Akhbar Cairo

مضيق هرمز على طاولة الناتو: لماذا يهم القاهرة؟

قمة أنقرة تختبر حدود دور الناتو خارج الجغرافيا التقليدية

تحوّل مضيق هرمز من جديد إلى بند سياسي وأمني ضاغط على أجندة الغرب، بعد تأكيد تقارير متقاطعة أن قادة حلف شمال الأطلسي سيبحثون ملف حرية الملاحة في المضيق خلال قمة الناتو المرتقبة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026. وبحسب ما نقلته رويترز قبل القمة، فإن تركيا تستضيف 32 زعيمًا من دول الحلف إلى جانب مسؤولين من الخليج ومنطقة آسيا-الهادئ، في اجتماع تريد له أنقرة أن يبرز تماسك الحلف في لحظة توتر دولي معقدة.

المثير هنا ليس فقط إدراج هرمز على جدول الأعمال، بل ما يكشفه ذلك عن اتساع مفهوم الأمن الأطلسي نفسه. فالحلف الذي نشأ للدفاع الجماعي في المجال الأوروبي-الأطلسي يجد نفسه اليوم مضطرًا لمناقشة ممر بحري يمر عبره جانب بالغ الحساسية من تجارة النفط والغاز العالمية، بما يحمله ذلك من تأثير مباشر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم العالمي.

ما الذي تأكد حتى الآن؟

المعطيات المتاحة من مصادر موثوقة تشير إلى ثلاث نقاط أساسية. أولًا، قال وزير الدفاع التركي يشار غولر لرويترز إن قمة أنقرة ستنعقد في الأسبوع التالي لـ30 يونيو، وإن من أولوياتها إظهار وحدة الحلف ورفع مستوى الردع، في وقت تشكو فيه واشنطن من ضعف مشاركة الحلفاء في جهود إعادة فتح وتأمين الملاحة في مضيق هرمز. ثانيًا، أوردت بوابة الأهرام نقلًا عن رويترز في 3 يوليو 2026 أن مشروع البيان الختامي للقمة يتضمن تأكيدًا على أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحًا نوويًا، مع دعوة واضحة لاحترام حرية الملاحة في مضيق هرمز. ثالثًا، سبق للأمين العام للحلف مارك روته أن قال في مايو 2026 إن هرمز يثير قلق جميع الحلفاء، لكنه قد لا يكون بالضرورة ملفًا يتولاه الناتو كمنظمة عسكرية بصورة مباشرة.

هذه الصياغة الأخيرة مهمة للغاية؛ لأنها تعني أن الحلف يفضل حتى الآن الإبقاء على هامش مناورة سياسي. بمعنى آخر، هناك اعتراف بخطورة المضيق، لكن من دون التسرع في تحويل الأزمة إلى مهمة أطلسية مكتملة الأركان، بما قد يفتح الباب لتصعيد أكبر مع إيران أو يفاقم الانقسام بين الولايات المتحدة وبعض الشركاء الأوروبيين.

لماذا يشغل هرمز الناتو أصلًا؟

الجواب المباشر هو الطاقة. مضيق هرمز ليس مجرد معبر بحري إقليمي، بل شريان حيوي للتجارة الدولية، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار النفط والغاز، وأقساط التأمين البحري، وكلفة الشحن، ومن ثم على الأسواق العالمية برمتها. لهذا تبدو حرية الملاحة في المضيق اليوم قضية تتجاوز دول الخليج إلى أوروبا والولايات المتحدة وآسيا.

لكن خلف هذا الجواب الاقتصادي توجد طبقة سياسية أعمق. فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تضغط، وفق تقارير رويترز خلال الأشهر الماضية، من أجل التزامات أوروبية أكثر وضوحًا في ملف هرمز، بالتوازي مع ضغوطها المعتادة لزيادة الإنفاق الدفاعي وتحمل الأوروبيين قسطًا أكبر من أعباء الأمن الدولي. هنا يصبح المضيق جزءًا من معركة أوسع داخل الحلف نفسه: من يدفع؟ ومن يقرر؟ ومن يتقدم إلى الواجهة عندما تشتعل الأزمات خارج أوروبا؟

بين “أمن الملاحة” و”توسيع مهمة الحلف”

من منظور تحليلي، يبدو أن طرح هرمز في قمة أنقرة يحمل رسالتين متوازيتين. الرسالة الأولى موجهة إلى إيران، ومفادها أن تعطيل المرور في المضيق أو فرض وقائع جديدة عليه لن يُنظر إليه كقضية محلية، بل كملف يمس الأمن الاقتصادي العالمي. أما الرسالة الثانية فموجهة إلى الداخل الأطلسي نفسه: الولايات المتحدة تريد من حلفائها أن يثبتوا أن الناتو ليس مجرد مظلة ردع أوروبية، بل أداة قادرة على حماية المصالح الغربية حين تتعرض طرق التجارة والطاقة للتهديد.

مع ذلك، لا يزال هناك فارق بين مناقشة الملف سياسيًا وبين إطلاق عملية أطلسية رسمية. تصريحات روته التي فرّقت بين “قلق الحلفاء” و”دور الحلف كمنظمة” تعكس هذا التردد. وبعض العواصم الأوروبية يدرك أن أي انخراط عسكري مباشر تحت راية الناتو في الخليج قد يحمّل الحلف تكلفة استراتيجية عالية، في وقت يواجه فيه أصلًا تحديات متصاعدة في أوروبا الشرقية ودعم أوكرانيا.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، قد يبدو النقاش عن مضيق هرمز شأنًا بعيدًا جغرافيًا، لكنه في الحقيقة شديد الصلة بالمصلحة المصرية. فمصر تتأثر بأي هزة في أسواق الطاقة العالمية، سواء عبر فاتورة الاستيراد، أو تكلفة النقل، أو الضغوط التضخمية التي تنتقل من الخارج إلى الداخل. كما أن اضطراب الملاحة في الخليج ينعكس على حركة التجارة الأوسع في المنطقة، بما في ذلك المسارات المرتبطة بالبحر الأحمر وقناة السويس.

ومن زاوية أخرى، فإن كل توتر طويل الأمد في هرمز يضيف عبئًا على اقتصاد عالمي لم يتعافَ بالكامل من اختناقات سلاسل الإمداد. وهذا يهم مصر ليس فقط كدولة مستهلكة للطاقة ومستوردة لبعض احتياجاتها، بل أيضًا كدولة تراهن على موقعها الملاحي وعلى جذب الاستثمارات في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة.

لهذا فإن متابعة القاهرة لمثل هذه القمم لا تكون من باب الاصطفاف السياسي فقط، بل من باب الحسابات الاقتصادية الدقيقة. فاستقرار الممرات البحرية من الخليج إلى البحر الأحمر لم يعد ملفًا أمنيًا صرفًا، بل عنصرًا من عناصر الأمن الاقتصادي للدول العربية، وفي مقدمتها مصر.

أنقرة بين الجغرافيا والدور

اختيار أنقرة لاستضافة القمة يضيف بدوره طبقة أخرى من الدلالة. فتركيا عضو محوري في الحلف، لكنها في الوقت نفسه لاعب إقليمي يحتفظ بقنوات اتصال متنوعة ومعقدة مع الشرق الأوسط وروسيا والغرب. استضافة قمة تبحث هرمز تمنح أنقرة فرصة لتقديم نفسها كوسيط جغرافي وسياسي بين المجال الأطلسي ومسرح الأزمات في المنطقة.

وبالنسبة لتركيا، فإن نجاح القمة لا يقاس فقط ببيان ختامي متماسك، بل بقدرتها على إظهار أن الحلف لا يزال قادرًا على التكيف مع بيئة أمنية متحركة، من أوكرانيا إلى الخليج. وهذا ما قاله غولر صراحة عندما وصف ما يمر به الناتو بأنه عملية تكيّف مع بيئة أمنية متغيرة، لا أزمة وجودية.

السيناريو الأرجح بعد القمة

السيناريو الأقرب، وفق المؤشرات المتاحة، هو صدور موقف سياسي داعم لحرية الملاحة ورافض لأي تهديد للمضيق، من دون إعلان مهمة عسكرية أطلسية واسعة ومباشرة. وقد يتضمن ذلك تشجيع تحركات منسقة بين دول أعضاء، أو دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا، أو غطاءً سياسيًا لمبادرات تقودها دول بعينها خارج الإطار المؤسسي الصارم للناتو.

هذا السيناريو يناسب أغلب الأطراف: يمنح واشنطن إشارة دعم، ويجنب الأوروبيين قفزة عسكرية غير محسوبة، ويتيح لتركيا تقديم القمة بوصفها منصة لإدارة التوازنات لا لتفجيرها. لكنه يبقى حلًا مؤقتًا، لأن أصل الأزمة لا يتعلق بالملاحة وحدها، بل بالصراع الأوسع حول إيران، وتوازن الردع في الخليج، وشكل الالتزام الأمريكي بأمن العالم في مرحلة تتزايد فيها الشكوك.

  • سياسيًا: إدراج هرمز على أجندة القمة يعني توسيع تعريف التهديد داخل الناتو.
  • اقتصاديًا: أي اضطراب في المضيق يضغط على أسعار الطاقة والشحن والتأمين.
  • مصريًا: التأثير يمر عبر التضخم، وكلفة التجارة، وبيئة الملاحة الإقليمية.
  • استراتيجيًا: النقاش يكشف استمرار الخلاف داخل الحلف حول توزيع الأعباء.

في النهاية، ليست أهمية الخبر في أن قادة الناتو سيتحدثون عن مضيق هرمز فحسب، بل في أن هذا الحديث يكشف كيف باتت الجغرافيا الاقتصادية تفرض نفسها على خرائط الأمن التقليدي. ومن هنا، فإن ما يجري في أنقرة هذا الأسبوع يجب أن يُقرأ في القاهرة بوصفه جزءًا من معادلة أكبر: أمن الممرات البحرية لم يعد شأنًا خليجيًا أو غربيًا فقط، بل قضية تمس مباشرة استقرار الاقتصاد المصري وحسابات المنطقة بأكملها.