مظاهرات واسعة في اليونان نصرة لفلسطين وضغط لوقف التعاون مع إسرائيل
موجة احتجاجات في اليونان تتجدد دعماً لفلسطين
تشهد اليونان تحركات احتجاجية واسعة دعماً لفلسطين، في مشهد يعكس استمرار حضور القضية الفلسطينية بقوة داخل الشارع الأوروبي، ولا سيما في الأوساط النقابية واليسارية ومنظمات التضامن. وتركزت التحركات في العاصمة أثينا، خصوصاً في ساحة سينتاغما المقابلة للبرلمان، إلى جانب فعاليات في مدن ومناطق أخرى، مع مطالب صريحة بوقف الحرب على غزة، وفرض قيود على التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي مع إسرائيل.
التحركات الأخيرة جاءت ضمن يوم تعبئة منظم شاركت فيه قوى سياسية ونقابية يونانية، بينما صدرت في المقابل تنبيهات إسرائيلية لرعاياها في اليونان تدعو إلى توخي الحذر وتجنب مناطق التجمعات الكبيرة، في ظل مخاوف من احتكاكات أو أعمال مضايقة خلال المظاهرات.
أثينا في الصدارة.. وسينتاغما تبقى نقطة التجمع الأبرز
تعد ساحة سينتاغما، الواقعة في قلب أثينا أمام البرلمان اليوناني، الموقع الأكثر رمزية في الاحتجاجات السياسية الكبرى داخل البلاد، ولذلك تصدرت مشهد التحركات المؤيدة لفلسطين. كما أن الساحة نفسها شهدت في مناسبات سابقة تجمعات كبرى مرتبطة بفلسطين، بينها تظاهرات تضامنية واسعة خلال عامي 2025 و2026، ما يجعلها عنواناً ثابتاً لأي حراك جماهيري من هذا النوع.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية المشهد لا تتوقف عند عدد المشاركين فقط، بل تمتد إلى دلالته السياسية: فالتظاهر أمام البرلمان في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يوجه رسالة مباشرة إلى مؤسسات صنع القرار، لا إلى الرأي العام وحده.
النقابات والأحزاب في قلب التحرك
المعطيات المتاحة من التغطيات اليونانية خلال الأشهر الماضية تظهر أن النقابات العمالية والهيئات المهنية لعبت دوراً بارزاً في ملف التضامن مع الفلسطينيين. ففي 21 و22 يونيو 2026، برز خلاف دبلوماسي بين أثينا وتل أبيب بعدما أعربت وزارة الخارجية اليونانية عن قلقها من منع وفد نقابي يوناني من دخول إسرائيل وترحيله، رغم أن وجهته النهائية كانت رام الله بدعوة من الجانب الفلسطيني. وذكرت الخارجية اليونانية أن أعضاء الوفد استوفوا متطلبات الدخول وصرحوا بسبب زيارتهم للسلطات المختصة.
هذا التطور أضفى زخماً إضافياً على الخطاب المطالب داخل اليونان بعدم الاكتفاء بالتضامن الرمزي، بل الانتقال إلى ضغوط عملية تشمل مراجعة العلاقات الثنائية، خاصة في الملفات المرتبطة بالأمن والدفاع والسياحة.
تحذيرات إسرائيلية لرعاياها في اليونان
بالتوازي مع الدعوات إلى الاحتجاج، أصدرت جهات إسرائيلية رسمية في فترات سابقة تنبيهات تخص التظاهر في اليونان، شملت التحذير من التجمع قرب الفعاليات الجماهيرية أو إظهار رموز إسرائيلية بشكل لافت في بعض السياقات. وتكشف تقارير وتحذيرات منشورة على مواقع حكومية إسرائيلية أن أثينا تتابع الاحتجاجات المرتبطة بالحرب على غزة بوصفها أحداثاً قد تحمل مخاطر احتكاك بالنسبة للإسرائيليين الموجودين في البلاد.
ورغم أن هذه التحذيرات لا تعني بالضرورة وقوع حوادث واسعة النطاق، فإنها تعكس إدراكاً إسرائيلياً متزايداً لحساسية المزاج الشعبي في أجزاء من أوروبا الجنوبية، ومن بينها اليونان، تجاه الحرب على غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية.
لماذا يطالب المحتجون بوقف التعاون مع إسرائيل؟
جوهر المطالب يتجاوز وقف إطلاق النار، ليصل إلى مراجعة البنية الكاملة للعلاقات بين أثينا وتل أبيب. ويستند المحتجون في ذلك إلى قناعة متنامية لدى قطاعات من الرأي العام اليوناني بأن استمرار التعاون العسكري والاقتصادي مع إسرائيل يتناقض مع مواقف التضامن المعلنة مع المدنيين الفلسطينيين.
ويبرز هنا ملف التعاون الدفاعي باعتباره الأكثر حساسية. ففي 4 يونيو 2026 أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية توقيع اتفاق دفاعي كبير مع اليونان في أثينا بقيمة تقارب 750 مليون دولار، أو نحو 650 مليون يورو، لتزويد القوات المسلحة اليونانية بمنظومة PULS الصاروخية، على أن يمتد تنفيذ العقد أربع سنوات، تعقبها فترة دعم وصيانة لعشر سنوات. كما حضر مراسم التوقيع مسؤولون عسكريون وصناعيون من الجانبين، بينهم مديرو هيئات التسليح والتعاون الدفاعي.
ومن منظور المحتجين، فإن هذا النوع من الصفقات يجعل مطلب “وقف التعاون” أكثر تحديداً وواقعية، لأنه لا يتعلق بشعارات عامة، بل بعقود ومشروعات يمكن للحكومة اليونانية أن تعيد النظر فيها إذا توفرت الإرادة السياسية.
العلاقة اليونانية الإسرائيلية تحت ضغط الشارع
شهدت العلاقات بين اليونان وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة توسعاً في مجالات الدفاع والطاقة والتنسيق الإقليمي. لكن الحرب على غزة دفعت هذا المسار إلى دائرة الجدل الداخلي داخل اليونان، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات من الأحزاب اليسارية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني.
وفي هذا السياق، لا ينظر إلى المظاهرات بوصفها فعلاً احتجاجياً عابراً، بل باعتبارها محاولة لإعادة صياغة النقاش داخل بلد أوروبي يوازن بين تحالفاته الاستراتيجية من جهة، والضغط الشعبي والأخلاقي المرتبط بفلسطين من جهة أخرى.
ماذا تعني هذه التطورات إقليمياً؟
في الإطار الأوسع، تحمل الاحتجاجات اليونانية أهمية خاصة للمنطقة العربية، لأنها تكشف أن التفاعلات المرتبطة بالحرب على غزة لم تعد محصورة في الشرق الأوسط، بل أصبحت تؤثر في سياسات ومناخات داخل دول متوسطية ترتبط مباشرة بالمنطقة سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
وبالنسبة لمصر، فإن متابعة هذا الملف مهمة لسببين. الأول أن اليونان شريك إقليمي بارز في شرق المتوسط، والثاني أن أي ضغط داخلي على أثينا لإعادة النظر في تعاونها مع إسرائيل قد ينعكس على توازنات إقليمية أوسع، سواء في ملفات الطاقة أو الدفاع أو التحركات الدبلوماسية داخل الاتحاد الأوروبي.
بين الشارع والقرار الرسمي
حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على أن الحكومة اليونانية قررت التراجع عن شراكاتها الأساسية مع إسرائيل. لكن المؤكد أن الضغط الشعبي يتصاعد، وأن حضور النقابات والهيئات المنظمة يمنح الاحتجاجات ثقلاً أكبر من مجرد مظاهرات موسمية.
كما أن الأزمة التي تفجرت في يونيو 2026 بشأن ترحيل الوفد النقابي اليوناني أظهرت أن الخلافات المرتبطة بفلسطين يمكن أن تنتقل سريعاً من الشارع إلى القنوات الدبلوماسية الرسمية، وهو ما يمنح التحركات الحالية بعداً سياسياً يتجاوز حدود التعبير الرمزي.
- المطلب الأول: وقف الحرب على غزة وحماية المدنيين.
- المطلب الثاني: مراجعة أو تعليق التعاون العسكري مع إسرائيل.
- المطلب الثالث: دعم أكبر للتحركات التضامنية والنقابية مع الفلسطينيين.
- المطلب الرابع: توسيع النقاش داخل المؤسسات اليونانية والأوروبية بشأن العلاقة مع إسرائيل.
الخلاصة أن ما يجري في اليونان ليس مجرد احتجاج محلي، بل جزء من موجة أوسع من الضغط الأوروبي على الحكومات لإعادة تقييم علاقتها بإسرائيل في ضوء الحرب على غزة. وبينما تحاول تل أبيب احتواء المخاطر عبر تحذير رعاياها، يواصل المحتجون في أثينا ومدن أخرى دفع المعركة إلى مساحة أكثر تأثيراً: مساحة القرار السياسي والتعاون الرسمي.