتصالات المصرية الأوروبية

الشق الأبرز في الاتصال تمثل في متابعة الملف الفلسطيني، إذ تواصل مصر عرض رؤيتها القائمة على وقف فوري ومستدام لإطلاق النار، وضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومنع التهجير، والتمسك بأن حل الدولتين يبقى المسار الوحيد لتحقيق سلام دائم. هذا الموقف كرره عبد العاطي في اتصالات ولقاءات متعددة خلال الأشهر الأخيرة مع مسؤولين أوروبيين ودوليين.

وفي اتصال سابق مع وزير الخارجية الهولندي في 9 يوليو 2026، شدد الوزير المصري على أهمية دور الاتحاد الأوروبي في دعم وقف إطلاق النار وضمان استدامته، مع تسهيل نفاذ الإغاثة الإنسانية إلى القطاع في ظل ما وصفته القاهرة بالأوضاع الكارثية داخل غزة. كما أشار إلى الجهود التي تبذلها مصر بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة لدفع مسار التهدئة وتبادل الرهائن والأسرى.

وتؤكد الدبلوماسية المصرية في أحدث مواقفها أن أي تصعيد عسكري إضافي في الإقليم لا ينبغي أن يصرف الانتباه عن الأزمة الأساسية في غزة، ولا عن الحاجة إلى ترتيبات سياسية وأمنية تضمن الاستقرار بعد وقف الحرب، بما في ذلك دعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

لماذا يبرز ملف خفض التصعيد الآن؟

المباحثات المصرية الهولندية جاءت أيضًا على خلفية توتر إقليمي أوسع. فوزارة الخارجية المصرية أكدت في أكثر من مناسبة خلال سبتمبر 2026 أهمية إفساح المجال للمسار الدبلوماسي في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، بعد الإعلان في 9 سبتمبر 2026 بالقاهرة عن اتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لاستئناف التعاون بينهما. وترى القاهرة أن تثبيت هذا المسار يحد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع تمتد آثارها إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط وأسواق الطاقة وحركة التجارة.

من هذا المنطلق، تبدو اتصالات مصر مع العواصم الأوروبية، ومنها لاهاي، جزءًا من محاولة بناء موقف دولي داعم لخفض التوتر، وعدم الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد انفجارها. وفي الرؤية المصرية، لا بديل عن التسويات السياسية والدبلوماسية إذا أريد للمنطقة أن تتجنب موجة جديدة من عدم الاستقرار تنعكس على أفريقيا والضفة الجنوبية للمتوسط.

المياه والهجرة.. مصالح عملية تتجاوز السياسة

بعيدًا عن الملفات الساخنة، يحمل التعاون المصري الهولندي أبعادًا عملية مهمة بالنسبة للقارئ المصري، خصوصًا في ملف المياه. السفارة الهولندية في القاهرة تؤكد أن التعاون بين البلدين في هذا المجال يمتد لنحو 50 عامًا، بينما تشير تقارير ومشاورات رسمية حديثة إلى استمرار التنسيق في قضايا الأنهار العابرة للحدود، والتمويل المناخي، وتقنيات الاستخدام الرشيد للمياه، وإدارة الدلتا والمناطق الساحلية.

أما في ملف الهجرة، فتعتبره القاهرة مجالًا للتنسيق الفني والسياسي مع الجانب الهولندي، لا سيما في ضوء الضغوط التي تتحملها مصر نتيجة موقعها الجغرافي ودورها في الحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية عبر سواحلها. وخلال جولة مشاورات سياسية مصرية-هولندية في لاهاي، جرى الحديث عن ترجمة إعلان نوايا بين البلدين إلى مشروعات مشتركة، مع زيادة برامج التدريب والتعاون الفني في مجالات التحقق من الهويات وإدارة الحدود.

دلالة التحرك بالنسبة لمصر وأفريقيا

رغم أن الملف المطروح يرتبط مباشرة بغزة وأوروبا، فإن زاويته الأفريقية تبدو واضحة. فمصر تتحرك باعتبارها دولة أفريقية متوسطية تتأثر مباشرة بأي اضطراب إقليمي ينعكس على الأمن الغذائي والطاقة والممرات البحرية وحركة النزوح. كما أن ملف المياه، وهو من أكثر الملفات التصاقًا بأولويات القارة، يمنح التعاون المصري الهولندي بعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية إلى تبادل الخبرات في التكيف المناخي والتنمية المستدامة.

وفي المحصلة، تعكس المباحثات بين بدر عبد العاطي ونظيره الهولندي مسارين متوازيين في السياسة الخارجية المصرية: الأول العمل على وقف النزيف في غزة ومنع انفجار إقليمي أشمل، والثاني استخدام قنوات الشراكة مع أوروبا لدعم الاقتصاد والتكنولوجيا والتعاون الفني. وبين المسارين، تحاول القاهرة تثبيت معادلة ترى أن الأمن الإقليمي لا ينفصل عن التنمية، وأن السلام لا يمكن فصله عن ملفات المياه والهجرة والاستثمار التي تمس الحياة اليومية لشعوب المنطقة، من شمال أفريقيا إلى الضفة الأوروبية للمتوسط.