مقترح إسرائيلي حول رفات يهود لبنان يربك مفاوضات روما
ملف إنساني وتاريخي يدخل على خط التفاوض
دخلت المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل في روما مرحلة أكثر تعقيدًا، بعدما برز طرح إسرائيلي يتعلق بنقل رفات يهود مدفونين في مقابر تاريخية داخل لبنان، في مقابل الإفراج عن عدد من الأسرى اللبنانيين المدنيين المحتجزين لدى إسرائيل، وفق ما تداولته تقارير متقاطعة عن أجواء الجولة الأخيرة. ويأتي هذا التطور في وقت كانت فيه بيروت تركّز أساسًا على أولوية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية الجنوبية، وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة ملف المعتقلين المدنيين بوصفه قضية إنسانية منفصلة عن أي مقايضات سياسية أو رمزية.
أهمية هذا الطرح لا تتوقف عند حساسيته الدينية والتاريخية، بل تمتد إلى كونه أضيف إلى جدول تفاوض مثقل أصلًا بملفات شديدة التعقيد، من بينها الانسحاب من الجنوب، وترتيبات ما بعد القتال، وآليات التحقق الميداني، ومستقبل السلاح غير الخاضع للدولة. وقد أظهرت الجولات التي عُقدت برعاية أمريكية أن القضايا الأشد حساسية غالبًا ما تُرحّل إلى مراحل لاحقة بدل حسمها سريعًا.
ما الذي نعرفه عن مفاوضات روما؟
استأنف لبنان وإسرائيل في 14 يوليو 2026 جولة جديدة من المحادثات في العاصمة الإيطالية روما بوساطة أمريكية، بهدف تنفيذ اتفاق إطار أُبرم في 26 يونيو 2026. وتركزت المحادثات المعلنة على تأمين انسحاب إسرائيلي تدريجي من أجزاء في جنوب لبنان، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، ضمن ما وُصف في بعض التغطيات بـ"مناطق تجريبية" أو "مناطق اختبار". وفي 15 يوليو 2026، تحدثت تقارير عن تقدم محدود، من دون إعلان جدول زمني نهائي وشامل للانسحاب الكامل.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه المفاوضات تتجاوز بعدها الثنائي، لأنها تمس توازنات المشرق العربي كله، من الحدود اللبنانية الجنوبية حتى حضور الأمم المتحدة والقوى الدولية في المنطقة. أي تعثر في هذا المسار ينعكس على استقرار شرق المتوسط، ويؤثر على ملفات الأمن الإقليمي، وهي كلها قضايا تتابعها القاهرة عن قرب ضمن رؤية أوسع لأمن الإقليم وحدوده.
أبرز الملفات المطروحة في روما
- الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وفق ترتيبات متدرجة.
- انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي يُفترض أن تُخلى.
- آلية رقابة أو تحقق تواكب التنفيذ ميدانيًا.
- ملف المعتقلين اللبنانيين المدنيين لدى إسرائيل.
- القضايا الخلافية المؤجلة المرتبطة بالسلاح غير الشرعي والسيادة الكاملة للدولة.
لماذا يبدو المقترح "تعجيزيًا" من وجهة نظر بيروت؟
وصف المقترح بأنه شديد الصعوبة أو "تعجيزي" يعود، وفق قراءة سياسية للمسار القائم، إلى ثلاثة أسباب رئيسية. أولًا، لأن بيروت تعتبر ملف الأسرى المدنيين قضية إنسانية وقانونية لا ينبغي ربطها بملفات رمزية أو تاريخية قد تثير انقسامات داخلية. ثانيًا، لأن أي تعامل مع المقابر التاريخية أو الرفات يحتاج إلى مسار قانوني وديني وإداري دقيق داخل لبنان، وليس مجرد تفاهم سياسي سريع. ثالثًا، لأن إدخال هذا الملف قد يُستخدم لتأجيل الملفات الجوهرية التي يطالب بها لبنان، وعلى رأسها الانسحاب الإسرائيلي واحترام السيادة. وهذه قراءة تستند إلى طبيعة الخلافات التي ظهرت في الجولات السابقة أكثر من كونها إعلانًا رسميًا منشورًا بتفاصيل كاملة.
كما أن أي صفقة تستبعد عناصر حزب الله، وتحصر الإفراج في مدنيين لبنانيين فقط، تفتح بدورها أسئلة داخلية لبنانية حول معيار التصنيف وطبيعة المحتجزين وآلية التحقق من أعدادهم وأوضاعهم. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن منظمات وفاعلين محليين يتحدثون عن عشرات المعتقلين اللبنانيين، وسط شكاوى من غياب المعلومات الكافية عن أماكن احتجازهم وأوضاعهم الصحية والقانونية.
جوزيف عون في قلب المشهد
يتصدر الرئيس اللبناني جوزيف عون المشهد السياسي في هذا المسار، بوصفه رأس الدولة التي تسعى إلى استعادة السيطرة الكاملة على الجنوب عبر المؤسسات الرسمية والجيش. ومنذ انتخابه رئيسًا للبنان في 9 يناير 2025، ارتبط اسمه بمحاولة تثبيت أولوية الدولة في الملفات الأمنية الحساسة، مع التمسك بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية. ويُعد عون الشخصية الأكثر ارتباطًا بالعنوان السياسي لهذه المفاوضات، حتى إن تفاصيل الجولات كثيرًا ما تُقرأ من زاوية قدرتها على دعم موقع الرئاسة اللبنانية أو إحراجها داخليًا.
ولا يمكن فصل هذا الدور عن موقف الأمم المتحدة من تنفيذ القرار 1701، الذي ينص على وقف الأعمال القتالية، وانتشار الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، وانسحاب القوات الإسرائيلية بالتوازي مع هذا الانتشار. الأمم المتحدة شددت مرارًا على أن استقرار الجنوب لا يمكن أن يتحقق إلا باحترام السيادة اللبنانية واحتكار الدولة للسلاح على أراضيها.
القرار 1701 والواقع الميداني
على الورق، يشكل القرار 1701 الصادر في 11 أغسطس 2006 المرجعية الأساسية لأي تفاهم مستدام بين لبنان وإسرائيل. لكن التطبيق ظل محل خلاف مزمن. وفي مارس 2026، قالت يونيفيل إن الجيش الإسرائيلي أبقى مواقع ونطاقات عازلة داخل لبنان، واعتبرت ذلك مخالفًا للقرار 1701. هذا يفسر لماذا تصر بيروت على أن الأولوية يجب أن تبقى للانسحاب الفعلي، بدل تشتيت التفاوض بملفات جانبية أو رمزية.
ومن هنا، فإن إدخال ملف رفات اليهود المدفونين في لبنان إلى طاولة روما لا يُنظر إليه في بيروت باعتباره تفصيلًا ثانويًا، بل باعتباره اختبارًا لطبيعة المسار كله: هل هو تفاوض لتنفيذ انسحاب وترتيبات أمنية واضحة، أم منصة لتجميع مطالب متفرقة يصعب حسمها دفعة واحدة؟
ما الذي قد يحدث لاحقًا؟
- ترحيل الملف إلى مسار منفصل إذا تعذر التوافق عليه داخل الجولة الحالية.
- ربط أي تقدم بملفات أكثر إلحاحًا مثل الانسحاب والأسرى المدنيين.
- زيادة الضغط الأمريكي للدفع نحو خطوات جزئية قابلة للتنفيذ.
- استمرار التباين إذا تمسكت إسرائيل بربط ملفات إنسانية بقضايا سياسية وأمنية أوسع.
قراءة مصرية أوسع للمشهد
من منظور قسم "أفريقيا" في التغطية العربية الموجهة إلى القراء في مصر، فإن ما يجري في لبنان ليس شأنًا محليًا فقط، بل جزء من خرائط النفوذ والأمن في جوار عربي وإفريقي متصل بالبحر المتوسط والبحر الأحمر معًا. كل تبدل في جنوب لبنان ينعكس على حركة التهدئة الإقليمية، وعلى حسابات القوى الدولية الفاعلة في شرق المتوسط، وهي منطقة تمس المصالح الاستراتيجية العربية بشكل مباشر.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات علنية موثقة على قبول لبناني بهذا المقترح بصيغته المتداولة، بينما تؤكد المعطيات المنشورة عن جولات روما أن التقدم تحقق أساسًا في النقاش حول مناطق الانسحاب وآليات التنفيذ، لا في القضايا الأكثر إثارة للجدل. لذلك، يبقى الأرجح أن ملف الرفات، إن ثبت حضوره الكامل على الطاولة، سيظل ورقة ضغط تفاوضية أكثر منه بندًا جاهزًا للحسم السريع.
وفي المحصلة، تكشف هذه التطورات أن التفاوض بين لبنان وإسرائيل لم يعد محصورًا في خرائط وحدود، بل بات يلامس الذاكرة والتاريخ والرموز الدينية، إلى جانب ملفات السيادة والمعتقلين. وهذا ما يجعل أي اختراق محتمل صعبًا، لكنه في الوقت نفسه يوضح حجم الرهانات على كل جولة جديدة في روما أو غيرها.