مقترح في مجلس الشيوخ لاستبدال «ربة منزل» بـ«صانعة جيل»
مقترح جديد يعيد صياغة توصيف دور المرأة داخل الأسرة
عاد الجدل حول المسميات المستخدمة في الأوراق الرسمية إلى الواجهة في مصر، بعد طرح النائبة شيرين صبري، عضو مجلس الشيوخ، مقترحًا يدعو إلى استبدال وصف «ربة منزل» بمسمى «صانعة جيل». ويستند الطرح إلى فكرة أن التعبير المتداول منذ سنوات لم يعد يعكس، من وجهة نظر مقدميه، الحجم الحقيقي للدور الذي تؤديه المرأة داخل الأسرة وفي تشكيل المجتمع، خصوصًا في مجالات التنشئة والرعاية وبناء القيم.
وبحسب ما أمكن التحقق منه من تغطيات صحفية مصرية حديثة، فإن شيرين صبري تشغل عضوية مجلس الشيوخ، كما عُرفت خلال الأشهر الأخيرة بعدد من التحركات والبيانات البرلمانية في ملفات اجتماعية وتشريعية مختلفة، ما يعزز صلة المقترح بالسياق البرلماني القائم وليس باعتباره مجرد طرح رمزي منفصل.
لماذا يثير المصطلح كل هذا الاهتمام؟
اللافت في المقترح أنه لا يتوقف عند تغيير لفظي بسيط، بل يلامس نقاشًا أوسع حاضرًا في مصر والعالم العربي بشأن كيفية الاعتراف بالعمل غير المأجور الذي تقوم به النساء داخل البيوت. فالمصطلحات الإدارية ليست محايدة دائمًا؛ إذ يمكن أن تعكس نظرة المجتمع إلى أدوار بعينها، أو تكرس فهمًا تقليديًا لها، أو تمنحها توصيفًا أكثر تقديرًا.
أنصار هذا التوجه يرون أن وصف «صانعة جيل» يمنح معنى أكثر ارتباطًا بوظائف التربية والرعاية والتنشئة الاجتماعية، وهي أدوار لا تقل أهمية عن أي نشاط اقتصادي مباشر، حتى لو لم تُدرج في سوق العمل بصيغة الأجر الشهري. وفي المقابل، يفتح المقترح أيضًا بابًا لنقاش قانوني وإداري حول مدى ملاءمة إدخال هذه الصياغة إلى الاستمارات الرسمية وقواعد البيانات الحكومية، وكيف يمكن توحيدها في المؤسسات المختلفة.
المقترح في سياق دستوري ومؤسسي أوسع
النقاش لا ينفصل عن الإطار العام الذي تتحدث فيه الدولة المصرية عن دعم المرأة وتمكينها. فالمادة 11 من الدستور المصري تنص على التزام الدولة بتحقيق المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما تؤكد اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل مناسب للمرأة في المجالس النيابية وتوليها الوظائف العامة دون تمييز. هذا الإطار الدستوري يمنح أي نقاش متعلق بصورة المرأة في المجال العام ثقلًا يتجاوز البعد اللغوي وحده.
كذلك جاءت الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، التي أُطلقت في عام 2017، لتضع مسارات متكاملة للتمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحماية، مع التركيز على تغيير الثقافة المجتمعية وتعزيز النظرة المنصفة لدور المرأة. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المقترح البرلماني باعتباره جزءًا من نقاش عربي أوسع حول اللغة الرسمية وعلاقتها بالسياسات العامة والصورة الذهنية.
من صاحبة المقترح؟
تُظهر التغطيات المنشورة خلال عامي 2025 و2026 أن شيرين صبري عضو في مجلس الشيوخ المصري، وارتبط اسمها بعدة مواقف في ملفات الأسرة والمرأة والشأن العام. كما ورد في تقارير صحفية أنها تنتمي إلى حزب حماة الوطن. ويعطي ذلك للمقترح بعدًا سياسيًا وبرلمانيًا واضحًا، خصوصًا أنه يمس لغة التعامل الرسمي مع شريحة واسعة من النساء في مصر.
ورغم أن المقترح المتداول يركز على تغيير المسمى في الأوراق الرسمية، فإن تفاصيل الخطوات الإجرائية اللاحقة، مثل الجهة المختصة بالتنفيذ أو ما إذا كان الأمر يحتاج تعديلًا تشريعيًا أو قرارًا تنظيميًا، لم تظهر بشكل موثق في المصادر المتاحة التي أمكن التحقق منها حتى الآن، لذلك لا يمكن الجزم بمساره التنفيذي الكامل في هذه المرحلة.
ما الذي قد يتغير عمليًا إذا تم اعتماد المسمى؟
إذا انتقل المقترح من دائرة النقاش إلى التطبيق، فقد ينعكس على عدد من النماذج والإجراءات التي تستخدم خانة المهنة أو الصفة الاجتماعية في التعاملات الرسمية. ومن بين الآثار المحتملة:
- تحديث لغة النماذج الحكومية بما يعكس توصيفًا أكثر تقديرًا لدور المرأة داخل الأسرة.
- إعادة طرح نقاش مجتمعي حول قيمة العمل المنزلي والرعائي غير المدفوع.
- تعزيز البعد الرمزي لفكرة أن التربية والرعاية مسؤولية ذات أثر مباشر في تكوين المجتمع.
- فتح ملفات إحصائية وإدارية تتعلق بكيفية تصنيف الأدوار الاجتماعية في قواعد البيانات الرسمية.
لكن في الوقت نفسه، قد يطرح مختصون تساؤلات حول ما إذا كان تغيير التسمية وحده كافيًا، أم أن المطلوب هو ربط هذا النقاش بسياسات أكثر اتساعًا تشمل الحماية الاجتماعية، والرعاية، والخدمات الموجهة للأسرة، والاعتراف الاقتصادي غير المباشر بجهود النساء داخل المنازل.
دلالة عربية تتجاوز الحدود المصرية
رغم أن المقترح مطروح داخل مؤسسة تشريعية مصرية، فإن صداه يتجاوز الحدود الوطنية إلى الفضاء العربي الأوسع، حيث تتشابه النقاشات في دول كثيرة حول مكانة المرأة بين العمل الرسمي والعمل الأسري غير المدفوع. وفي المنطقة العربية، كثيرًا ما يُعاد طرح سؤال الاعتراف الاجتماعي: هل تكفي لغة الاحترام الرمزي، أم أن المطلوب منظومة كاملة تعيد تقدير أدوار الرعاية والتربية بوصفها استثمارًا في رأس المال البشري؟
من هنا تكتسب عبارة «صانعة جيل» جاذبيتها؛ فهي لا تصف مهمة يومية داخل البيت فقط، بل تربطها مباشرة بمستقبل المجتمع. وهذا الربط مهم في بيئة عربية ما زالت تناقش باستمرار قضايا الأسرة، والهوية، والتعليم، والقيم، والدور الاجتماعي للمرأة في آن واحد.
بين الرمزية والتشريع
يبقى السؤال الأهم: هل يتحول المقترح إلى مسار تشريعي أو تنظيمي واضح، أم يظل إطارًا رمزيًا لإعادة فتح النقاش العام؟ الإجابة ستتوقف على ما إذا كانت المؤسسات المختصة ستتبنى الفكرة وتترجمها إلى آليات رسمية في المستندات والإجراءات الحكومية.
لكن المؤكد أن المقترح نجح بالفعل في تحقيق هدفه الأول: إثارة نقاش واسع حول لغة الدولة في توصيف المرأة، وما إذا كانت هذه اللغة تحتاج إلى تحديث يواكب التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة. وفي ظل الحديث المستمر عن تمكين المرأة عربيًا، تبدو المعركة على الكلمات أحيانًا بداية لمعركة أكبر على الاعتراف والتمثيل والتقدير.
وبالنسبة لقطاع واسع من المتابعين في مصر والمنطقة العربية، فإن المسألة لا تتعلق باستبدال كلمتين فحسب، بل بإعادة النظر في الطريقة التي تُسجل بها الأدوار الاجتماعية في الوعي العام وفي الوثائق الرسمية معًا. ولهذا، قد يكون الجدل حول «ربة منزل» و«صانعة جيل» واحدًا من تلك النقاشات التي تبدو لغوية في ظاهرها، لكنها تحمل أبعادًا اجتماعية وثقافية وتشريعية أعمق بكثير.