مضيق هرمز تحت الضغط: هل تُربك إيران حسابات واشنطن؟
لماذا عادت أزمة مضيق هرمز إلى الواجهة؟
أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فتح باب الجدل حول القدرات الإيرانية في محيط مضيق هرمز بعدما قال، في حديثه عن الوضع هناك، إن الرصد الأمريكي يواجه صعوبة في تحديد ما إذا كانت طهران تحتفظ بأهداف أو قدرات موزعة “هنا أو هناك” على الساحل. ورغم أن العبارة بدت مختصرة، فإنها تعكس معضلة عسكرية أوسع: التعامل مع خصم لا يعتمد فقط على القواعد الكبيرة أو القطع البحرية المكشوفة، بل على الانتشار المتشظي، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، ومنصات الصواريخ المتحركة، واستخدام الموانئ والمنشآت الساحلية المدنية في بيئة بحرية شديدة الحساسية.
هذه المسألة ليست بعيدة عن القارئ في مصر. فأي اضطراب طويل في حركة الشحن والطاقة عبر الخليج يضغط على أسواق النفط والغاز العالمية، ويؤثر في خطوط التجارة المرتبطة بالبحر الأحمر ثم قناة السويس. ولذلك فإن متابعة ما يجري في هرمز ليست مجرد شأن خليجي أو أمريكي، بل جزء من مشهد أوسع يمس الأمن الاقتصادي في المنطقة كلها.
تصريحات ترامب: اعتراف ضمني بطبيعة التهديد
في مداخلات رسمية خلال 2026، تحدث ترامب أكثر من مرة عن المضيق بوصفه ساحة يمكن للولايات المتحدة “مراقبتها” أو إعادة فتحها، لكنه أقر أيضاً بأن المشهد ليس بسيطاً على الأرض. وفي تصريحات منشورة في السجل الرئاسي الأمريكي، قال إن إيران “من الناحية العسكرية” لم تعد تملك التفوق، لكنه أضاف أن ما تقوم به هو “تعطيل” المضيق، وهو توصيف ينسجم مع نمط الحرب غير المتكافئة أكثر من كونه مواجهة بحرية تقليدية. كما وصف فتح المضيق بأنه “مناورة عسكرية بسيطة” من حيث المبدأ، قبل أن يربطه بالحاجة إلى عدد كبير من السفن والدعم الدولي. هذا التناقض الظاهر بين التبسيط السياسي والتعقيد العملي يفسر لماذا بدت عبارته عن صعوبة تحديد الأهداف لافتة للانتباه.
القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM كانت قد أوضحت في إفادات علنية أن الولايات المتحدة دفعت بمدمرات قادرة على الدفاع الصاروخي، وأكثر من 100 طائرة ومنصة غير مأهولة، ونحو 15 ألف عسكري لتأمين مظلة حماية فوق الممر الملاحي. كما تحدثت عن إسقاط تهديدات من صواريخ كروز ومسيّرات وزوارق سريعة، ما يعني أن الخطر ليس نظرياً أو محصوراً في بطاريات ثابتة يمكن اصطيادها بسهولة.
ما الذي يجعل تحديد الأهداف الإيرانية صعباً؟
تكمن الصعوبة الأساسية في أن إيران لا تحتاج إلى حشد بحري تقليدي كبير حتى تؤثر في الملاحة. فالمضيق ضيق وحساس، وأي تهديد محدود نسبياً قد يرفع كلفة التأمين والشحن، أو يدفع بعض السفن إلى التأخير وإعادة الحسابات. وتفيد تقارير رسمية أمريكية بأن القوات الإيرانية استخدمت مرافق مدنية وموانئ على امتداد ساحل هرمز في أعمال عسكرية، وهو ما يزيد تعقيد الاستخبارات والتمييز بين المدني والعسكري، خصوصاً عندما تُنشر المعدات بصورة متفرقة أو متحركة.
وتدعم تحليلات عسكرية منشورة في وسائل دولية هذا التقييم؛ إذ تشير إلى أن طهران بنت على مدى سنوات طويلة قدرات غير متماثلة تسمح لها بإرباك الملاحة عبر مزيج من الألغام، والزوارق الصغيرة، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة، مع الاستفادة من الجغرافيا الوعرة واتساع الساحل الإيراني المطل على الخليج وخليج عُمان. لذلك، حتى إذا نجحت واشنطن في تحييد منشآت كبرى، يبقى خطر “القدرات المتخفية” قائماً.
أهمية المضيق: أرقام تفسر حجم القلق
بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مر عبر مضيق هرمز في النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل البترولية، أي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، إضافة إلى كونه ممراً رئيسياً للغاز الطبيعي المسال. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية في تقاريرها الحديثة أن استئناف العبور الطبيعي عبر هرمز يظل العامل الأهم لتهدئة أسواق الطاقة وخفض الضغوط على الأسعار.
هذه الأرقام تفسر لماذا لا تُقاس الأزمة فقط بعدد الضربات أو السفن المنتشرة، بل بمدى الثقة في سلامة العبور. فالمشكلة في مثل هذه الممرات الاستراتيجية ليست الإغلاق الرسمي وحده، بل أن يكفي ارتفاع المخاطر لكي تتباطأ الحركة وترتفع تكاليف التأمين والشحن والطاقة.
ما الذي تقوله الوقائع العسكرية الأمريكية؟
في يونيو 2025، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية تنفيذ ضربات على منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، مع تأكيد أن الهدف كان البرنامج النووي لا القوات الإيرانية أو المدنيين. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن أي نجاح تكتيكي ضد مواقع محددة لا يعني إنهاء قدرة إيران على الضغط في المضيق. فالقيادة المركزية الأمريكية تحدثت لاحقاً عن عمليات لحماية سفن تجارية، وفتح ممرات آمنة، والتعامل مع تهديدات متكررة من البحر والجو.
بمعنى آخر، حتى لو كانت واشنطن قادرة على توجيه ضربات دقيقة، فإن السيطرة الكاملة على بيئة عمليات بهذا التعقيد تحتاج إلى استنزاف طويل، ومراقبة متواصلة، وتحالفات بحرية متماسكة، وهي أمور لا تُحسم بتصريح سياسي واحد.
بين الخطاب السياسي والواقع الميداني
غالباً ما تميل التصريحات الرسمية إلى إظهار الحسم والقدرة على الردع، لكن الميدان البحري في هرمز يفرض حسابات أكثر تعقيداً. فالمضيق يقع بين إيران وسلطنة عُمان، وهو معبر دولي حساس يربط الخليج بخليج عُمان ثم بحر العرب. وأي اشتباك فيه لا يطال طرفين فقط، بل ينعكس فوراً على أسواق الطاقة، وشركات النقل، والدول المستوردة، والدول التي تمر عبرها التجارة لاحقاً.
من هنا يمكن قراءة كلام ترامب عن صعوبة تحديد ما لدى إيران على الساحل باعتباره اعترافاً غير مباشر بأن واشنطن تواجه خصماً يراهن على التمويه، وتوزيع القدرات، والإبقاء على مستوى من الغموض يمنع تحقيق “نصر نظيف” وسريع في بيئة بحرية مزدحمة.
لماذا يهم ذلك مصر تحديداً؟
من الزاوية المصرية، فإن أي توتر مزمن في هرمز يضغط على الاقتصاد الإقليمي عبر مسارين أساسيين. الأول هو أسعار الطاقة، لأن أي اضطراب في أحد أهم شرايين النفط والغاز ينعكس على تكلفة الاستيراد وسلاسل الإمداد. والثاني هو حركة التجارة بين الخليج وآسيا من جهة، والبحر الأحمر والبحر المتوسط من جهة أخرى، وهي شبكة ترتبط في نهايتها بقناة السويس كممر حيوي للتجارة العالمية.
صحيح أن هرمز يقع شرق شبه الجزيرة العربية، لكنه جزء من سلسلة ممرات مترابطة تؤثر في تدفقات السفن، والتأمين البحري، وزمن الرحلات، وقرارات شركات الشحن بشأن المسارات البديلة. ولهذا فإن أي قراءة مصرية للمشهد يجب ألا تنظر إلى الأزمة باعتبارها حدثاً أمريكياً إيرانياً فقط، بل كملف أفريقي-آسيوي واسع التأثير على الإقليم الممتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
الخلاصة: معضلة مستمرة لا تُحسم بسهولة
المؤكد أن تصريحات ترامب لم تأتِ من فراغ. فحتى مع التفوق العسكري الأمريكي، لا تزال إيران قادرة على تعقيد المشهد في مضيق هرمز عبر أدوات منخفضة الكلفة وعالية الإرباك. وهذا ما يجعل مسألة “تحديد الأهداف” أكثر تعقيداً من استهداف مواقع ثابتة أو قطع بحرية كبيرة.
النتيجة الأهم هي أن هرمز سيبقى، في المدى المنظور، اختباراً مزدوجاً: لاختبار قدرة واشنطن على حماية حرية الملاحة، ولاختبار قدرة طهران على استخدام الجغرافيا والانتشار غير التقليدي كورقة ضغط استراتيجية. وبين هذين الحدين، تظل الأسواق العالمية، والدول العربية المطلة على مسارات التجارة والطاقة، وبينها مصر، في دائرة التأثر المباشر بما يجري على هذا الساحل شديد الحساسية.