مقترح عُماني يعيد طرح تنظيم الملاحة في مضيق هرمز
مضيق هرمز يعود إلى الواجهة
يتصدر مضيق هرمز مجددًا نقاشات الأمن البحري في المنطقة، بعد تداول معلومات عن مقترح عُماني يستهدف إعادة تنظيم حركة السفن عبر مسارين منفصلين، لكل منهما آلية إدارة مختلفة. وبحسب ما أمكن التحقق منه من المصادر الرسمية والدولية المتاحة حتى 11 يوليو 2026، لم يظهر حتى الآن إعلان علني منشور من حكومة سلطنة عمان يكشف نصًا تفصيليًا لهذا المقترح، لكن المؤكد أن ملف تنظيم العبور في المضيق مطروح بقوة على أجندة المؤسسات البحرية الدولية، في ظل التوترات التي شهدتها المنطقة خلال عام 2026.
وتكتسب أي خطوة تخص المضيق أهمية استثنائية للقارئ المصري والعربي، لأن هرمز ليس مجرد ممر مائي محلي، بل شريان رئيسي لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على تكاليف الشحن، وأسعار التأمين البحري، وسلاسل الإمداد، وأسواق النفط والغاز التي تؤثر بدورها في اقتصادات المنطقة.
ما الذي نعرفه رسميًا حتى الآن؟
المعلومة الأوضح المتاحة من المنظمة البحرية الدولية هي أن هناك بالفعل نظام فصل حركة المرور البحري في مضيق هرمز قائمًا منذ عام 1968، وقد جرى طرحه من جانب إيران وسلطنة عمان واعتمدته المنظمة بهدف تقليل مخاطر التصادم وتحسين السلامة الملاحية. وهذا يعني أن فكرة تقسيم الحركة إلى ممرات محددة ليست جديدة من حيث المبدأ، لكن المستجد خلال 2026 هو تصاعد الحديث عن تطوير آليات التشغيل والإدارة والتنسيق الأمني داخل هذا الإطار القائم.
كما أكدت المنظمة في تحديثاتها الأخيرة أن أي آلية جديدة يجري بحثها يجب أن تكون متسقة مع نظام الفصل المعتمد، وأن التنسيق في المضيق يظل مرتبطًا بالدول الساحلية، وعلى رأسها سلطنة عمان وإيران، مع التشديد على احترام حرية الملاحة وحق المرور البريء وفق قواعد القانون البحري الدولي.
لماذا عاد الحديث عن تنظيم جديد الآن؟
السبب المباشر هو أن عام 2026 شهد تصاعدًا كبيرًا في المخاطر المحيطة بالمضيق. فقد أصدرت المنظمة البحرية الدولية في 1 مارس 2026 بيانًا أعربت فيه عن قلقها من سقوط قتيل وإصابة بحارة في هجمات على سفن تجارية، ثم عادت في 19 مارس 2026 لتدعو إلى إطار منسق للمرور الآمن بعد مناقشات استثنائية لمجلسها بشأن تداعيات الوضع في الشرق الأوسط على الشحن التجاري. وفي 9 يونيو 2026 قالت المنظمة صراحة إنه لا توجد ظروف يمكن اعتبارها مرورًا آمنًا بالكامل في المضيق آنذاك.
هذا السياق يفسر لماذا تبدو أي مبادرة عُمانية محتملة منطقية من الناحية العملية؛ فالدولة المطلة على أحد جانبي المضيق معنية مباشرة بتقليل المخاطر على السفن والبحارة، والحفاظ على انسياب التجارة، وتجنب الانزلاق إلى فوضى ملاحية ترفع كلفة العبور على الجميع. وما يمكن استنتاجه من الوثائق الدولية هو أن النقاش يدور حول تحسين إدارة الحركة وتوفير ممرات تشغيلية أكثر وضوحًا وتوسيع التنسيق بين السلطات الساحلية والقطاع البحري، لا حول إلغاء النظام القائم من أساسه.
كيف يمكن فهم فكرة “المسارين المنفصلين”؟
في غياب نص رسمي منشور من مسقط يشرح المقترح بندًا بندًا، يبقى من الأدق التعامل مع الفكرة بوصفها اتجاهًا تنظيميًا قيد التداول، لا قرارًا نهائيًا نافذًا. لكن من الناحية الفنية، فإن فصل الحركة إلى مسارات أكثر تحديدًا أو إخضاع كل اتجاه أو نطاق لآليات متابعة مختلفة قد يساعد في:
- تقليل احتمالات التصادم في أحد أكثر الممرات ازدحامًا وحساسية في العالم.
- تسهيل المتابعة الأمنية والملاحية عبر توزيع المسؤوليات التشغيلية بوضوح أكبر.
- منح شركات الشحن والربابنة تعليمات أكثر دقة في أوقات التوتر.
- تسريع الاستجابة للحوادث أو أي تغيير مفاجئ في شروط العبور.
لكن نجاح أي صيغة من هذا النوع يبقى مرهونًا بتوافر توافق سياسي وضمانات أمنية وقبول دولي من الجهات المعنية بالنقل البحري والتأمين والتجارة، وهو ما شددت عليه المنظمة البحرية الدولية مرارًا في بياناتها خلال العام الجاري.
الأثر على أسواق الطاقة والتجارة العربية
بالنسبة للمنطقة العربية، لا يقتصر الأمر على مسألة فنية تخص خطوط سير السفن. أي تعديل في تنظيم الملاحة داخل مضيق هرمز يلامس مباشرة أمن تصدير النفط والغاز من الخليج، ويؤثر في تكلفة النقل البحري، ورسوم التأمين على الناقلات، وسرعة وصول الشحنات إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. ولذلك تتابع الحكومات والأسواق هذا الملف بحساسية شديدة، خصوصًا في ظل ما أقرته المنظمة البحرية الدولية من أن الاضطرابات في المضيق تحمل تداعيات أوسع على الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي أيضًا.
ومن زاوية مصرية، فإن أي توتر مطول في مسارات الطاقة والتجارة الإقليمية يهم القاهرة بصورة غير مباشرة عبر تأثيره على حركة التجارة الدولية، وعلى أسواق الطاقة، وعلى حسابات الشحن في المنطقة الأوسع الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وقناة السويس. لهذا تبدو الجهود الرامية إلى تهدئة الممرات البحرية العربية وتحصينها من التصعيد مسألة تتجاوز حدود الخليج وحده.
دور عمان في المعادلة البحرية
تحظى سلطنة عمان بموقع خاص في هذا الملف بحكم إشرافها الجغرافي على جزء أساسي من المضيق، فضلًا عن حضورها التقليدي في مسارات الوساطة الإقليمية. والوثائق الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية خلال 2026 تشير بوضوح إلى أن التنسيق مع عمان عنصر أساسي في أي ترتيبات تشغيلية أو خطط إجلاء أو تحديثات ملاحية تخص المنطقة. ففي 23 يونيو 2026 أعلنت المنظمة بدء تنفيذ خطة لإجلاء أكثر من 11 ألف بحار عالقين في المنطقة، وقالت إن العملية ستتم بالتعاون الوثيق مع إيران وعمان ودول ساحلية أخرى والقطاع البحري.
هذا التطور يكشف أن مسقط ليست طرفًا هامشيًا في النقاش، بل لاعبًا رئيسيًا في أي مسار يخص سلامة الملاحة في مضيق هرمز، سواء تعلق الأمر بخطط تشغيل مؤقتة، أو آليات عبور آمن، أو مقترحات إعادة تنظيم الممرات البحرية.
ما الذي يمكن ترقبه لاحقًا؟
المؤشرات الحالية تقول إن ملف هرمز سيظل مفتوحًا خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار المنظمة البحرية الدولية في إصدار تحديثات وبيانات تخص أمن الملاحة والوضع التشغيلي في المنطقة. وإذا خرجت سلطنة عمان لاحقًا بإعلان رسمي مفصل حول مقترح المسارين المنفصلين، فسيكون النقاش الحقيقي منصبًا على ثلاثة أسئلة: كيف سيطبق؟، من سيدير كل مسار؟، وهل يحظى بقبول يضمن استدامته عمليًا؟
حتى ذلك الحين، يبقى الثابت أن مضيق هرمز دخل مرحلة جديدة من التدقيق الدولي، وأن أي مبادرة لتنظيمه لن تُقاس فقط بقدرتها على ترتيب خطوط السير على الخريطة، بل بمدى نجاحها في حماية البحارة، وضمان حرية الملاحة، ومنع تحول أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى بؤرة اختناق دائم للتجارة والطاقة في العالم العربي وخارجه.