مفاوضات روما: هل تفصل إسرائيل ملف الحدود عن سلاح حزب الله؟
تطور جديد في مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل
دخلت المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما مرحلة شديدة الحساسية، مع حديث متزايد في الإعلام الإقليمي عن تراجع إسرائيلي نسبي عن ربط أي بحث في ملف الحدود البرية بنزع سلاح حزب الله بشكل مسبق. وحتى الآن، لا يظهر في المصادر الرسمية المعلنة ما يؤكد صياغة نهائية بهذا المعنى، لكن المؤكد أن أجندة الجولة الحالية باتت تشمل أكثر من بند في وقت واحد: الانسحاب الإسرائيلي من مناطق داخل جنوب لبنان، توسيع ما يسمى المناطق التجريبية، ومعالجة القضايا الحدودية العالقة، برعاية أمريكية ومتابعة تقنية وعسكرية.
هذا التطور مهم للقارئ المصري والعربي لأنه يمس واحدة من أكثر جبهات المشرق سخونة منذ شهور، كما أنه ينعكس مباشرة على استقرار جنوب لبنان، وعلى حسابات التهدئة الإقليمية الأوسع، خصوصا مع استمرار التداخل بين المسار الأمني والمسار السياسي. ومن زاوية لبنانية، تبدو بيروت حريصة على تثبيت مبدأ أساسي: الحدود والانسحاب الإسرائيلي لا ينبغي أن يبقيا رهينة ملف السلاح وحده، أو على الأقل ليس بالشروط الإسرائيلية المسبقة نفسها التي طُرحت في جولات سابقة.
ما الذي تأكد عن جولة روما الحالية؟
المؤكد وفق ما أعلنته الخارجية الأمريكية عبر مسؤولين نقلت عنهم وكالات وتقارير دولية، أن جولة جديدة من المحادثات الفنية تُعقد في روما خلال الفترة من 4 إلى 6 أغسطس 2026. وتركز هذه الجولة على الدفع نحو التنفيذ الكامل لاتفاق الإطار الذي جرى التوصل إليه في 26 يونيو 2026، بما يشمل توسيع تجربة المناطق التجريبية، وتسوية المسائل الحدودية العالقة، والعمل على تفاهم أشمل للأمن والسلام بين الجانبين.
كما تؤكد المصادر نفسها أن جولة سابقة في روما خلال منتصف يوليو مهدت لإطلاق أولى الخطوات التنفيذية على الأرض. ففي 20 يوليو 2026 أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية بدء عمليات المناطق التجريبية في بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية، تحت إشراف مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان. هذه النقطة بالذات مهمة، لأنها تعني أن التفاوض لم يعد نظريا فقط، بل دخل مرحلة الاختبار الميداني المرتبط بانسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش اللبناني.
أين يقف ملف سلاح حزب الله؟
رغم الحديث عن مرونة إسرائيلية مستجدة، فإن الوقائع المنشورة حتى الآن لا تشير إلى إسقاط ملف سلاح حزب الله من الطاولة، بل إلى احتمال إعادة ترتيب الأولويات أو التسلسل التفاوضي. فالاتفاق الإطاري الذي جرى التوصل إليه في يونيو تضمن، بحسب ما نشرته رويترز وتقارير أخرى، بنودا تتعلق بإنهاء النزاع، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، ونزع سلاح الجماعات المسلحة في المناطق المعنية، في إشارة واضحة إلى حزب الله.
لكن في المقابل، ظهرت خلال الأسابيع الماضية مؤشرات على أن لبنان الرسمي كان يدفع باتجاه عدم اختزال كل شيء في هذا البند. مصادر لبنانية تحدثت سابقا عن رفض استخدام مصطلح نزع السلاح بوصفه المدخل الوحيد للتفاهم، وعن تمسك بيروت بتفعيل آليات الهدنة والرقابة الدولية، وبأن يكون هناك مسار واضح للانسحاب الإسرائيلي ومعالجة الخروقات والحدود، لا مجرد شروط أمنية من طرف واحد. وبناء على ذلك، فإن ما يجري تداوله الآن عن تراجع إسرائيلي لأول مرة قد يُفهم على أنه مرونة في آلية البحث أكثر من كونه تراجعا كاملا عن الهدف السياسي والأمني النهائي.
دور جوزاف عون والرهان اللبناني الرسمي
في قلب هذا المسار يقف الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي تحاول الرئاسة في عهده تثبيت صورة الدولة بوصفها الطرف الذي يتولى التفاوض ويطالب باستعادة السيادة على الجنوب عبر الجيش والمؤسسات الرسمية. تقارير أمريكية وإقليمية ربطت بين الزخم الذي سبق جولة أغسطس في روما وبين لقاء عون في واشنطن مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال يوليو، في إشارة إلى أن بيروت تسعى للحصول على دعم سياسي يسرع الانسحاب الإسرائيلي ويمنح الجيش اللبناني دورا أكبر في المناطق الجنوبية.
ومن منظور مصري، يكتسب هذا المسار أهمية إضافية لأن أي نجاح في تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية قد يفتح نافذة لخفض احتمالات الانفجار على الحدود، وهو أمر ينعكس على الأمن العربي الأوسع، وعلى ملفي الملاحة والطاقة في شرق المتوسط، وعلى مزاج الأسواق الإقليمية التي تتأثر عادة بأي تصعيد عسكري جديد.
لماذا تُعد «المناطق التجريبية» مفتاح المرحلة؟
المناطق التجريبية ليست مجرد تفصيل فني. الفكرة الأساسية تقوم على انسحاب إسرائيلي من نطاقات محددة، يعقبه انتشار للجيش اللبناني وتثبيت ترتيبات أمنية بإشراف آلية تنسيق دولية. وإذا نجحت التجربة في البلدات الثلاث الأولى، فقد تُستخدم نموذجًا للتوسع إلى مواقع أخرى داخل الجنوب. لهذا السبب تحرص واشنطن على تقديم هذه الآلية بوصفها خطوة عملية لبناء الثقة، بينما تراها بيروت اختبارا لمدى التزام إسرائيل بأي انسحاب فعلي، لا مجرد إعادة تموضع.
وفي الجولات السابقة، كان الخلاف يدور حول من يبدأ أولا: هل تنسحب إسرائيل ثم ينتشر الجيش اللبناني؟ أم يُربط كل انسحاب مسبقا بتعهدات أمنية تتعلق بحزب الله؟ هنا تحديدا يظهر معنى الحديث عن التحول الجديد في روما. فإذا جرى بالفعل توسيع النقاش الحدودي من دون شرط إسرائيلي مسبق ومعلن بحسم ملف السلاح أولا، فسيكون ذلك تغيرا سياسيا له دلالة، حتى لو بقي محدودا ومؤقتا.
ما العقبات التي لا تزال قائمة؟
رغم أي مؤشرات إيجابية، لا تزال العقبات كبيرة. أولها أن إسرائيل ما زالت، وفق تقارير منشورة خلال يوليو، تعتبر وجودها العسكري في أجزاء من جنوب لبنان ضروريا إلى حين ضمان ترتيبات أمنية صارمة. وثانيها أن حزب الله يعارض أصل الاتفاق الإطاري والمحادثات المباشرة أو غير المباشرة بالصيغة الحالية، ما يضع الدولة اللبنانية أمام تحدي التوفيق بين التزاماتها الدولية وتعقيداتها الداخلية. وثالثها أن الاتفاق نفسه لم يحدد، بحسب ما نُشر، جدولا زمنيا كاملا ونهائيا للانسحاب الإسرائيلي من جميع النقاط المعنية.
- العقبة الأولى: غياب جدول زمني شامل وملزم للانسحاب.
- العقبة الثانية: استمرار الربط الأمني بملف سلاح حزب الله ولو بدرجات متفاوتة.
- العقبة الثالثة: هشاشة الوضع الميداني في الجنوب وإمكانية تدهوره بسرعة.
- العقبة الرابعة: حاجة لبنان إلى جهة تحقق دولية أو متعددة الأطراف، لا تقييم أحادي من إسرائيل أو الولايات المتحدة فقط.
الخلاصة: اختراق محدود أم بداية تحول؟
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لا توجد وثيقة رسمية منشورة تؤكد بصورة قاطعة أن إسرائيل تخلت نهائيا عن ربط ملف الحدود البرية بسلاح حزب الله. لكن الوقائع المتاحة من جولات روما، ومن تصريحات المسؤولين الأمريكيين، ومن مسار المناطق التجريبية في الجنوب، تشير إلى أن أجندة التفاوض اتسعت فعلا لتشمل ملفات الحدود والانسحاب والتنفيذ الميداني بالتوازي مع الملف الأمني، وليس بعد حسمه بالكامل فقط. وهذا في حد ذاته تطور يستحق المتابعة.
بالنسبة للبنان، فإن أي فصل نسبي بين المسارين قد يمنح الدولة مساحة تفاوضية أوسع ويخفف الضغط السياسي الداخلي. أما بالنسبة لإسرائيل، فقد يكون الأمر مناورة تفاوضية هدفها تسريع تنفيذ ترتيبات أمنية على الأرض من دون إعلان تراجع استراتيجي كامل. وبين الاحتمالين، تبقى روما محطة مفصلية في اختبار ما إذا كان جنوب لبنان يتجه إلى تهدئة قابلة للاستمرار أم إلى هدنة هشة قابلة للانكسار عند أول تصعيد جديد.