Akhbar Cairo

منير فخري عبدالنور يروي كواليس ما بعد يناير وصعود الإخوان

شهادة سياسية جديدة تعيد فتح ملف السنوات الأكثر اضطرابًا في مصر

أعاد الدكتور منير فخري عبدالنور إلى الواجهة نقاشًا قديمًا ومتجددًا حول طبيعة العلاقة بين القوى المدنية المصرية وجماعة الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية في الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011، وذلك خلال ظهوره في بودكاست «رؤية أخرى» الذي يقدمه الكاتب الصحفي عبد اللطيف المناوي. ويأتي هذا الحوار ضمن برنامج أطلقته منصات الشرق في 2026 ويعتمد على مقابلات مطولة مع شخصيات عامة وسياسية لقراءة التحولات الكبرى في المنطقة.

أهمية هذه الشهادة لا تعود فقط إلى أن عبدالنور شغل مناصب وزارية بارزة، بينها السياحة ثم الصناعة والتجارة، بل أيضًا لأنه كان حاضرًا في قلب المداولات السياسية خلال لحظة مفصلية لمصر، وهي لحظة انعكست تداعياتها على المجال العربي والأفريقي معًا، من البحر المتوسط إلى القرن الأفريقي، نظرًا لمكانة القاهرة الإقليمية وتأثير استقرارها في محيطها القاري.

كيف قرأ عبدالنور موقف الجيش بعد الثورة؟

بحسب ما أورده عبدالنور في الحوار، فإنه كان يعتقد في البداية أن القوات المسلحة اتخذت قرارًا بالابتعاد عن الانخراط المباشر في السياسة بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك. لكنه قال إن هذا التصور تبدل لاحقًا مع تصاعد الاستقطاب الداخلي، معتبرًا أن المؤسسة العسكرية عادت إلى المشهد عندما بدا، من وجهة نظره، أن البلاد تقترب من حافة صدام أهلي.

هذه النقطة تحديدًا تتقاطع مع الجدل الواسع الذي طبع الحياة السياسية المصرية بين 2011 و2013، حين شهدت البلاد انتقالًا مرتبكًا للسلطة، وتزايدًا في التنافس بين القوى الثورية والأحزاب المدنية والإسلاميين، قبل أن ينتهي المسار إلى تغيرات جذرية في بنية الحكم. وفي هذا السياق، قال عبدالنور بوضوح إن القوى المدنية لم تكن تثق في قدرتها على إزاحة الإخوان بمفردها، وهو ما يفسر، وفق روايته، الرهان على تدخل الجيش كعامل حاسم في المعادلة.

من الميدان إلى البرلمان: أين بدأ التحول؟

عبدالنور أشار كذلك إلى أنه تابع تطورات ثورة 25 يناير عن قرب، وأنه كان ينزل إلى ميدان التحرير بصورة شبه يومية في بداياتها. لكنه أوضح أن حماسه الأولي للحراك الثوري تبدل مع الوقت، عندما رأى أن جماعة الإخوان المسلمين باتت أكثر حضورًا في المشهد من بقية القوى التي شاركت في الاحتجاجات.

هذا التقييم ينسجم مع ما جرى على الأرض في الشهور التالية. فمع الانتخابات البرلمانية التي بدأت في نوفمبر 2011 واستمرت حتى مطلع يناير 2012، حصد حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان آنذاك، 222 مقعدًا في مجلس الشعب بنسبة تقارب 44%، بحسب ما وثقته بوابة الأهرام. وفي 23 يناير 2012، انتُخب سعد الكتاتني رئيسًا للمجلس في أولى جلساته، في مؤشر واضح على انتقال ثقل الجماعة من الشارع إلى المؤسسات المنتخبة.

ومن هذه الزاوية، تبدو إشارة عبدالنور إلى لقائه بالفريق محمد العصار بعد سيطرة الإخوان على البرلمان ذات دلالة سياسية، حتى لو لم يفصل في كل ما دار خلال هذا اللقاء. فالعصار كان من أبرز أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في تلك المرحلة، ما يجعل أي تواصل معه جزءًا من مشهد أوسع من المشاورات غير المعلنة بين أطراف الدولة والقوى السياسية المختلفة.

قبول المنصب الوزاري وسط فراغ الدولة

في الحوار نفسه، استعاد عبدالنور ظروف قبوله تولي حقيبة السياحة بعد الثورة. وقال إنه تلقى اتصالًا من الفريق أحمد شفيق في 14 فبراير 2011، قبل أن يعرض خلال لقاء لاحق تصوره لبعض الأسماء التي رأى ضرورة وجودها في التشكيل الحكومي. وبعد أيام، ومع ضم عدد من الأسماء التي اقترحها، قرر الانضمام إلى الحكومة.

لكن عبدالنور وصف تلك المرحلة بأنها كانت أقرب إلى العمل داخل دولة تعاني فراغًا حقيقيًا في الرؤية والانضباط المؤسسي، على حد روايته. ورغم ذلك، قال إنه لم يندم على قبول المسؤولية، لأنه رأى أن الواجب يفرض ملء الفراغ بشخصيات قادرة على إدارة الملفات العامة في وقت شديد الحساسية.

سياسيًا، تكشف هذه الشهادة جانبًا مهمًا من طبيعة المرحلة الانتقالية: لم تكن الأزمة فقط في التنافس بين قوى الحكم والمعارضة، بل كذلك في هشاشة مؤسسات الدولة نفسها، وهو ما جعل المجال العام مفتوحًا على احتمالات واسعة، من التوافق إلى الانقسام الحاد.

لماذا يهم هذا النقاش خارج مصر أيضًا؟

رغم أن تصريحات عبدالنور تتعلق بالشأن المصري الداخلي، فإن وقعها يتجاوز الحدود الوطنية، خصوصًا بالنسبة لقراء قسم «أفريقيا». فمصر ليست دولة معزولة عن قارتها؛ أي تحول كبير في بنية السلطة فيها ينعكس على ملفات الأمن الإقليمي، والهجرة، وحركة التجارة عبر البحر الأحمر، والعلاقات مع دول حوض النيل، فضلًا عن صورة الدولة الوطنية في شمال أفريقيا.

كما أن تجربة ما بعد 2011 بقيت محل متابعة في عدد من العواصم الأفريقية التي واجهت بدورها أسئلة مشابهة حول الانتقال السياسي، ودور الجيوش، وحدود مشاركة التيارات الدينية في الحكم. ومن ثم، فإن استعادة هذه الوقائع الآن لا تبدو مجرد مراجعة للماضي، بل قراءة متأخرة لدرس إقليمي لا يزال حاضرًا.

بودكاست «رؤية أخرى» ومنصة استدعاء الذاكرة السياسية

برنامج «رؤية أخرى»، الذي يقدمه عبد اللطيف المناوي، يطرح نفسه كمساحة لحوارات هادئة وطويلة مع شخصيات ذات خبرة في السياسة والفكر والتاريخ. وتوضح المنصة التعريفية للبرنامج أنه يستهدف تحليل التحولات السياسية والتاريخية في المنطقة والعالم من خلال شهادات مباشرة، وهو ما يمنح ظهور عبدالنور فيه وزنًا خاصًا، باعتبار أن الرجل يتحدث هنا بصفته شاهدًا وفاعلًا في آن واحد.

ومع تزايد الاهتمام العربي والأفريقي بإعادة تقييم ما جرى في العقد الماضي، تبدو مثل هذه الحوارات جزءًا من معركة الذاكرة نفسها: من يروي ما حدث؟ وكيف يُفهم اليوم؟ وما الذي بقي من رهانات القوى المدنية، وما الذي تبدل في نظرة الدولة إلى إدارة التحولات الكبرى؟

خلاصة المشهد

تصريحات منير فخري عبدالنور لا تقدم فقط سردًا شخصيًا لما بعد 25 يناير، بل تعكس أيضًا رؤية شريحة من النخبة المدنية المصرية التي رأت أن صعود الإخوان إلى البرلمان ثم إلى الحكم فاق قدرة خصومهم السياسيين على المواجهة عبر الأدوات المدنية وحدها. وبين قراءة عبدالنور لموقف الجيش، وإشارته إلى خطر الحرب الأهلية، وحديثه عن هشاشة الدولة في تلك اللحظة، يعود ملف المرحلة الانتقالية إلى النقاش العام من جديد، لا باعتباره تاريخًا منتهيًا، بل باعتباره مفتاحًا لفهم حاضر مصر وموقعها في محيطها الأفريقي الأوسع.