مفاوضات لبنان وإسرائيل تقترب من روما: هل يتحرك الاتفاق فعلًا؟
عودة الزخم إلى مسار تفاوضي شديد الحساسية
عاد ملف الترتيبات بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة مجددًا، بعدما تحدثت تقارير متطابقة خلال الأيام الماضية عن انتقال الاتفاق الإطاري الذي وُقّع في 26 يونيو 2026 إلى مرحلة المباحثات الفنية في روما خلال منتصف يوليو. أهمية هذه الخطوة لا ترتبط فقط بمكان الاجتماع أو بطابعه التقني، بل بما إذا كانت تمثل بداية تنفيذ فعلي لتفاهمات بقيت حتى الآن معلقة بين النص السياسي والواقع الميداني.
وبحسب ما تداولته وسائل إعلام لبنانية ومصرية نقلاً عن مصادر مطلعة، فإن الجولة الجديدة مرشحة للانعقاد يومي 15 و16 يوليو 2026 في العاصمة الإيطالية، مع استمرار الرعاية الأمريكية، وهو تفصيل حاسم بالنسبة إلى بيروت التي أبدت تحفظًا سابقًا على أي صيغة قد تُفهم كأنها تفاوض ثنائي مباشر خارج المظلة الأمريكية.
ما الذي نعرفه عن الاتفاق الإطاري؟
المعطيات المتاحة تشير إلى أن الاتفاق الإطاري الذي أُعلن أواخر يونيو جاء بعد خمس جولات تفاوض بوساطة أمريكية، وهدفه فتح مسار أوسع لخفض التوتر على الجبهة اللبنانية الجنوبية، ومعالجة الملفات الأمنية العالقة، تمهيدًا لمرحلة أكثر استقرارًا. وفي هذا السياق، برز اسم الرئيس اللبناني جوزاف عون باعتباره رأس السلطة السياسية في لبنان منذ انتخابه رئيسًا للجمهورية في 9 يناير 2025، بينما يتابع الملف ضمن مؤسسات الدولة اللبنانية التي تحاول إعادة تثبيت مرجعيتها في الجنوب.
لكن بين الإعلان عن اتفاق إطار وبين تحويله إلى وقائع على الأرض، تبقى التفاصيل هي العقدة الأساسية. فالمصادر التي تحدثت عن الجولة المقبلة في روما أشارت أيضًا إلى ما سُمّي «المناطق التجريبية»، وهي مناطق يُفترض اختبار ترتيبات التنفيذ فيها أولًا، قبل الانتقال إلى نطاقات أوسع. هذه الفكرة تعكس نهجًا تدريجيًا يقوم على اختبار الانسحاب وإعادة الانتشار والضمانات الأمنية في مساحات محددة، بدل القفز مباشرة إلى تنفيذ شامل قد ينفجر عند أول خرق.
لماذا تبدو «المناطق التجريبية» مفتاح المرحلة المقبلة؟
في القراءة السياسية، تبدو «المناطق التجريبية» أكثر من مجرد تفصيل تقني. هي في الواقع اختبار ثقة بين طرفين لا يملكان حدًا أدنى من الثقة المتبادلة. لبنان يريد أن يرى التزامات ملموسة على الأرض، وإسرائيل تريد ترتيبات أمنية تمنحها هامش اطمئنان قبل أي انسحاب أو تغيير ميداني. أما واشنطن، فتبدو حريصة على ترجمة الاتفاق إلى خطوات قابلة للقياس، ولو بصورة جزئية في البداية.
المشكلة أن البيئة الميدانية لا تزال معقدة للغاية. فقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يونيفيل قالت في بيان رسمي يوم 3 مارس 2026 إن الجيش الإسرائيلي أبقى على خمسة مواقع ومنطقتين عازلتين داخل لبنان، واعتبرت ذلك انتهاكًا للقرار 1701. كما أن قرار مجلس الأمن رقم 2790 الصادر في 2025 جدّد الدعوة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من شمال الخط الأزرق، ورفع المناطق العازلة، مع نشر السلطات اللبنانية في تلك المواقع بدعم زمني من يونيفيل.
هذا يعني أن أي حديث عن تقدم تفاوضي سيظل ناقصًا ما لم يُترجم إلى وقائع تتصل بانتشار الجيش اللبناني، وتخفيف الخروقات، وفتح الطريق أمام عودة السكان إلى المناطق القريبة من الخط الأزرق. ومن هنا، فإن نجاح التجربة الأولى في منطقتين أو أكثر سيكون بمثابة معيار للحكم على جدية المسار كله.
روما ليست مجرد مكان: لماذا الإطار الدولي مهم؟
اختيار روما لعقد المباحثات الفنية ليس مسألة بروتوكولية. فالمكان هنا يرمز إلى رغبة في إخراج التفاوض من ضغط الميدان المباشر، وإبقائه تحت إشراف دولي منظم. كما أن الإصرار اللبناني على استمرار الحضور الأمريكي يوضح أن بيروت لا تريد أن تتحول الاجتماعات الفنية إلى قناة تطبيع سياسي أو تفاوض مباشر غير مضبوط، بل إلى منصة تنفيذ محكومة بضمانات واضحة.
ومن زاوية مصرية، تبدو هذه النقطة شديدة الأهمية. فالقاهرة تراقب دائمًا أي تحولات على جبهات الإقليم من منظور الاستقرار ومنع تمدد الصراع. وأي تهدئة قابلة للاستمرار على الحدود اللبنانية الإسرائيلية قد تخفف من احتمالات اتساع الاشتعال الإقليمي، وهو ما ينعكس على أمن الممرات والتجارة والطاقة، وكلها ملفات تهم القارئ المصري بشكل مباشر حتى لو بدا النزاع بعيدًا جغرافيًا.
هل نتحدث عن اختراق حقيقي أم عن إدارة للأزمة؟
السؤال الأهم هنا ليس ما إذا كانت المفاوضات ستُعقد فعلًا في روما، بل ما إذا كانت ستُنتج اختراقًا فعليًا أم مجرد صيغة جديدة لإدارة الأزمة. التجارب السابقة في المنطقة تقول إن الاتفاقات الإطارية كثيرًا ما تنجح في تخفيض التوتر مؤقتًا، لكنها تتعثر عند لحظة التنفيذ، خصوصًا عندما تتعلق بترتيبات أمنية حساسة ومناطق تماس مشتعلة.
هناك أيضًا بُعد داخلي لا يمكن تجاهله. فلبنان الرسمي يريد تثبيت دور الدولة والجيش في الجنوب، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه هشاشة سياسية وأمنية واقتصادية. وفي المقابل، فإن أي حكومة إسرائيلية تدخل هذا النوع من الترتيبات تحسب حسابات الداخل والانتخابات والرأي العام الأمني. لذلك، فإن البطء الحالي قد لا يكون مفاجئًا بقدر ما هو جزء من طبيعة الملف نفسه.
ما الذي يمكن متابعته في الأيام المقبلة؟
- موعد روما النهائي: هل تُعقد الجولة فعلًا في 15 و16 يوليو 2026 كما جرى تداوله؟
- هوية الوفود: الأسماء المتداولة من الجانب اللبناني تشمل الدبلوماسي سيمون كرم والسفيرة ندى معوض، ما يشير إلى مزيج سياسي-تقني في التمثيل.
- بدء العمل في المناطق التجريبية: هذا هو المؤشر الأوضح على أن الاتفاق خرج من الورق إلى الأرض.
- موقف يونيفيل والآلية الدولية: أي تحديث في تقارير الخروقات أو الانتشار سيحمل دلالة مباشرة على فرص النجاح.
- الضمانات الأمريكية: استمرار الرعاية الأمريكية عنصر جوهري في إبقاء المسار ثلاثيًا لا ثنائيًا.
خلاصة تحليلية
التقدم المعلن في ملف الاتفاق بين لبنان وإسرائيل لا ينبغي التقليل من أهميته، لكنه أيضًا لا يبرر الإفراط في التفاؤل. ما يحدث حتى الآن هو انتقال من الجمود السياسي إلى اختبار تقني، وهذه خطوة مهمة لكنها ليست نهاية الطريق. نجاح مباحثات روما سيقاس بمدى قدرتها على تحويل «المناطق التجريبية» إلى نموذج قابل للتوسع، وعلى تقليص الفجوة بين التعهدات والوقائع الميدانية.
بالنسبة للقارئ في مصر، فإن متابعة هذا المسار ليست ترفًا سياسيًا، بل جزء من فهم توازنات إقليمية تتقاطع مع أمن المنطقة كلها. وإذا نجحت الوساطة الأمريكية في فرض خطوات تنفيذية قابلة للاستمرار تحت أعين يونيفيل والمرجعيات الدولية، فقد يكون جنوب لبنان أمام تهدئة أكثر رسوخًا. أما إذا بقي التنفيذ رهين الشروط المتبادلة والتأجيل، فستظل روما مجرد محطة جديدة في سجل طويل من إدارة التوتر بدل حله.