Akhbar Cairo

منع عودة الفلسطينيين إلى غزة.. حقوقيون يحذرون من التهجير

تحذير حقوقي من سياسة تمنع العودة إلى غزة

تتزايد التحذيرات الحقوقية من أن القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة الفلسطينيين من وإلى قطاع غزة لم تعد مجرد تدابير أمنية عابرة، بل باتت، وفق توصيف منظمات حقوقية فلسطينية ودولية، جزءًا من واقع يدفع نحو تكريس التهجير القسري ومنع السكان من استعادة حياتهم الطبيعية داخل القطاع. وفي هذا السياق، أدان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ما وصفه بإجراءات تعسفية تعرقل عودة فلسطينيين إلى غزة، معتبرًا أن استمرار هذه السياسة يهدد حق السكان في الإقامة داخل أرضهم ويعمّق الأزمة الإنسانية.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة بالنسبة إلى القارئ المصري، لأن مصر ترتبط مباشرة بملف غزة عبر معبر رفح، وبجهودها المستمرة لإدخال المساعدات، واستقبال المصابين والجرحى للعلاج، ودعم التهدئة والحلول التي تحول دون تصفية القضية الفلسطينية أو فرض وقائع ديموغرافية جديدة على الأرض.

ماذا قال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان؟

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومقره غزة، نشر خلال عام 2026 أكثر من بيان وتقرير حذّر فيها من أن القيود على الحركة والدخول والخروج من القطاع تسير في اتجاه خطير، خصوصًا مع مؤشرات تفيد بأن عددًا محدودًا فقط تمكن من العودة أو الدخول إلى غزة منذ اندلاع الحرب، في مقابل خروج عشرات الآلاف منذ 7 أكتوبر 2023. ويرى المركز أن هذا الخلل في حركة السكان لا يمكن فصله عن بيئة أوسع من الدمار الواسع، وصعوبة الوصول إلى المأوى، وتعطل الإعمار، ونقص الخدمات الأساسية.

كما أشار المركز في تقرير آخر صدر في 2026 إلى أنه رغم الإعلان عن فتح معبر رفح مطلع فبراير 2026، فإن وتيرة السفر الفعلية ظلت محدودة مقارنة بحجم الاحتياج، بما لا يكفي لتلبية متطلبات الإخلاء الطبي أو لم شمل الأسر أو تسهيل عودة العالقين. ويقود المركز الحقوقي المحامي الفلسطيني راجي الصوراني، وهو من أبرز الوجوه الحقوقية المعروفة في قطاع غزة.

كيف تُعرقل العودة عمليًا؟

عمليًا، تتخذ القيود عدة صور متداخلة، تبدأ من اشتراطات أمنية معقدة، وتمر بإغلاق أو تقليص مسارات الحركة، ولا تنتهي عند التحكم في قوائم المسموح لهم بالعبور، سواء من المرضى أو العالقين أو الراغبين في العودة إلى مناطقهم داخل القطاع. وتقول منظمات حقوقية إن المشكلة لا تقتصر على السفر إلى الخارج، بل تشمل أيضًا التحكم في حق الفلسطيني في العودة إلى غزة نفسها بعد خروجه للعلاج أو الإجلاء أو النزوح المؤقت.

وتزداد خطورة هذه الإجراءات حين تقترن بظروف ميدانية تجعل البقاء خارج القطاع أمرًا مفروضًا بحكم الأمر الواقع، لا خيارًا حرًا. فحين يُمنع أو يتعذر الرجوع، بينما يتواصل تدمير الأحياء السكنية وتتعطل إعادة الإعمار وتبقى الخدمات الأساسية تحت ضغط شديد، يصبح الحديث عن “تنظيم حركة” أقرب، من منظور حقوقي، إلى إدارة للتهجير وليس مجرد ضبط للمعابر.

الأمم المتحدة: القيود والانتشار العسكري يزيدان المخاطر

مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة OCHA حذّر بدوره في تقارير حديثة خلال يونيو ويوليو 2026 من أن توسيع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية داخل غزة، إلى جانب القيود المفروضة على الحركة والوصول، يزيد من المخاطر على المدنيين ويعرقل العمليات الإنسانية. وأكد المكتب أن الوصول الإنساني ما زال مقيدًا بشدة، بما يؤدي إلى تأخير أو تعليق أنشطة منقذة للحياة.

وفي تقرير نُشر أواخر يونيو 2026، أشار المكتب إلى أن الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية نبّهت إلى أن استمرار توسيع المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 فاقم المخاطر على المدنيين وضيّق هامش العمل الإغاثي. كما وثّق المكتب مقتل 196 فلسطينيًا بين 10 أكتوبر 2025 وبداية أبريل 2026 قرب مناطق انتشار القوات الإسرائيلية، بينهم 18 امرأة و43 طفلًا.

البعد القانوني: لماذا يُنظر إلى المسألة كتهجير قسري؟

في القانون الدولي الإنساني، لا يُنظر إلى التهجير القسري فقط بوصفه النقل المباشر للسكان بالقوة، بل أيضًا من خلال خلق ظروف قسرية تجعل البقاء أو العودة أمرًا شبه مستحيل. اللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد أن القوة القائمة بالاحتلال قد تفرض قيودًا أمنية في حدود معينة، لكن عليها في جميع الأحوال احترام مبدأ التناسب وضمان المعاملة الإنسانية للسكان المدنيين.

ومن هنا، فإن الجدل القانوني لا ينحصر في وجود إجراءات أمنية من عدمه، بل في مدى مشروعيتها وتناسبها، وفي أثرها الفعلي على حياة المدنيين. وعندما تتكرر القيود بالتوازي مع التدمير الواسع للمنازل، وصعوبة إدخال مواد البناء، وتعثر المساعدات، وتعقيد الخروج للعلاج ثم العودة بعده، فإن كثيرًا من الهيئات الحقوقية تعتبر أن هذه المنظومة مجتمعة تفتح الباب أمام تغيير ديموغرافي قسري في القطاع.

الموقف المصري ولماذا يهم القارئ في مصر؟

بالنسبة لمصر، لا يُقرأ هذا الملف فقط من زاوية إنسانية، بل أيضًا من زاوية الأمن القومي ورفض تصفية القضية الفلسطينية. وتؤكد البيانات الرسمية المصرية بشكل متكرر دعم القاهرة لوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، ورفض أي محاولات لدفع الفلسطينيين إلى ترك أرضهم. كما أوردت الهيئة العامة للاستعلامات أن مصر واصلت في يونيو 2026 إدخال شاحنات المساعدات والوقود إلى قطاع غزة عبر ميناء رفح البري باتجاه معبر كرم أبو سالم، في إطار جهود تخفيف الأزمة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني.

وأشارت الهيئة كذلك إلى أنه مع دخول المرحلة الثانية من الاتفاق حيز التنفيذ اعتبارًا من 2 فبراير 2026، تم السماح بدخول فلسطينيين إلى القطاع وخروج مصابين وجرحى لتلقي العلاج في المستشفيات المصرية بعد فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح. لكن استمرار القيود والتعقيدات على الأرض جعل من هذه الآلية أقل كثيرًا من حجم الاحتياج الفعلي، بحسب تقييمات حقوقية.

تداعيات إنسانية مباشرة على الأسر والمرضى

أثر منع العودة لا يقتصر على الأرقام أو المبادئ القانونية؛ فالأزمة تمسّ حياة أسر كاملة. فهناك مرضى خرجوا للعلاج أو أشخاص غادروا تحت ضغط القصف أو بسبب الإجلاء، ثم وجدوا أنفسهم عاجزين عن العودة إلى بيوتهم أو إلى ما تبقى منها. وهناك عائلات تشتت بين غزة ومصر ودول أخرى، وأطفال انفصلوا عن بيئتهم التعليمية والاجتماعية، فضلًا عن خسائر العمل والسكن والروابط الأسرية.

كما أن تعطّل عودة السكان يعقّد أي خطة جدية للتعافي المبكر أو إعادة الإعمار. فالعودة الآمنة والمنظمة للسكان تُعد شرطًا أساسيًا لإعادة تشغيل المدارس والمستشفيات والأسواق والبنية المحلية. وبدون ذلك، يبقى القطاع في دائرة الاعتماد الإغاثي، مع صعوبة الانتقال إلى مرحلة الاستقرار.

خلاصة المشهد

الرسالة التي تطرحها المنظمات الحقوقية اليوم واضحة: منع الفلسطينيين من العودة إلى غزة لا يمكن التعامل معه كمسألة إدارية أو أمنية محضة، لأن نتائجه تمتد إلى بنية المجتمع وحق السكان في البقاء على أرضهم. وبينما تواصل مصر تحركاتها لفتح مسارات المساعدات والعلاج وتثبيت التهدئة، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان ألا تتحول القيود المؤقتة إلى واقع دائم يرسخ التهجير ويبدل الخريطة السكانية للقطاع.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن القضية لا تخص غزة وحدها؛ بل تمس استقرار الإقليم كله، وتعيد التأكيد على أن أي مسار سياسي أو إنساني جاد يجب أن يبدأ من مبدأ ثابت: لا تهجير للفلسطينيين من أرضهم، ولا انتقاص من حقهم في العودة إلى بيوتهم داخل قطاع غزة.