منظمة التحرير: 114 أمراً عسكرياً وسّعت الاستيطان بالضفة
تصعيد استيطاني متسارع في الضفة الغربية
كشف تقرير فلسطيني حديث أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي صعّدت، منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، من استخدام الأوامر العسكرية كأداة لتوسيع نفوذ المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. وبحسب المعطيات التي أوردها المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد جرى إصدار 114 أمراً عسكرياً منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى منتصف عام 2026، ما أدى إلى الاستيلاء على أكثر من 25 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية أو ضمها عملياً إلى مناطق النفوذ الاستيطاني. وقد أعادت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية وفا نشر هذه الأرقام في 4 يوليو 2026 ضمن التقرير الأسبوعي للمكتب.
أهمية هذه الأرقام لا ترتبط فقط بحجم الأراضي، بل كذلك بوتيرة القرارات. فالتقرير الفلسطيني يشير إلى أن عدد الأوامر العسكرية الصادرة منذ أكتوبر 2023 يوازي تقريباً ما صدر خلال نحو العشرين عاماً السابقة، وهو ما يعكس تحولاً في آليات توسيع المشروع الاستيطاني على الأرض، عبر الجمع بين القرارات الحكومية الرسمية والتحركات الميدانية للمستوطنين.
كيف تُستخدم الأوامر العسكرية في تغيير خريطة الأرض؟
وفق التقرير، لا تقتصر السياسة الإسرائيلية على إعلان مستوطنات جديدة بصيغتها التقليدية، بل تتجه أيضاً إلى توسيع “مناطق النفوذ” الخاصة بالمستوطنات القائمة، وتخصيص مساحات إضافية لمشروعات مستقبلية، إلى جانب شق طرق التفافية وإقامة أحزمة عازلة تمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم. التقرير الفلسطيني يربط هذا المسار مباشرة بسياسات حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي تجمع بين الغطاء الرسمي وإعطاء مساحة أوسع لتحركات المستوطنين على الأرض.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن خطورة هذا النمط تكمن في أنه لا يقتصر على تغيير حدود قطعة أرض هنا أو هناك، بل يطال البنية الجغرافية والسياسية للضفة الغربية كلها. فكل طريق التفافي جديد، وكل أمر عسكري يفرض قيوداً على الزراعة أو الوصول، يعني مزيداً من تقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينية، بما ينعكس على ملف الدولة الفلسطينية وحدودها المستقبلية، وهو ملف يرتبط مباشرة بأمن واستقرار الإقليم كله، من القاهرة إلى عمّان ورام الله.
بؤر جديدة وتهجير للتجمعات البدوية
المعطيات الفلسطينية المرافقة للتقرير تشير أيضاً إلى تسارع في إنشاء البؤر الاستيطانية. فقد أفادت تقارير فلسطينية رسمية بأن المستوطنين أقاموا أكثر من 200 بؤرة استيطانية جديدة، تركز معظمها بين عامي 2023 ومنتصف 2026، في إطار هدف معلن عملياً يتمثل في فصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها وقطع التواصل الجغرافي بينها.
وفي السياق نفسه، قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن النصف الأول من عام 2026 شهد 11074 اعتداءً نفذتها أجهزة الاحتلال والمستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، مع تركز واضح في محافظات الخليل ورام الله والبيرة ونابلس وبيت لحم. كما حذرت الهيئة من أن مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني والتهجير القسري باتت تشكل نمطاً متكاملاً لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية.
الأرقام الأوسع: الاستيطان لم يعد قضية هامشية
تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بشأن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة لعام 2024 يوضح حجم المشهد على نحو أوسع. فبحسب التقرير، بلغ عدد المستوطنات في الضفة الغربية بنهاية عام 2024 نحو 151 مستوطنة، فيما وصل عدد المستوطنين إلى 778,567 مستوطناً، بينهم 333,580 في محافظة القدس. هذه الأرقام تعكس وزناً ديموغرافياً وسياسياً متزايداً للمشروع الاستيطاني في الأراضي المحتلة.
ويشير التقرير الإحصائي نفسه إلى أن السلطات الإسرائيلية نفذت، خلال فترة الحرب الممتدة بعد 7 أكتوبر 2023، سياسات مصادرة طالت نحو 55 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية بوسائل متعددة، من بينها تعديل حدود محميات طبيعية، وإعلانات “أراضي دولة”، وأوامر عسكرية لأغراض أمنية. كما وثّق الاستيلاء على 1,756 دونماً عبر 108 أوامر عسكرية لأغراض شملت طرقاً أمنية وأبراجاً ومناطق عازلة حول المستوطنات.
ورغم أن رقم 25 ألف دونم الوارد في تقرير منظمة التحرير يتعلق بضم أراضٍ إلى مناطق نفوذ المستوطنات، بينما يعرض الجهاز المركزي للإحصاء أرقاماً أوسع لسياسات المصادرة بأشكالها المختلفة، فإن الصورتين تلتقيان عند نتيجة واحدة: توسيع السيطرة الإسرائيلية الفعلية على الأرض الفلسطينية بوسائل قانونية وعسكرية وإدارية متداخلة.
لماذا يهم هذا التطور مصر والمنطقة؟
في التغطية الإقليمية من منظور مصري، لا يُنظر إلى الاستيطان باعتباره ملفاً محلياً فلسطينياً فقط، بل باعتباره أحد أهم العوامل التي تعقّد أي مسار سياسي في الشرق الأوسط. فكل توسع استيطاني جديد يضعف فرص التسوية القائمة على حل الدولتين، ويزيد من احتمالات الانفجار الميداني في الضفة الغربية، بما يحمله ذلك من تبعات أمنية وإنسانية وسياسية على المنطقة بأكملها.
كما أن تزامن هذا التصعيد في الضفة مع استمرار الحرب على غزة يرسخ، وفق القراءة الفلسطينية الرسمية، واقعاً مزدوجاً: حرب مدمرة في القطاع، وتغيير متدرج في الخريطة على الأرض في الضفة. وفي هذا الإطار، فإن ملف الاستيطان يعود ليحتل موقعاً مركزياً في النقاش العربي والأفريقي حول الاحتلال، القانون الدولي، وحقوق الشعوب في أراضيها.
أبرز ما ورد في المعطيات الفلسطينية
- 114 أمراً عسكرياً إسرائيلياً لتوسيع أو إنشاء مناطق نفوذ استيطانية منذ 7 أكتوبر 2023 حتى منتصف 2026.
- أكثر من 25 ألف دونم أُلحقت بمناطق السيطرة الاستيطانية وفق تقرير المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان.
- أكثر من 200 بؤرة استيطانية جديدة خلال الفترة نفسها بحسب التقرير الفلسطيني.
- 151 مستوطنة و778,567 مستوطناً في الضفة الغربية بنهاية 2024 وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
- 11074 اعتداءً في النصف الأول من 2026 وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
خلاصة المشهد
الرسالة الأساسية التي يطرحها التقرير الفلسطيني واضحة: التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية لم يعد مجرد نمو طبيعي للمستوطنات القائمة، بل بات يُدار عبر شبكة من الأوامر العسكرية والقرارات الإدارية والتحركات الميدانية التي تعيد رسم الخريطة الفلسطينية على نحو متسارع. وبينما تتواصل الحرب على غزة، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة أشد حساسية، عنوانها تكريس وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها لاحقاً.
ومع تصاعد الأرقام واتساع رقعة المصادرة والاعتداءات، يصبح السؤال المطروح عربياً وأفريقياً ودولياً: إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه السياسة من دون أن تدفع المنطقة إلى مزيد من التوتر، وتغلق ما تبقى من نافذة أمام أي تسوية عادلة وشاملة؟