مطالب برلمانية في الشيوخ لحصر الواردات القابلة للتصنيع محليًا
دعوة داخل مجلس الشيوخ لإعداد خريطة واضحة للواردات الممكن تصنيعها في مصر
عاد ملف تعميق التصنيع المحلي إلى صدارة النقاشات الاقتصادية تحت قبة مجلس الشيوخ، مع مطالبة برلمانية بإعداد خريطة دقيقة للسلع والمنتجات التي تستوردها مصر رغم توافر فرص حقيقية لتصنيعها محليًا. ويعكس هذا الطرح اتجاها متزايدا داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية نحو خفض فاتورة الواردات، ورفع نسبة المكون المحلي، وتوسيع قاعدة الإنتاج الصناعي في وقت تزداد فيه أهمية ترشيد استخدام النقد الأجنبي ودعم الصناعة الوطنية.
وبحسب ما أكدته تغطيات صحفية متقاطعة لمناقشات مجلس الشيوخ خلال الشهور الأخيرة، فإن النواب أعادوا التشديد على ضرورة الانتقال من الشعارات العامة إلى أدوات تنفيذية عملية، وفي مقدمتها حصر الواردات التي يمكن إحلالها بمنتجات مصرية، وربط ذلك بخطط استثمارية وصناعية قابلة للتنفيذ على مستوى القطاعات والمحافظات. كما برز اسم النائب ناجي الشهابي، عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل الديمقراطي، ضمن الأصوات البرلمانية التي دفعت باتجاه توسيع التصنيع المحلي وتحديث الصناعة المصرية.
لماذا تكتسب خريطة الواردات أهمية الآن؟
أهمية هذه المطالبة لا تتوقف عند بعدها السياسي أو البرلماني فقط، بل ترتبط مباشرة ببنية الاقتصاد المصري. فوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي أوضحت في استعراضها لمستهدفات خطة العام المالي 2025/2026 أن الصناعة التحويلية تحتل المرتبة الأولى من حيث المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بحصة لا تقل عن 16%، كما تمثل 14% من إجمالي القوى العاملة، وتسهم بأكثر من 85% من الصادرات السلعية غير البترولية. وأشارت الوزارة إلى أن من أولويات الخطة تعميق التصنيع المحلي للمكونات المستوردة التي تتوافر مقومات إنتاجها داخل البلاد، باعتبارها فرصًا استثمارية للشركات الوطنية ووسيلة لتوفير النقد الأجنبي.
هذا الربط بين الصناعة وخفض الاستيراد يفسر سبب مطالبة عدد من النواب بخريطة تنفيذية لا تكتفي بتوصيف المشكلة، بل تحدد بدقة: ما السلع المستوردة؟ وما حجم الطلب عليها؟ وما الصناعات المحلية القادرة على إنتاج بديل لها؟ وما العقبات التي تمنع ذلك، سواء كانت تكنولوجية أو تمويلية أو تنظيمية؟
من النقاش البرلماني إلى السياسة الصناعية
التحركات البرلمانية تأتي متسقة مع خطاب حكومي معلن. فقد أكد وزير الصناعة المهندس خالد هاشم في تصريحات منشورة خلال يوليو 2026 أن الوزارة تضع تحويل الواردات إلى تصنيع محلي في مقدمة أولوياتها، من خلال تحويل احتياجات المصانع من الخامات ومستلزمات الإنتاج المستوردة إلى فرص تصنيع داخلية، بما يخفف الضغط على الواردات ويعزز القدرة التنافسية للمنتج المصري. كما أشار إلى وجود خطة لدعم المستثمرين وحل مشكلات المصانع.
وفي سياق متصل، أوضح الوزير أيضًا أن الوزارة تعمل وفق 3 مراحل لتحديد خريطة القطاعات ذات الأولوية، تبدأ بتقييم القدرة التصديرية للقطاعات، ثم قياس درجة التعقيد الصناعي وإمكانات التطوير، وصولًا إلى تحديد فرص تعميق التصنيع المحلي والحد من الاعتماد على الواردات. وهذه الإشارة الحكومية تمنح المطالب البرلمانية وزنًا إضافيًا، لأنها توحي بأن فكرة “خريطة الواردات القابلة للتصنيع” ليست منفصلة عن النهج التنفيذي الجاري بل يمكن أن تتحول إلى أداة ضمنه.
ما الذي يمكن أن تتضمنه الخريطة المقترحة؟
إذا تحولت الفكرة إلى برنامج عمل، فمن المرجح أن تشمل الخريطة عدة محاور عملية، من بينها:
- حصر السلع الوسيطة ومستلزمات الإنتاج التي تستوردها المصانع المصرية بكثافة.
- تحديد الأولويات القطاعية وفقًا لحجم الفاتورة الاستيرادية وسهولة التصنيع المحلي.
- ربط الفرص بالمناطق الصناعية الجاهزة أو القابلة للتطوير في المحافظات.
- توجيه الحوافز للمستثمرين نحو المنتجات الأعلى أثرًا في تقليل الواردات.
- دمج المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل التوريد للصناعات الكبرى.
- متابعة جودة المنتج المحلي حتى يستطيع المنافسة في السوق الداخلية والخارجية.
هذه العناصر ليست بعيدة عن المناقشات الجارية بالفعل. فبوابة الأهرام نقلت في أكثر من مناسبة مطالبات برلمانية بتشغيل المصانع المتعثرة، وتحسين جودة المنتج المصري، ومواكبة التحول الرقمي داخل المصانع، مع توظيف التعليم الفني لخدمة احتياجات الإنتاج. كما شددت تغطيات أخرى على أن تعميق الصناعة المحلية لا ينفصل عن تشجيع الاستثمار وتوسيع الطاقة الإنتاجية.
أرقام الخطة الحكومية تعطي مؤشرا على الاتجاه
الأهمية المتزايدة لهذا المسار تنعكس كذلك في مستهدفات خطة التنمية. فقد أشارت وزارة التخطيط إلى استهداف زيادة الإنتاج الصناعي في العام المالي 2025/2026 إلى 6.8 تريليون جنيه، مقابل 5.7 تريليون جنيه متوقع في العام السابق، بمعدل نمو يبلغ 19% بالأسعار الجارية. كما ترتكز الخطة على استكمال ترفيق المناطق الصناعية، وإقامة مجمعات صناعية جديدة، وطرح أراض للاستثمار الخاص، بما يوفر بنية داعمة لأي برنامج جاد لإحلال الواردات أو زيادة المكون المحلي.
وفي يونيو 2026، أظهرت وثائق وتقارير مرتبطة بالنقاشات الاقتصادية أن الدولة تواصل أيضًا العمل على حصر فرص إحلال الواردات في ضوء القوائم الاستيرادية الراهنة وتوافر المقومات المحلية، وهو ما يقترب كثيرًا من جوهر المطالبة البرلمانية المطروحة داخل مجلس الشيوخ.
ماذا يعني ذلك للمستهلك والمستثمر في مصر؟
بالنسبة للمستهلك المصري، فإن نجاح هذا التوجه قد ينعكس على المدى المتوسط في صورة توافر أكبر للسلع محليًا، وتقليل التعرض لتقلبات الاستيراد وسلاسل الإمداد الخارجية، بشرط الحفاظ على الجودة والسعر التنافسي. أما للمستثمرين، فوجود خريطة رسمية أو شبه رسمية للواردات القابلة للتصنيع محليًا يمكن أن يختصر الكثير من الوقت، لأنها تقدم قائمة فرص استثمارية مبنية على طلب قائم بالفعل في السوق المصرية.
ومن هنا تبدو المطالبة البرلمانية أكثر من مجرد تصريح سياسي؛ فهي في جوهرها دعوة إلى تحويل بيانات الاستيراد والاحتياجات الصناعية إلى برنامج إنتاج وطني. كما أن ربط هذه الخريطة بالحوافز، والتمويل، والتراخيص، والتدريب الفني، سيكون شرطًا أساسيًا لتحويلها من ورقة نظرية إلى نتائج قابلة للقياس.
التحدي الحقيقي: التنفيذ لا التشخيص
رغم التوافق الواسع على أهمية التصنيع المحلي، يبقى التحدي الأهم هو التنفيذ. فالكثير من الملفات الصناعية في مصر لا تعاني فقط من نقص الرؤية، بل من الحاجة إلى التنسيق بين الوزارات والهيئات، وتسريع الإفراج عن مستلزمات الإنتاج، وتوفير التكنولوجيا، وتحسين كفاءة البنية التحتية بالمناطق الصناعية، إلى جانب ضمان استقرار السياسات المحفزة للاستثمار.
ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن ملف إحلال الواردات لم يعد هامشيًا، بل أصبح جزءًا من خطاب اقتصادي رسمي مدعوم بمناقشات برلمانية متواصلة. وبينما يطالب نواب مجلس الشيوخ بحصر الواردات التي يمكن تصنيعها في الداخل، تتحرك الحكومة بالتوازي نحو تحديد القطاعات ذات الأولوية، وتشغيل المصانع، وزيادة الصادرات غير البترولية التي تستهدف وزارة الصناعة رفعها إلى 99 مليار دولار بحلول 2030.
وفي حال تمت ترجمة هذه الرؤى إلى خريطة تنفيذية محدثة باستمرار، فقد تمثل خطوة مهمة في مسار تقليل الاعتماد على الخارج، وتوسيع قاعدة “صنع في مصر”، ودعم الصناعة بوصفها أحد أهم مفاتيح النمو الاقتصادي في البلاد.