Akhbar Cairo

مطالب برلمانية بخريطة زمنية لإصلاح بنك الاستثمار القومي

لماذا عاد ملف بنك الاستثمار القومي إلى صدارة النقاش؟

فتح مجلس الشيوخ، برئاسة المستشار عصام فريد، في جلسة عامة عُقدت يوم 26 أكتوبر 2026، باب النقاش مجددًا حول مستقبل بنك الاستثمار القومي، في سياق أوسع يتصل بكفاءة الاستثمار العام، ودور الدولة في توجيه التمويل التنموي، وحدود الشراكة مع القطاع الخاص. وبحسب ما نشرته صحف مصرية وتقارير رسمية، فقد تناولت الجلسة طلبَي مناقشة عامة بشأن تطوير دور البنك وتعزيز مساهمته في تمويل التنمية وإدارة الأصول بصورة أكثر كفاءة.

ورغم أن الصياغات المتداولة في بعض المواد الإخبارية أشارت إلى مطالبات من نواب بوجود خطة زمنية واضحة لتطوير البنك، فإن الثابت من المصادر المتاحة أن مجلس الشيوخ ناقش بالفعل ملف تطوير البنك في إطار أوسع يشمل إعادة توجيه بعض الاستثمارات، ودعم الشراكة مع القطاع الخاص، وتحديث أدوات تمويل البنية الأساسية والمشروعات التنموية. وهذا الفارق مهم؛ لأن القضية لم تعد مجرد مطلب سياسي عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على تحويل وعود الإصلاح المؤسسي إلى مسار معلن يمكن متابعته ومحاسبة المسؤولين عليه.

ما الذي يريده البرلمان فعليًا من الحكومة؟

جوهر الرسالة البرلمانية واضح: لا يكفي الحديث عن إعادة الهيكلة في العموم، بل يجب أن تقترن العملية بجداول تنفيذ ومؤشرات أداء وتوقيتات معلنة. فملف تطوير بنك الاستثمار القومي ظل مطروحًا منذ سنوات، لكن حساسيته زادت مع سعي الدولة إلى رفع كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع مساهمة القطاع الخاص، وتقليص التشابكات المالية التاريخية بين المؤسسات الحكومية. لذلك، فإن أي نقاش جاد داخل البرلمان يتجاوز البعد الإجرائي، ليصل إلى سؤال أكبر: كيف يمكن أن يتحول البنك من وعاء تقليدي لتمويل الخطة إلى ذراع استثماري وتنموي أكثر مرونة وشفافية؟

ومن زاوية تحليلية، فإن مطالبة الحكومة ببرنامج زمني ليست مطلبًا شكليًا. في التجربة المصرية، كثير من ملفات الإصلاح تتأخر لا بسبب غياب الرؤية فقط، بل بسبب غياب الإطار الزمني القابل للقياس. وعندما يتعلق الأمر بمؤسسة بحجم بنك الاستثمار القومي، فإن التأخير ينعكس على تمويل مشروعات، وعلى إدارة أصول، وعلى كفاءة تخصيص الموارد العامة نفسها.

أين يقف البنك الآن في مسار إعادة الهيكلة؟

المصادر الرسمية تشير إلى أن الحكومة تمضي بالفعل في مسار إعادة هيكلة البنك. ووفق بيانات منشورة على موقع البنك ومواد صادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات، ترأس الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية ورئيس مجلس إدارة البنك، اجتماعًا لمجلس الإدارة يوم 6 أبريل 2026 لمتابعة جهود إعادة الهيكلة، وتعظيم دور البنك كذراع استثماري وتنموي للحكومة، مع ربط الإتاحة التمويلية بمعدلات التنفيذ الفعلية، ومواصلة الربط الرقمي بين وزارة التخطيط ووزارة المالية والبنك.

كما أظهرت تصريحات رسمية خلال 2026 أن خطة التطوير لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تشمل أيضًا إدارة المحفظة الاستثمارية، وتعظيم قيمة الأصول، وإصلاح النظم التشغيلية الداخلية. وفي سبتمبر 2026، جرى التأكيد رسميًا على أن مجلس إدارة البنك ينفذ خطة استثمارية متكاملة تقوم على شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص لتحقيق أفضل استخدام للأصول المنقولة إلى البنك.

هذا يعني أن الحديث عن الإصلاح لم يعد نظريًا بالكامل، لكنه ما زال يحتاج—من وجهة نظر برلمانية وسياسية—إلى مزيد من الوضوح العام بشأن المراحل والأولويات ونتائج كل مرحلة. وهنا تحديدًا تبرز أهمية ضغط مجلس الشيوخ: تحويل ما يُناقش داخل اللجان ومجالس الإدارات إلى التزامات مفهومة للرأي العام وصناع القرار والمستثمرين.

فض التشابكات المالية: العقدة الأصعب

أحد أكثر الملفات تعقيدًا في مسار إصلاح البنك هو ملف التشابكات المالية التاريخية. فالحكومة أعلنت في 2026 توقيع اتفاقيتين إطاريتين لفض تشابكات تعود بعض جذورها إلى ثمانينيات القرن الماضي، بإجمالي مبالغ تصل إلى 196 مليار جنيه. هذا الرقم وحده يكشف أن المشكلة ليست إدارية فحسب، بل هيكلية وممتدة، وأن إصلاح البنك لا يمكن فصله عن إصلاح العلاقة المالية بينه وبين جهات الدولة المختلفة.

ومن منظور اقتصادي، فإن نجاح هذه التسويات لا يعني فقط تنظيف دفاتر قديمة، بل يفتح مساحة أوسع أمام البنك للقيام بدور أكثر فاعلية في تمويل التنمية بدلًا من الانشغال بأعباء تراكمية. كما أن تسوية المديونيات والتشابكات تتيح قراءة أكثر دقة للمركز المالي، وهو شرط أساسي لأي حديث جاد عن الحوكمة أو الشراكات أو التوسع في الأنشطة الجديدة.

لماذا يهم هذا الملف القارئ المصري؟

قد يبدو بنك الاستثمار القومي، للوهلة الأولى، مؤسسة بعيدة عن الحياة اليومية للمواطن. لكن الواقع أن دوره يرتبط بتمويل مشروعات مدرجة في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وهي الخطة التي تمس قطاعات البنية الأساسية والخدمات والاستثمار العام. البنك أُنشئ بموجب القانون رقم 119 لسنة 1980 لتمويل مشروعات الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، سواء عبر المساهمة في رؤوس الأموال أو القروض أو غيرها من أدوات التمويل، مع متابعة التنفيذ.

بمعنى آخر، فإن أي تحسن في كفاءة البنك يمكن أن ينعكس على جودة إدارة الاستثمارات العامة، وسرعة تنفيذ المشروعات، ورفع العائد التنموي من الأموال الموجهة إليها. وفي المقابل، فإن بطء الإصلاح يعني استمرار جزء من الضغوط على المالية العامة، وبقاء بعض الأصول والاستثمارات دون الاستغلال الأمثل.

ما الذي يجب أن تتضمنه الخطة الزمنية المطلوبة؟

إذا أرادت الحكومة الاستجابة للمناخ البرلماني الحالي بشكل مقنع، فالأرجح أن الخطة الزمنية المنتظرة يجب أن تتضمن عناصر محددة، من بينها:

  • جدولًا واضحًا لخطوات إعادة الهيكلة المالية والإدارية.
  • مؤشرات أداء لقياس التقدم في فض التشابكات وتسوية المديونيات.
  • خطة لاستثمار الأصول بالشراكة مع القطاع الخاص حيث يكون ذلك مجديًا اقتصاديًا.
  • آليات حوكمة ورقمنة تربط التمويل بمعدلات التنفيذ الفعلي للمشروعات.
  • إفصاحًا دوريًا يتيح للبرلمان والرأي العام متابعة النتائج لا الاكتفاء بالعناوين العامة.

هذه النقاط ليست ترفًا إداريًا؛ بل صارت جزءًا من لغة الإصلاح الاقتصادي نفسها، خصوصًا مع تأكيد الحكومة في أكثر من مناسبة أن المرحلة الراهنة تتطلب رفع كفاءة الاستثمار العام وإعطاء مساحة أكبر للقطاع الخاص ضمن رؤية مصر 2030.

بين الرسائل السياسية والضرورات الاقتصادية

في التوقيت الحالي، تحمل مناقشات مجلس الشيوخ رسالة مزدوجة. الأولى سياسية، مفادها أن البرلمان يريد رؤية أوضح لملف ظل يتحرك داخل دوائر فنية وحكومية مغلقة نسبيًا. والثانية اقتصادية، مؤداها أن إصلاح المؤسسات المالية والتنموية لم يعد مسألة داخلية تخص البيروقراطية فقط، بل جزء من معركة أوسع لتحسين كفاءة الدولة في إدارة الموارد.

لذلك، فإن قيمة النقاش لا تتوقف عند أسماء النواب أو تفاصيل الجلسة، بل فيما إذا كانت الحكومة ستنتقل من مرحلة إعلان النوايا إلى مرحلة الإفصاح الزمني والتنفيذي. وبالنسبة لملف بحجم بنك الاستثمار القومي، فإن هذا الانتقال هو الفارق بين إصلاح يُدار خلف الأبواب، وإصلاح يمكن قياسه ومراجعته ومحاسبة القائمين عليه.

في المحصلة، قد تبدو المطالبة بخطة زمنية تفصيلًا إجرائيًا، لكنها في الحقيقة عنوان لمرحلة جديدة من النقاش حول دور بنك الاستثمار القومي في الاقتصاد المصري: هل يظل مجرد أداة تقليدية لتمويل الخطة، أم يتحول بالفعل إلى مؤسسة أكثر حداثة وفعالية ووضوحًا؟ هذا هو السؤال الذي وضعه مجلس الشيوخ على الطاولة، والذي سيظل مطروحًا ما دامت إجابات التنفيذ لم تكتمل بعد.